صباح البغدادي
اليوم اصبح يعيش العراق كدولة وكيان وشعب في لحظة تاريخية مريرة ومُرة في آن واحد. فقد اتخذت إسرائيل، بضرباتها الدقيقة التي لا ترحم، لم تكتفِ بتصفية قادة الحرس الثوري والميلشييات العابرة للحدود فحسب، بل قطعت رأس الوحش الإيراني نفسه: علي لاريجاني، أمين سر المجلس الأعلى للأمن القومي، ومعه غلام رضا سليماني قائد “الباسيج”، ذلك الجهاز الذي كان يُدار كمصنع لصناعة الولاء والموت عبر الحدود. هؤلاء لم يكونوا مجرد أسماء؛ كانوا المهندسين الحقيقيين لشبكة الميليشيات الولائية في العراق وسوريا ولبنان واليمن. اليوم، وبعد أن تساقطت هذه القيادات الواحدة تلو الأخرى تحت نيران تل أبيب، انكشف الفراغ الاستراتيجي الإيراني. فهل سيملأ العراق هذا الفراغ بقراره السيادي، أم سيظل يتوسّل “الأسياد” الجدد والقدماء كي لا يُحرقوا آخر ما تبقى له من هيبة؟دعونا نكون صريحين ولاذعين كما يجب: الحكومة العراقية اليوم لا تملك حتى رفاهية الوهم بالسيادة. ما نشاهده ليس ضعفاً عادياً، بل استجداءً علنياً مهيناً. فصائل “الولاء” المسلحة – تلك التي تتلقى أوامرها من طهران حتى بعد تصفية مهندسيها – تُقرر متى تُطلق الصواريخ ومتى تُستهدف البعثات الدبلوماسية في بغداد وأربيل. وماذا فعلت الحكومة؟ بدلاً من أن تُعلن “قرار السلم والحرب بيد الدولة وحدها” (كما يردد رئيس الوزراء في خطاباته الفارغة)، وصل الأمر إلى أن يتوسّل مسؤولوها بقادة هذه الفصائل: “لا تستهدفوا الرشيد، لا تُهددوا السفارات، اتركوا لنا بعض الكرامة”. النتيجة؟ بعثة السعودية وقطر غادرتا بغداد بعد ضربة الدرون على فندق الرشيد مباشرة، وكأن العراق أصبح ساحة مفتوحة لتصفية الحسابات الإقليمية، لا دولة لها سيادة.هذا ليس ضعفاً حكومياً فحسب؛ هذا إهانة وطنية. الفصائل الولائية لم تعد تكتفي بأن تكون “دولة داخل الدولة”، بل أصبحت الدولة نفسها، والحكومة مجرد غطاء دبلوماسي يُستخدم لامتصاص الصدمات الدولية. إسرائيل صفّت قادة إيران، فانكشفت الخيوط التي كانت تربط الميلشييات بالمركز الإيراني. والآن، وبعد أن تضع الحرب أوزارها – سواء بانتصار إسرائيلي أو تهدئة مؤقتة – يقف العراق أمام مفترق طرق استراتيجي حقيقي: إما أن يستغل الفراغ الإيراني ليُفكك هذه الميلشييات، يُعيد احتكار القوة للدولة، يُعيد بناء علاقاته مع جيرانه العرب (السعودية وقطر والإمارات)، ويستعيد قراره السيادي الذي سُرق منه منذ 2003. أو أنه سيبقى رهينة لـ”الولاء”، حتى لو مات الوليّ الأعلى نفسه.استراتيجياً، الفرصة الآن أكبر من أي وقت مضى. إيران منهكة، قيادتها الأمنية والثورية مفككة، ميزانيتها العسكرية مُرهقة، وشبكة وكلائها تتآكل. العراق، إن أراد، يستطيع أن يبدأ الآن – لا غداً – بحملة وطنية حقيقية: حلّ الفصائل غير المنضبطة، دمجها تحت راية الجيش الوطني فقط، وإعلان سياسة خارجية مستقلة لا تُدار من طهران. لكن الواقع المُر يقول: الحكومة لا تملك الإرادة، والفصائل لا تملك الرغبة في التخلي عن سلاحها. لذا فإن الاستجداء سيستمر، والضعف سيصبح عادة، والدبلوماسية العراقية ستظل تُطارد “الاعتذارات” بعد كل ضربة.العراق اليوم أمام اختبار تاريخي لاذع: هل سيخرج من عباءة إيران البالية بعد أن تمزقت، أم سيبقى ملفوفاً بها حتى لو تحولت العباءة إلى خرقة؟ الجواب لن يأتي من خطابات رنانة، بل من قرارات جريئة. وإلا فإن التاريخ سيُسجّل أن العراق، حتى بعد سقوط قادة طهران، بقي أسيراً لفصائلها.. وهذا، والله، أقسى أنواع الهزيمة.
