افراد من الوحدة 8200 التابعة للاستخبارات العسكرية الإسرائيلية
إيهاب مقبل
منذ أواخر فبراير شباط 2026، اندلعت حرب بين إيران والكيان الصهيوني بمشاركة أمريكا الشمالية، في صراع أصبح أحد أخطر النزاعات في الشرق الأوسط منذ عقود. الضربات الجوية والهجمات الصاروخية وطائرات الدرون المسيّرة أصبحت مشهدًا يوميًا، فيما تتصاعد المخاطر على المدن العراقية التي تتلقى ضربات من الجانب الأمريكي تارةً ومن الجانب الإيراني تارةً أخرى. في هذا السياق، يبدو العراق أكثر من مجرد ساحة ثانوية، فهو قلب الصراع اللوجستي والاستراتيجي بين طهران من جهة وواشنطن وتل أبيب من جهة أخرى، إذ يمثل معبرًا حيويًا لإمدادات إيران العسكرية إلى لبنان عبر الأراضي السورية، ويحتضن فصائل متعددة تدعمها طهران، ما يجعل النشاط الاستخباراتي الإسرائيلي هناك بالغ الأهمية.
جمع المعلومات الاستخباراتية
أحد أبرز الأنشطة المحتملة للكيان الصهيوني داخل العراق هو جمع المعلومات حول تحركات فصائل المقاومة العراقية المدعومة من إيران. العراق يشكل معبرًا رئيسيًا لإمدادات الأسلحة والصواريخ، لذلك فإن مراقبة القوافل العسكرية وتحديد مواقع المستودعات ومتابعة الشخصيات العسكرية البارزة تشكل جزءًا رئيسيًا من استراتيجية تل أبيب.
تاريخيًا، أظهرت تل أبيب قدرة فائقة على تنفيذ عمليات استخباراتية معقدة، كما حدث خلال عملية سرقة الأرشيف النووي الإيراني عام 2018، حيث استخدمت عملاء محليين ومعدات سرية لجمع معلومات حيوية دون كشف وجودها. هذه التجربة تشير إلى أن عمليات مشابهة يمكن أن تنفذ داخل العراق خلال الصراع الحالي، مع الحفاظ على سرية العمليات لتجنب الانكشاف.
المراقبة التقنية ومراقبة الاتصالات
يعتمد الكيان الصهيوني بشكل كبير على الطائرات المسيّرة والأجهزة التقنية المتقدمة لمتابعة النشاطات العسكرية داخل العراق. الطائرات المسيّرة توفر تغطية مستمرة لمساحات واسعة لرصد القوافل العسكرية ومواقع تخزين الأسلحة، فيما تستخدم تل أبيب مراقبة الاتصالات العسكرية والفصائلية للتنبؤ بالحركات وتحديد الأهداف بدقة. وتشمل هذه العمليات التنصت على الشبكات الراديوية المشفرة أو الهجمات السيبرانية لتعطيل أنظمة الاتصالات وإضعاف قدرة الفصائل على التنسيق.
وزيادةً على ذلك، تلعب وحدة 8200 التابعة للاستخبارات العسكرية الإسرائيلية دورًا محوريًا في هذه العمليات، فهي مسؤولة عن العمليات السرية وجمع المعلومات الاستخباراتية عبر الإشارات، وفك الشفرات، ومكافحة التجسس، والحرب السيبرانية، والمراقبة العسكرية. وتُعتبر هذه الوحدة معادلة إسرائيلية لوكالة الأمن القومي الأمريكية ويشرف عليها جهاز الاستخبارات الإسرائيلي (أَمَان)، ما يعزز قدرة تل أبيب على تنفيذ عمليات دقيقة وفعّالة بعيدًا عن التواجد البري المباشر.
إضافة إلى ذلك، سبق للكيان الصهيوني أن زرع أجهزة تنصت متطورة لمراقبة الاتصالات في مناطق حساسة قرب دمشق، ما يعكس خبرته في التجسس الميداني طويل المدى.
هذا النهج يمكّن تل أبيب من تنفيذ عمليات دقيقة وفعّالة بعيدًا عن التواجد البري المباشر، وهو ما أثبتته خلال ضرب أهداف إيرانية ومخازن أسلحة لفصائل حزب الله في سوريا خلال السنوات الماضية.
التخريب المحدود والعمليات النوعية
تشمل الأنشطة المحتملة للكيان الصهيوني داخل العراق أيضًا التخريب المحدود للمنشآت العسكرية أو مخازن الأسلحة، بهدف إضعاف قدرة إيران على نقل الأسلحة إلى الجبهات المختلفة. ومن أبرز الأمثلة على قدرة تل أبيب على تنفيذ مثل هذه العمليات هو اغتيال العالم النووي الإيراني محسن فخري زاده عام 2020، الذي تم عبر عملاء محليين ومركبة مجهزة بأسلحة دقيقة. هذا النوع من العمليات يظهر كيف يمكن للكيان الصهيوني استهداف أهداف عالية القيمة بطريقة سرية وفعّالة، وهو ما يمكن تطبيقه على العراق في سياق الحرب المستمرة منذ فبراير شباط 2026.
