كردستان تُحرج الآخرين عندما يصبح الكرم موقفًا لا شعارًا – يحيى هركي

كردستان تُحرج الآخرين عندما يصبح الكرم موقفًا لا شعارًا – يحيى هركي
لم تكن زيارتي إلى إقليم كردستان مجرد رحلة عائلية عابرة بل كانت مواجهة صادقة مع معنى الإنسان الحقيقي في زمنٍ اختلطت فيه القيم وتراجعت فيه المعاني النبيلة هناك شعرت أنني لا أزور مكانًا بل أعود إلى شيء أصيل يسكن في داخلي منذ زمن طويل شيء اسمه الكرامة والصدق والبساطة التي لا تعرف التصنع.
في كردستان لم أكن ضيفًا ولم أشعر أنني غريب بل كنت بين أهلي وناسي بين وجوهٍ تعرف كيف تبتسم بصدق وكيف تفتح أبوابها قبل أن تُسأل وكيف تعطي دون أن تنتظر مقابلًا هناك فهمت أن الكرم ليس عادة اجتماعية عابرة بل هو موقف أخلاقي متكامل يعكس تربية الإنسان وعمق انتمائه.
أتحدث هنا بضمير صادق لا يعرف المجاملة فأنا لم أر فقط حسن استقبال بل رأيت قلوبًا تُفتح قبل البيوت ورأيت وجوهًا تحمل الطيبة دون أقنعة ورأيت رجالًا ونساءً يمثلون معنى الاحترام الحقيقي بكل ما تحمله الكلمة من قيمة من مسؤولين وكتاب وصحفيين وقضاة ومهندسين ومدرسين ومدراء كل واحد منهم كان صورة مشرقة لمجتمع ما زال يحافظ على جوهره رغم كل ما مر به من تحديات.
ولا يمكنني أن أتجاوز أولئك الذين زاروني في بيتي ولا الذين استقبلوني في بيوتهم لأن ما قدموه لم يكن مجرد ضيافة بل كان رسالة صامتة تقول إن الإنسان ما زال بخير وإن العلاقات الصادقة لم تمت كما يظن البعض لقد شعرت أنني أمام مدرسة أخلاقية حقيقية لا تُدرّس بالكلمات بل تُعاش بالمواقف.
عدت بالأمس إلى ألمانيا لكنني أدركت أن بعض الرحلات لا تنتهي عند العودة لأن أثرها يبقى ممتدًا في الروح ويستقر في الذاكرة لقد تركت هناك جزءًا مني بين تلك الوجوه الطيبة وبين لحظات لا يمكن اختصارها بكلمات وعدت وأنا أحمل يقينًا واضحًا أن الشعوب التي تتمسك بأخلاقها لا يمكن أن تسقط مهما اشتدت الظروف.
ما رأيته في كردستان ليس تفصيلًا عابرًا بل هو درس عميق لكل من يريد أن يفهم كيف تُبنى المجتمعات الحقيقية وكيف تبقى القيم حية رغم كل ما يحيط بها من تحديات لقد كانت هذه الزيارة مرآة كشفت لي الفرق بين من يعيش القيم ومن يتحدث عنها فقط.
سأغادر المكان لكنني لم أغادر المعنى لأن ما يُزرع في القلب لا يُقتلع بسهولة وما يُبنى على الصدق لا ينهار وأنتم لم تكونوا مجرد أشخاص التقيت بهم بل كنتم تجربة إنسانية ستبقى حيّة في داخلي ما حييت.
دمتم كما أنتم أهلًا للكرم ومصدرًا للفخر ونموذجًا لما يجب أن يكون عليه الإنسان.