د. فاضل حسن شريف
جاء في لأمثل في تفسير كتاب الله المنزل للشيخ ناصر ناصر مكارم الشيرازي: في قوله تعالى “وَإِنَّ لِلْمُتَّقِينَ لَحُسْنَ مَآبٍ” (ص 49) مآب تعني المرجع، وإضافة حسن إلى مآب من قبيل إضافة الصفة إلى الموصوف. فالمتقون لهم حسن مآب، ولهؤلاء العاصين الطغاة شر مآب. أن عبارة حسن مآب التي تبشره بحسن العاقبة والمنزلة الرفيعة عند الله. قوله تعالى “وَإِنَّ لِلطَّاغِينَ لَشَرَّ مَآبٍ” (ص 55) أسلوب المقارنة الذي كثيرا ما استخدمه القرآن الكريم، لتوضيح المصير المشؤوم والعقوبات المختلفة التي ستنال الطغاة والعاصين. المآب: هو محل الرجوع، ويأتي أحيانا بمعنى المنزل والمقر. إطلاق صفة أواب على الأنبياء الكبار ثلاثة أنبياء كبار أطلقت عليهم صفة أواب في هذه السورة، وهم: داود وسليمان وأيوب، وفي سورة ق”هَـٰذَا مَا تُوعَدُونَ لِكُلِّ أَوَّابٍ حَفِيظٍ” ﴿ق 32﴾ اطلق هذا الوصف على كل أهل الجنة، قوله تعالى: هذا ما توعدون لكل أواب حفيظ. هذه العبارات تبين أن مقامه في المقام الأعلى، وعندما نرجع إلى مصادر اللغة نشاهد أن كلمة أواب مشتقة من كلمة أوب وتعني الرجوع والعودة. وهذا الرجوع والعودة خاصة وأن كلمة أواب هي اسم مبالغة تعني كثرة الرجوع وتكراره يشير إلى أن الأوابين حساسون جدا تجاه الأسباب والعوامل التي تبعدهم عن الله، كالرزق وبريق الزخارف الدنيوية في أعينهم، ووساوس النفس والشيطان، وإن ابتعدوا لحظة واحدة عن الله عادوا إليه بسرعة، وإن غفلوا عنه لحظة تذكروه وسعوا في جبرانها. هذه العودة يمكن أن تكون بمعنى العودة إلى طاعة أوامر الله واجتناب نواهيه، أي أن أوامره هي مرجعهم وسندهم أينما كانوا. وكلمة أواب التي جاءت في الآية العاشرة من سورة سبأ “يَاجِبَالُ أَوِّبِي مَعَهُ” (سبأ 10) كلمة أوبي في الأصل من التأويب بمعنى الترجيع وإعادة الصوت في الحلق. وهذا الأصل يستعمل أيضا بمعنى التوبة لأن حقيقتها الرجوع إلى الله. والطير والخاصة بداود أيضا تعطي معنا آخر، وهو ترديد الصوت، إذ أن الأوامر صدرت إلى الجبال والطيور أن رددي الصوت مع داود، ولهذا فإن أواب تعني كل من يردد الأوامر الإلهية والتسبيح والحمد الذي تردده كل موجودات الكون حسب قوانين الخلقة، ومما يذكر أن أحد معاني كلمة أيوب هي أواب. أواب مشتقة من أوب على وزن قول وتعني العودة الاختيارية إلى أمر ما، ولكون أواب على صيغة المبالغة، فإنها تشير إلى أنه كان كثيرا ما يعود إلى الله سبحانه وتعالى، وكان يتوب عن أصغر غفلة وترك للأولى. استمرار الجبال والطيور في التسبيح مع داود، وكل مرة يسبح فيها تعود وتسبح معه، قال تعالى: “كُلٌّ لَّهُ أَوَّابٌ” (ص 19). وكلمة الأواب: من مادة أوب على زنة ذوب ومعناها العودة، ولعلها تعني التوبة عن الذنوب الكبيرة والصغيرة. وقد تكون صيغة المبالغة في أواب هي إشارة إلى تعدد عوامل العودة والرجوع إلى الله.
جاء في اعراب القرآن الكريم: قوله تعالى “هَذَا ذِكْرٌ وَإِنَّ لِلْمُتَّقِينَ لَحُسْنَ مَآبٍ” (ص 49) هَذَا اسْمُ إِشَارَةٍ مَبْنِيٌّ عَلَى السُّكُونِ فِي مَحَلِّ رَفْعٍ مُبْتَدَأٌ. ذِكْرٌ خَبَرٌ مَرْفُوعٌ وَعَلَامَةُ رَفْعِهِ الضَّمَّةُ الظَّاهِرَةُ. وَإِنَّ “الْوَاوُ” حَرْفُ عَطْفٍ مَبْنِيٌّ عَلَى الْفَتْحِ، وَ(إِنَّ) : حَرْفُ تَوْكِيدٍ وَنَصْبٍ مَبْنِيٌّ عَلَى الْفَتْحِ. لِلْمُتَّقِينَ “اللَّامُ” حَرْفُ جَرٍّ مَبْنِيٌّ عَلَى الْكَسْرِ، وَ(الْمُتَّقِينَ) : اسْمٌ مَجْرُورٌ وَعَلَامَةُ جَرِّهِ الْيَاءُ لِأَنَّهُ جَمْعُ مُذَكَّرٍ سَالِمٌ، وَشِبْهُ الْجُمْلَةِ فِي مَحَلِّ رَفْعٍ خَبَرُ (إِنَّ) : مُقَدَّمٌ. لَحُسْنَ “اللَّامُ” الْمُزَحْلَقَةُ حَرْفُ تَوْكِيدٍ مَبْنِيٌّ عَلَى الْفَتْحِ، وَ(حُسْنَ) : اسْمُ (إِنَّ) : مُؤَخَّرٌ مَنْصُوبٌ وَعَلَامَةُ نَصْبِهِ الْفَتْحَةُ الظَّاهِرَةُ. مَآبٍ مُضَافٌ إِلَيْهِ مَجْرُورٌ وَعَلَامَةُ جَرِّهِ الْكَسْرَةُ الظَّاهِرَةُ.
قال الله سبحانه وتعالى “هَذَا ذِكْرٌ (وو: ادغام و اخفاء نون تنوين الضم مع الحرف التالي عند الوصل و سكون الحرف عند الوقف لوجود علامة وقف اختياري ج) وَإِنَّ لِلْمُتَّقِينَ لَحُسْنَ مَآبٍ” (ص 49).