كيف ولماذا وقعت إيران في فخ سردية ” خدعة الإعدام الاستراتيجي” الأمريكية الإسرائيلية بهذه السهولة مرة أخرى ؟

صباح البغدادي

(*) الحريق اندلع ولكن من يستطيع إطفائه ؟ وما هو الثمن الذي سوف يدفع لغرض إخماده ومن هو الذي سوف يدفعه على حساب أمنه القومي؟
(*) الخدعة الأولى قد تُغتفر أو تُفهم كمفاجأة ، أما الثانية فتكون كارثية لأنها تكشف عدم التعلم أو عدم الحذر ؟.
(*) إيران لعبة ورقة مضيق هرمز ووقف تصدير النفط وارتفاع الأسعار قد تجبر أمريكا على التراجع بضغط من دول الخليج ؟.
(*) إسرائيل تمتلك “العيون على الأرض” (الجواسيس)، بينما أمريكا تمتلك “القبضة الجوية الثقيلة” (التكنولوجيا والقوة النارية) تكون النتيجة , صدمة مزدوجة – قطع الرأس (إسرائيل) + كسر الجسد (أمريكا) – مما جعل الرد الإيراني بطيئًا وغير منسق في الساعات الأولى .
 (*) إذا تدهور الوضع فان القيادة السياسية والعسكرية الإيرانية قد تجبر قسرا على القبول على جائزة الترضية المحتملة : رفع جزئي للعقوبات + ضمانات أمنية محدودة، ولكن تحت إشراف دولي صارم .  (*) هذه الحرب سوف تكون نتائجها ومهما بلغت الخسائر المادية والبشرية سوف تغير حتما نتائجها مستقبل خريطة الشرق الأوسط وإلى الأبد وبالاخص لدول الخليج .

الحرب لم تبدأ “قبل ساعات من صباح” يوم السبت 28 شباط 2026 فحسب، بل انفجرت المنطقة بأكملها في عملية مشتركة مدروسة بعناية فائقة أطلق عليها الأمريكيون “عملية الغضب الملحمي” (Operation Epic Fury) والإسرائيليون “زئير الأسد” (Roaring Lion). والايرانيون الوعد “الصادق / 4″  والان اصبحت دول الخليج العربي تشتعل بمسيرات انتحارية بصواريخ إيرانية متبادلة والشروط الأمريكية-الإسرائيلية أصبحت واضحة كالشمس:”لا برنامج نووي، لا تخصيب، لا صواريخ بالستية، لا مليشيات عابرة للحدود” وهذه ليست مجرد شروط تفاوضية، بل شروط استسلام استراتيجي كامل، مصحوبة بدعوة ترامب المباشرة للشعب الإيراني بـ”الاستيلاء على حكومته” وما نتطرق له ضمن السياق ليس تحليلًا عاطفيًا، بل سيكون محاولة لقراءة استراتيجية للواقع الجديد الذي فرضته الساعات القليلة الماضية . ما لفت انتباهنا بان الخدعة الاستراتيجية التي تم استخدامها مرة اخرى “ضربة في الرأس توجع ولكن ضربتان متتاليتان تؤدي إلى الانهيار ” واستخدمت إدارة “ترامب” نفس الوصفة التي نجحت في “حربه الأولى” (12 يومًا) عندما كانت المفاوضات جارية وحدث قصف للبرنامج النووي , ومن خلال تصريحات علنية وتسريبات “سرية” مفتعلة عن مفاوضات مرتقبة يوم الجمعة القادم . والإيحاء بأن “الأمور تسير نحو الهدوء” وكل ذلك كان يشير الينا الى برمجة نفسية مدروسة ليخلق الصدمة والترويع (Shock and Awe) وعنصر المفاجأة . إيران لم تأخذها بمحمل الجد الكافي، ولم ترفع حالة الاستعداد إلى الحد الأقصى، بل اعتمدت على “التصور المسبق” بأن أي ضربة ستكون في ساعات الفجر الأولى. جاءت الضربة في ساعات الصباح الأولى (حوالي 9:27 صباحًا بتوقيت طهران)، مما يثبت أن “المفاجأة” لم تكن مفاجأة حقيقية، بل فشل استخباراتي-عملياتي وكان على القيادة العسكرية الإيرانية أن تتوقع الهجوم في أي لحظة، خاصة مع التحشيد الأمريكي غير المسبوق في الخليج 

ومما نتج عن كل كذلك عن عنصر المفاجئة وتقسيم الأدوار الاستراتيجي الدقيق وفلم ولن يكن وليس عشوائيًا أبدًا : (1) إسرائيل: اختصت بـ”قطع الرأس” والضربة الاستباقية التي أوكلت لها – ضرب غرف القيادة والسيطرة، المقرات الأمنية، والقيادات العليا (حتى البديلة والمحصنة). استفادت من شبكاتها البشرية العميقة داخل إيران (HUMINT) للوصول إلى أماكن “سرية” غير معروفة والنتيجة: مقتل (أو إصابة قاتلة محتملة) القائد العام للحرس الثوري محمد باكبور ووزير الدفاع عزيز نصير زاده، بالإضافة إلى قادة ميدانيين آخرين في غرف العمليات والاهم ما يتم تداوله وليس كتأكيد استهداف المرشد الأعلى “خامنئي” شخصيىآ .
