إيهاب مقبل
في زمن الحروب، لا تُخاض المعارك بالسلاح فقط، بل بالكلمات أيضًا. وبينما تتصاعد التوترات في المنطقة، يبرز دور الإعلام بوصفه ساحة موازية للصراع، تُصاغ فيها الروايات وتُبنى التصورات وتُوجَّه العقول. من هذا المنطلق، لا يمكن قراءة بعض التقارير الإخبارية بمعزل عن سياقها السياسي والدعائي، خاصة حين تصدر عن منصات إعلامية مرتبطة بدول منخرطة بشكل مباشر في الصراع.
ضمن هذا السياق، نشر موقع “Mako” الإسرائيلي تقريرًا مثيرًا للانتباه، يصوّر العاصمة العراقية بغداد وكأنها ساحة حرب ملتهبة بين أمريكا الشمالية وإيران. تقرير مشحون بلغة درامية، ومليء بتوصيفات حادة، يطرح تساؤلات جوهرية: هل نحن أمام نقل للواقع، أم إعادة تشكيله بما يخدم رواية معينة؟
ترجمة التقرير كما ورد في الموقع العبري
جبهة أخرى: بغداد تتحول إلى ساحة معركة دامية بين الولايات المتحدة وإيران
اغتيال ضابط مخابرات عراقي، معارك طائرات مسيّرة في قلب العاصمة، وإجلاء عاجل للدبلوماسيين: بينما تتجه الأنظار إلى طهران، تحاول الميليشيات الموالية لإيران فصل العراق عن الغرب بالقوة. ومع توقف شبه كامل لصادرات النفط ومخاوف من الانهيار، تجد الحكومة المحلية نفسها عالقة في حرب لم ترغب بها.
تحولت بغداد، عاصمة العراق، في الأيام الأخيرة إلى ساحة قتال دامية، حيث وصلت المواجهات بين الميليشيات الموالية لإيران وجهاز الاستخبارات العراقي إلى مستويات غير مسبوقة. من جانبهم، يقلص الأمريكيون وجودهم في العراق، خصوصًا الدبلوماسي، ويكثفون الضربات الجوية ضد الميليشيات. وفي قلب التصعيد الأخير: هجوم كبير على مقر جهاز المخابرات العراقي، وردود عسكرية حادة من الولايات المتحدة.
وبحسب تقارير في وسائل إعلام عربية، نفذت الميليشيات الموالية لإيران ما وُصف بأنه”رسالة قوة” إلى وكالة الاستخبارات المركزية (CIA)، وذلك بعد انفجار عبوة كبيرة داخل مجمع جهاز المخابرات العراقي. وفي بيان رسمي، أفاد الجهاز بأن “جهات خارجة عن القانون” نفذت هجومًا إرهابيًا أدى إلى مقتل ضابط مخابرات عراقي.
وأشار مسؤولون وخبراء أمنيون إلى أن الهجوم لم يكن عشوائيًا. فبحسبهم، ترى الميليشيات الموالية لإيران في جهاز المخابرات العراقي “ذراعًا تنفيذية” لوكالة CIA، وكيانًا مرتبطًا بواشنطن منذ تأسيسه عام 2004 وحتى اليوم. ووفق مصادر ميدانية، يُعتبر الهجوم محاولة لردع الجهاز عن مواصلة التعاون مع الجيش الأمريكي، خاصة في ظل الحرب مع إيران.
“رسالة قوة” إلى CIA: الاستخبارات العراقية في مرمى النيران
المبنى المستهدف يضم وكالة أمنية عراقية تعمل بتنسيق وثيق مع مستشارين وعناصر استخبارات وعسكريين أمريكيين، ما جعله هدفًا استراتيجيًا للميليشيات التي تسعى إلى قطع أي صلة بين بغداد وواشنطن.
الولايات المتحدة من جهتها ترد بالنار: طائرات مسيّرة ومروحيات قتالية نفذت ضربات ضد أهداف تابعة للميليشيات، ردًا على سلسلة الهجمات التي استهدفت القوات الأمريكية. وشملت هذه الهجمات إطلاق نار باتجاه المركز اللوجستي الأمريكي “قاعدة فيكتوري” في مطار بغداد وقواعد أمريكية أخرى.
وفي سابقة هي الأولى خلال جولة القتال الحالية، أكد الأمريكيون استخدامهم مروحيات قتالية وطائرات مسيّرة لاستهداف مواقع تابعة لمنظمة “الحشد الشعبي” و”كتائب حزب الله” في بغداد وعلى الحدود مع سوريا.
بالتوازي مع التصعيد العسكري، شددت وزارة الخارجية الأمريكية خطواتها الدبلوماسية. فقد أعلنت السفارة الأمريكية في بغداد “إجلاءً إلزاميًا” للموظفين غير الأساسيين، ودعت جميع المواطنين الأمريكيين إلى مغادرة العراق فورًا. وحذرت من “محاولة الوصول إلى السفارة بسبب الخطر المستمر من الصواريخ والطائرات المسيّرة والقذائف”.
بين المطرقة والسندان: العراق على حافة الانهيار الاقتصادي
يقف العراق بين المطرقة والسندان، وسط مخاوف كبيرة من انهيار اقتصادي وأزمة سياسية تحاصر حكومة رئيس الوزراء محمد شياع السوداني. فعليًا، تجد الحكومة نفسها في موقف شبه مستحيل: فمن جهة عبّر السوداني عن دعم علني للميليشيات ووصفها بأنها “قوة حيوية”، ومن جهة أخرى شدد على أن الحكومة لن تقبل بالإضرار بمقاتليها. ويبدو أن العراق يُسحب رغمًا عنه إلى حرب بدأت في 28 فبراير شباط مع الضربات الأمريكية والإسرائيلية على إيران.