الاغتيالات المحتملة
إلى جانب التخريب، تعتبر الاغتيالات النوعية أحد أدوات الكيان الصهيوني الأكثر استخدامًا في استراتيجيته لإضعاف الفصائل العراقية المدعومة من إيران. في العراق، يمكن أن تركز تل أبيب على استهداف القيادات العسكرية البارزة، وخاصة المسؤولين عن تنظيم القوافل وإدارة المستودعات أو برامج الصواريخ والطائرات المسيّرة. الهدف من هذه الاغتيالات ليس مجرد قتل الأفراد، بل إحداث فراغ قيادي وتعطيل عمليات الفصائل بشكل مؤثر.
تاريخيًا، استخدم الكيان الصهيوني أساليب مشابهة داخل إيران، بما في ذلك اغتيال علماء نوويين وعسكريين في طهران، وتوجيه ضربات دقيقة عبر عملاء محليين ومركبات مجهزة بأسلحة دقيقة.
في العراق، يمكن أن تشمل الاغتيالات استخدام الطائرات المسيّرة الصغيرة، أو زرع عملاء محليين لتنفيذ المهام، أو حتى عمليات عبر التفجيرات الموجهة ضد أهداف محددة، مع مراعاة السرية التامة لتجنب الانكشاف.
أنشطة إضافية متوقعة
إلى جانب جمع المعلومات والمراقبة التقنية والتخريب والاغتيالات، من المتوقع أن تشمل الأنشطة داخل العراق عدة أبعاد متكاملة. أولاً، عمليات زرع عملاء لمتابعة التحركات العسكرية باستمرار، مع تنفيذ ضربات جوية دقيقة بعد تحديد الأهداف عبر البيانات الاستخباراتية. ثانياً، التجسس على خطوط الإمداد والحدود العراقية‑الإيرانية‑السورية لتعطيل نقل الأسلحة قبل وصولها إلى لبنان عبر سوريا. ثالثاً، يمكن أيضًا تنفيذ عمليات تضليل وخداع للفصائل العراقية، ليس فقط عبر العمليات الميدانية، بل من خلال حروب السرديات الرقمية التي تنتشر عبر منصات التواصل الاجتماعي، بهدف نشر معلومات مضللة أو صور وفيديوهات مزيفة تؤثر على قرارات القادة وتحريك القوات بعيدًا عن المواقع الحساسة، وهو أسلوب ظهر بوضوح في التصعيد الإعلامي المصاحب للصراع الحالي.
في لبنان وغزة:
في لبنان، نفّذ الكيان الصهيوني ضربات جوية سرية ضد مواقع ومخازن أسلحة لحزب الله في الجنوب والبقاع خلال 2022–2023، دون إعلان رسمي، مستخدمًا شبكات معلومات محلية وخارجية لتحديد الأهداف بدقة. أما في غزة، خلال الحرب الأخيرة عام 2023، نفّذ الكيان الصهيوني مئات الضربات الجوية ضد مواقع كتائب القسام وسرايا القدس، مع استخدام الطائرات المسيّرة والمراقبة التقنية لتحديد الأهداف بدقة. هذه العمليات تؤكد قدرة تل أبيب على التحكم في ساحة المعركة وتنفيذ ضربات دقيقة، وهو أسلوب يُتوقع أن يُطبق داخل العراق.
التعاون الاستخباراتي مع أمريكا الشمالية
غالبًا ما تنسق تل أبيب مع واشنطن في العمليات السرية داخل العراق، لا سيما فيما يتعلق برصد الفصائل العراقية المدعومة من إيران. هذا التعاون يعزز دقة العمليات ويقلل المخاطر، كما يتيح تنفيذ ضربات جوية أو عمليات تخريبية محدودة بأسلوب محكم وآمن، بعيدًا عن الانكشاف المباشر. فعلى سبيل المثال، في أوائل مارس آذار 2026، قُتل قائد بارز في كتائب حزب الله العراقي بضربة جوية استهدفت سيارته جنوب بغداد، وأعلنت الشرطة العراقية الحادثة دون الكشف عن الجهة المنفذة، ما يعكس نمط الضربات الجوية السرية التي تنفذها الاستخبارات الإسرائيلية بالتنسيق مع القوات الأمريكية.
قيود العمليات الصهيونية
رغم الخبرة الكبيرة للكيان الصهيوني في العمليات الاستخباراتية والعسكرية، هناك قيود واضحة على نشاطاته داخل العراق تجعل وجود قواعد إسرائيليةمستقلة غير ضروري، إذ إن غياب الحدود المشتركة وخطر الانكشاف أمام الفصائل العراقية المدعومة من إيران يجبران تل أبيب على الاعتماد على عمليات صغيرة وسريعة ومحدودة التأثير، مع التنسيق الكامل مع القوات الأمريكية لتوفير المعلومات الاستخباراتية والدعم اللوجستي.
الخلاصة
استنادًا إلى التجارب السابقة، من المتوقع أن تشمل الأنشطة الصهيونية داخل العراق مزيجًا من العمليات الاستخباراتية الدقيقة، والمراقبة التقنية ومراقبة الاتصالات، والتخريب المحدود، والاغتيالات النوعية، مع زرع عملاء محليين وتنفيذ ضربات دقيقة عند الحاجة. هذه الأنشطة تظل محصورة ضمن إطار سري وحذر، بعيدًا عن الغزو البري أو إنشاء قواعد ثابتة، لتعكس استراتيجية تل أبيب في حماية مصالحها وتقليل المخاطر في منطقة حساسة للغاية، خصوصًا مع تصاعد الحرب الإيرانية-الصهيونية-الأمريكية منذ أواخر فبراير شباط 2026.
انتهى