 (2) الولايات المتحدة: اختصت بـ”كسر الجسد” – ضرب القواعد العسكرية، تجمعات الصواريخ البالستية، مراكز القيادة والسيطرة، ومنظومات الدفاع الجوي. وهذا التقسيم ليس صدفة او عشوائيا ، بل تنسيقًا استخباراتيًا-عملياتيًا مشتركًا منذ أشهر .
ومع هذا يجب أن نتوقف كذلك عن الفشل الإيراني في التنسيق الاستخباراتي مع روسيا تحديدآ والصين ؟ فلا نستبعد بان كل من الأتراك والمصريون والروس يراقبون حركة الأسطول الأمريكي والطيران المكثف . روسيا تمتلك أقمار تجسس متقدمة كان يمكن أن توفر إنذارًا مبكرًا لو تواصلت إيران معها وهذا الإغفال جزء أساسي من الخدعة التي نجحت , القيادة الإيرانية (خاصة الحرس الثوري والمرشد الأعلى) تتحرك الآن وفق منطق ” لا نستسلم، وكل شيء مباح ولا خطوط حمراء لان بقاء النظام من عدمه يعتمد على نتيجة تطورات الحرب”، وهذا ليس مجرد خطاب عاطفي، بل تحول عملي في قواعد الاشتباك وبعد فقدان قيادات عليا (مثل باكبور ونصير زاده) وتدمير جزء من البنية التحتية، لم يعد أمام القيادة خيار “الرد المحدود”؛ فالرد الضعيف يعني انهيار الردع الداخلي والخارجي ولان الضغط الداخلي على النظام سوف يواجه أزمة شرعية بعد الضربات التي أصابت حتى رموز السلطة والرد “القوي” يساعد في تعبئة الدعم الشعبي ( أو على الأقل منع انهيار سريع ) ومع ممارسة أقسى أنواع الضغط الخارجي: ترامب يدعو صراحة إلى تغيير النظام، والضربات مستمرة (مخطط لأيام). إيران ترى أن الاستسلام = نهاية النظام، فالتصعيد الشامل أفضل من الاستسلام ونحن نعتقد بان التقدير الإيراني الذي تبني عليه حاليا بان “أفضل وسيلة للدفاع هو الهجوم” لأنهم يعتقدون أن توسيع الصراع سيجبر والى ضرب الاماكنة في دول الخليج ماعدا “سلطنة عمان”  الولايات المتحدة وحلفائها على التفاوض وتحت ضغط اقتصادي عالمي وبالأخص من دول الخليج التي تقصف أراضيها حاليا والاحتمال المرجع لدينا والأكبر بان النظام الإيراني لن ينهار فورًا، ولكنه قد يدخل مرحلة “الأرض المحروقة” التي تؤدي إلى خسائر هائلة للجميع، ثم تفاوض قسري تحت ضغط الخسائر البشرية والمادية لكلا الطرفين وهذه الفلسفة التي نراها فإنها ليست “جنونًا” بل حساب من نظام يرى أن البقاء يتطلب دفع الثمن الأعلى الآن بدل الانهيار التدريجي فهل تستطيع أو تتحمل الولايات المتحدة وإسرائيل تكلفة هذا التصعيد الشامل، أم ستضطران لوقف قبل أن يصبح الشرق الأوسط كله “أرضًا محروقة”؟