كما أن اضطراب الملاحة في مضيق هرمز يضر به بشدة، حيث أفادت وزارة النفط العراقية بتوقف شبه كامل لصادرات النفط. وبالنسبة للعراق يشكل النفط العمود الفقري لاقتصاده، فإن ذلك يمثل ضربة قاسية للاستقرار الوطني.
حتى الآن، يبدو أن التوتر في تصاعد مستمر. إذ تواصل الميليشيات الموالية لإيران مهاجمة القواعد الأمريكية وإطلاق الصواريخ والطائرات المسيّرة نحوها، بينما يواصل الجيش الأمريكي استهدافه داخل العراق بالتوازي مع ضرباته في إيران، في وقت يقيّم فيه الأمريكيون خطواتهم في مواجهة التهديد المتزايد لأصولهم الاستراتيجية في قلب الشرق الأوسط. وكل ذلك يحدث بينما الحرب، التي بدأت بضربة قوية للإيرانيين، بدأت بالفعل تتعقد.
بين نقل الواقع وصناعة السردية
بعد قراءة النص أعلاه، يتضح أن التقرير الإسرائيلي لا يكتفي بنقل أحداث، بل يعيد تشكيلها ضمن إطار تصعيدي واضح. فبينما يستند إلى عناصر واقعية مثل وجود فصائل مسلحة عراقية موالية لإيران والتوتر مع أمريكا الشمالية، فإنه يضخم هذه المعطيات ويضعها في سياق يوحي بانفجار شامل. تصوير بغداد كساحة حرب مفتوحة، والحديث عن معارك واسعة داخل العاصمة، يبدوان أقرب إلى بناء مشهد ذهني درامي منه إلى وصف دقيق لمجريات ميدانية مؤكدة على نطاق واسع.
اللغة المستخدمة تلعب دورًا أساسيًا في هذا التشكيل، إذ تمتلئ بتعابير مكثفة ومشحونة، لا تنقل الحدث بقدر ما تخلق إحساسًا بالخطر والانهيار. وهذا النمط من الكتابة يندرج ضمن ما يُعرف بـ التضليل غير المباشر، أي محاولة توجيه فهم القارئ للواقع عبر تضخيم، تأطير، وانتقائية في عرض المعلومات دون كذب مباشر، مع إبراز بعض الوقائع وتهميش أو إخفاء أخرى.
الرسائل الضمنية في التقرير الإسرائيلي
وراء السرد الظاهر، يحمل التقرير جملة من الرسائل غير المباشرة. فهو يقدّم إيران كقوة إقليمية عابرة للحدود، تتحكم بمسارات دول مثل العراق عبر فصائل مقاومة عراقية تدعمها، ويصوّر الوضع في العراق كفقدان فعلي للسيادة لصالح إيران. كما يربط بين ساحات متعددة، من بغداد إلى طهران وصولًا إلى مضيق هرمز، ليعزز فكرة أن المنطقة تتجه نحو حرب واسعة لا تقتصر على جبهة واحدة.
هذا الربط لا يبدو عفويًا، بل يخدم إطارًا تفسيريًا أوسع يضع الصراع في قالب إقليمي شامل، ويمنح مبررًا ضمنيًا لأي تصعيد عسكري باعتباره ردًا على تهديد متنامٍ ومتعدد الأبعاد.
الخطاب الموجّه للجمهور الإسرائيلي
عند النظر إلى الجمهور المستهدف، يتضح أن هذا النوع من التقارير يخاطب الداخل الإسرائيلي بالدرجة الأولى. فهو يعزز الإحساس بأن التهديد الإيراني ليس بعيدًا أو محدودًا، بل يمتد عبر شبكة من الجبهات. كما يهيئ المتلقي لفكرة أن الصراع قد يكون طويلًا ومعقدًا، وليس حدثًا عابرًا.
يُضاف إلى ذلك أن موقع Mako هو واحد من أكثر المواقع انتشارًا في ما يسمى “إسرائيل”، حيث يجذب ملايين القراء شهريًا ويُعتبر منصة رئيسية للأخبار والترفيه على حد سواء. انتشار الموقع يزيد من تأثير هذه الرسائل، ويعني أن طريقة عرض الأحداث تُشكل تصور عدد كبير من الجمهور الإسرائيلي.
الخلاصة
ما يقدمه تقرير Mako يتجاوز كونه مادة إخبارية إلى كونه خطابًا متكاملًا يجمع بين الوقائع الجزئية والتضخيم والسردية الموجهة. هو مثال واضح على التضليل غير المباشر، حيث لا يُكذب الخبر صراحة، لكنه يُوجّه القارئ نحو فهم محدد عبر انتقاء المعلومات وإبرازها بطريقة تصعيدية.
لذلك، فإن قراءة مثل هذه التقارير تتطلب قدرًا عاليًا من الوعي، الذي يميز بين ما هو معلومة، وما هو إطار تفسيري، وما هو رسالة موجهة. ففي عالم اليوم، قد تكون الكلمة أداة تأثير لا تقل قوة عن أي سلاح.
المصدر: جبهة أخرى: بغداد تتحول إلى ساحة قتال دامية بين الولايات المتحدة وإيران، موقع ماكو الإسرائيلي، 23 مارس آذار 2026
https://www.mako.co.il/pzm-soldiers/Article-34b52a898da1d91026.htm
انتهى