وفي ظل هذا الفراغ الدستوري، يصبح العراق أكثر عرضة للانهيار تحت وطأة الأحداث الإقليمية المتفجرة مع اندلاع الحرب المباشرة ، ومع إطلاق إيران صواريخها البالستية على قواعد خليجية وقواعد أمريكية، يزداد الضغط على الفصائل المسلحة العراقية الولائية (مثل كتائب حزب الله، حركة النجباء، سيد الشهداء، وغيرها ضمن الحشد الشعبي) ورغم التحذيرات الأمريكية الشديدة اللهجة بعدم التورط في الحرب لصالح إيران — مع تهديدات ضمنية بعواقب وخيمة (عقوبات، ضربات مباشرة، قطع الدعم المالي) — إلا أن بوادر التصعيد واضحة ومن خلال ضربات جوية تحذيرية (إسرائيلية أو أمريكية) استهدفت قاعدة جرف النصر/ الصخر في بابل (جنوب بغداد)، مما أسفر عن مقتل اثنين على الأقل من عناصر كتائب حزب الله وإصابة آخرين، وهي قاعدة تابعة للحشد الشعبي لكنها تحت سيطرة فصائل موالية لإيران بشكل كبير وان بعض الفصائل (من ضمن لجنة تنسيق المقاومة العراقية) بدأت بالفعل في التحضير لـ”فتح جبهات” دعمًا لإيران، ومع تجنيد وتدريب مقاتلين إضافيين، وتهديدات بـ”حرب طويلة” ضد الولايات المتحدة والسيناريو الأسوأ المحتمل أن نرى خلال الأيام القادمة تفكك الدولة وفوضى اقتتال داخلي إذا خرجت الأمور عن السيطرة الحكومية (وهو أمر مرجح في ظل الفراغ السياسي والضغط الإقليمي) وقد يحدث ما لا يحمد عقباه ومنها سقوط السيطرة المركزية على أجزاء واسعة من البلاد وسيطرة التيار الصدري (بقيادة مقتدى الصدر، الذي يبقى بعيدًا نسبيًا عن الحكم الرسمي لكنه يحتفظ بقاعدة شعبية هائلة وتنظيم عسكري قوي في الجنوب) على مناطق الجنوب (البصرة، ذي قار، ميسان، النجف، كربلاء) ومستفيدًا من شعبيته كـ”بديل وطني” بعيد عن التبعية الإيرانية المباشرة وسيطرة الأكراد على الشمال (إقليم كردستان والمناطق المتنازع عليها)، مع تعزيز استقلاليتهم الفعلية وسيطرة ميلشييات متعددة (موالية لإيران أو مستقلة) على غرب الفرات (الأنبار، صلاح الدين، مناطق السنة)، مما يعيد إنتاج خريطة تقسيم فعلي مشابهة لمرحلة ما بعد 2003 أو أسوأ منها بكثير والخلاصة الاستراتيجية التي يجب ان يعيها الجميع بان الوطن يجب ان يبقى أولًا، أم التبعية الخارجية ؟ على جميع الأطراف العراقية — شيعة، سنة، أكراد، فصائل، أحزاب، تيارات — أن يدركوا أن الوطن العراقي هو الخيمة الوحيدة التي ستحميهم من عصف الأحداث الإقليمية . دول الجوار (إيران، الولايات المتحدة، تركيا، إسرائيل، وغيرها ) ترى في العراق وقودًا لحروبها، لا شريكًا متساويًا وبالتالي التبعية لإيران قد تؤدي إلى ضربات أمريكية-إسرائيلية مدمرة التبعية وقد تُفرض عقوبات أو تقسيمًا والفراغ السياسي يدفع نحو الفوضى الداخلية.
ولكن يبقى لنا ان نذكر بان الدرس الحاسم لدول مجلس التعاون الخليجي يتمثل قراءتنا ولأنهم اعتمدتم كليًا على المظلة الأمريكية للحماية ، لكن المسيرات الانتحارية والصواريخ البالستية الإيرانية اخترقت الدفاعات في البحرين وقطر والكويت والإمارات والسعودية والأردن (بعضها أُسقط، وبعضها أصاب أهدافًا) والآن آنا الأوان للعمل المنفرد وبناء دفاع جوي متعدد الطبقات خاص بكم حصريا ودون تدخل أي جهة أجنبية والعمل بجد ومن دون استشارة أمريكية لأنه أمنكم أولا وأخيرا وذلك باستيراد أفضل التقنيات المتقدمة لأنظمة الدفاع الجوي (روسية، صينية ) وإدارتها بمواطنيكم وقيادتكم العسكرية فقط ولا تعتمدوا بعد اليوم على “التطمينات” وكمتا حدث عندما قصفت إسرائيل قطر قبل أشهر ؟ هذه التي نراها اليوم على شاشات التلفزة ليست مجرد حرب ، بل هي عملية جراحية مشتركة تهدف إلى “الإعدام الاستراتيجي” للقدرة الإيرانية على الردع وإيران وقعت في الفخ مرة أخرى لأنها اعتمدت على “الرد التقليدي” بدل الاستعداد لـ”الحرب الهجينة الذكية” وغدًا سيكون يومًا حاسمًا : إما انهيار سريع للقدرة الإيرانية، أو تصعيد إقليمي يجبر الجميع على طاولة المفاوضات … 

الحريق قد اندلع بالفعل، والنيران تتسع في المنطقة بأكملها والسؤال الحقيقي الآن ليس “هل سينطفئ؟”، بل : من يملك القدرة على إخماده فعلياً في هذه المرحلة؟ وما هو الثمن الباهظ الذي يتعين دفعه لإطفائه؟ ومن سيتحمل هذا الثمن — مادياً، اقتصادياً، وسياسياً — وعلى حساب أمنه القومي ومكانته الإقليمية؟ والإجابة ليست في يد طرف واحد، بل تتوزع على أكثر من لاعب , صحيح أن إيران ستدفع ثمناً باهظاً في البنية التحتية والقيادات والاقتصاد. والولايات المتحدة وإسرائيل ستدفعان ثمن التصعيد الإقليمي والتكاليف العسكرية والسياسية ودول الخليج — وخاصة الإمارات — ستدفع ثمناً اقتصادياً وأمنياً مباشراً ، ربما على حساب صورتها كملاذ آمن واستقرارها الاستثماري طويل الأمد والحريق لم يعد مجرد مواجهة عسكرية … بل أصبح معادلة تكاليف وخسائر متعددة الأبعاد ، والذي يدفع أكثر قد يكون هو من سيحدد شكل النهاية؟ ويبدو أن الرئيس ترامب يراهن على انهيار داخلي سريع للنظام الإيراني من خلال استهداف القيادة العليا وإثارة انشقاقات في الجيش والحرس الثوري ومجلس الامن القومي ، خاصة إذا تأكدت وفاة المرشد الأعلى علي خامنئي والذي ما نزال ننتظر خطابه وحتى للرئيس الايراني لم نسمع له أي صوت وهو يجب ان يكون له دور اعلاميا وبث حي للرئيس او المرشد لانهم يمثلون راس النظام وليس فقط الاعتماد على وزير الخارجية وهو يلقي خطابه على الشعب الايراني ومع هذا فان هذا الرهان يواجه عقبات جوهرية لان الضربات الجوية وحدها لا تسقط أنظمة متماسكة ، والمقارنة مع سقوط بغداد 2003 خاطئة تمامًا — سواء من حيث حجم الجغرافيا الوعرة ، تماسك المجتمع الفارسي، أو القدرات العسكرية الإيرانية المتقدمة (صواريخ بالستية، مليشيات خارجية، دفاعات جوية) والرهان على الضربات الجوية وحدها مخاطرة، والتغيير يحتاج إلى خطة شاملة وقوات برية هائلة وحدود مشتركة وعمليات انزال بحرية على السواحل وانزال جوية ، لا مجرد مقارنات تاريخية خاطئة ما يزال يحاول البعض طرحها ؟ ولكن تبقى النتيجة المحتملة ليست “زوال النظام” السريع ، بل حرب استنزاف طويلة الأمد ترفع تكاليفها على الجميع: إيران تدفع ثمن البنية التحتية والقيادات، الولايات المتحدة وإسرائيل تدفعان ثمن التصعيد والعزلة الدولية ؟ فهل سينهار النظام من الداخل قبل أن يحرق الجميع، أم أننا أمام مرحلة جديدة من الفوضى الإقليمية الممتدة؟ التاريخ لا يجامل، والأيام القادمة ستكشف الإجابة.واخيرآ وليس أخرآ  , الحرب بدأت ، والمنطقة اكتوت بنيرانها وغدًا وما بعده سيكون يومًا اخر قد يكون حاسمًا : إما انهيار سريع للقدرة الإيرانية على الردع ، أو تصعيد إقليمي يجبر الجميع على الجلوس مرة اخرى على طاولة مفاوضات وتحت الضغط الأمريكي-الإسرائيلي الكاسح.