في سياق الحرب الإقليمية الدامية التي أنهكت النظام الإيراني يواجه العراق لحظة تاريخية فارقة وحاسمة. لكن هذه اللحظة لا تبدو فرصة لاستعادة السيادة بقدر ما هي كشف مُرٍ لعمق الاختطاف الذي تعرضت له الدولة العراقية منذ ٢٠١٤.حوارات مطولة أجريناها مع مسؤول عراقي رفيع المستوى، مقرب جدًا من مراكز صنع القرار، كشفت حقيقة لا تقبل التجميل: قرار السلم والحرب في العراق لم يعد يومًا من اختصاص الحكومة المركزية في بغداد. هذا القرار أصبح حكرًا حصريًا على الفصائل والأحزاب الولائية العقائدية العابرة للحدود. أما الحكومة فتكتفي بدور المتفرج المُذل، تصدر بيانات استنكار وإدانة فارغة لا تُساوي حتى رصاصة واحدة في مواجهة الواقع الميداني.من فتوى الدفاع الكفائي إلى بناء «الحرس الثوري العراقي» المُحسّن بدأ الأمر بفتوى آية الله علي السيستاني عام ٢٠١٤ لمواجهة تنظيم داعش. كان الهدف المُعلن تحرير الأرض. لكن ما حدث بعد «النصر» كان انقلابًا مؤسسيًا خفيًا: رفضت أحزاب الإسلام السياسي الشيعي – التي تسيطر على نظام المحاصصة الطائفية – أي محاولة لفك الارتباط بين الحشد الشعبي ومؤسسات الدولة. بل حوّلته إلى نسخة عراقية «منقحة ومُحسّنة» من الحرس الثوري الإيراني، تتناسب مع البيئة العراقية.اليوم، يمتلك هذا «الحرس» قوة عسكرية موازية – بل متفوقة في جوانب عدة – على الجيش النظامي: تجهيزات حديثة، أسلحة ثقيلة، طيران مسيّر، وميزانية تُضاهي وزارتي الدفاع والداخلية مجتمعتين. الهدف الاستراتيجي ليس الدفاع عن الوطن، بل حماية نظام المحاصصة الطائفية-المذهبية من أي تهديد وجودي: انقلاب عسكري يقوده ضباط الجيش النظامي، أو ثورة شعبية مدعومة منه. هذا النموذج نقل مباشر من التجربة الإيرانية، التي أنشأت الحرس الثوري والباسيج لحماية «الثورة الإسلامية» من الانقلابات أو الثورات المضادة. العراق، إذن، لم يُبنَ فيه جيش وطني، بل آلة حماية للنخبة الحاكمة الفاسدة.«الانسحاب المريب» ٢٠١٤: استسلام مدبر أم عملية تسليم واستلام؟يُعد تقرير لجنة التحقيق البرلمانية حول سقوط الموصل وثيقة دامغة. اللجنة وثّقت انهيار فرق عسكرية مجهزة بأحدث الأسلحة الثقيلة والطيران أمام بضع مئات من مقاتلي داعش دون مقاومة حقيقية. التقرير لم يصف الأمر بـ«هزيمة عسكرية»، بل أشار إلى عملية انسحاب مريبة تبدو كـ«استلام وتسليم» مدروس. رغم ذلك، لم يُحاسب أي من المسؤولين الكبار الذين كانوا في سدة الحكم. التقرير بقي حبيس الأدراج، والمحاصصة استمرت، و«الحشد» تُرسّخ ككيان موازٍ يحمي النظام نفسه الذي سهّل – عمدًا أو بتقصير فاضح – احتلال داعش لثلث العراق.ما بعد الحرب: حرب داخلية دستورية شرسةمع تصفية القيادات الإيرانية المؤثرة (لاريجاني وغيره)، انكشف الفراغ الاستراتيجي. الفصائل الولائية، التي كانت تتلقى أوامرها مباشرة من طهران، أصبحت تمتلك قرار الحرب والسلم فعليًا. السنة والأكراد والقوى المدنية يرفضون رفضًا قاطعًا استمرار هذا الوضع الشاذ.هنا تبدأ الحرب الجديدة غير المُعلنة بعد في الإعلام: مواجهة دستورية-برلمانية حول الوضع القانوني للحشد والفصائل. هل سيجرؤ رئيس الوزراء الجديد وقبة البرلمان على تكرار التجربة اللبنانية التي حدثت في مارس ٢٠٢٦؟في بيروت، أعلن رئيس الوزراء نواف سلام حظرًا كاملاً على الأنشطة العسكرية والأمنية للجناح العسكري لحزب الله، معتبرًا إياها «خارجة عن القانون» و«غير شرعية». ألزم الحكومة الحزب بتسليم سلاحه، وحصر نشاطه في العمل السياسي المدني فقط، مؤكدة أن قرار الحرب والسلم بيد الدولة ومؤسساتها الدستورية حصرًا. كان ذلك خطوة جريئة، رغم التوترات، لفرض احتكار الدولة على السلاح.السيناريو الاستباقي النقدي: بين الفرصة التاريخية والانهيار المحتمل قراءتنا الاستباقية، المبنية على التحليل الأكاديمي للواقع الميداني والسياسي، تشير إلى أن العراق يقف أمام مفترق طرق خطير:
- سيناريو التفكيك الناجح (احتمال ضعيف): قوى سنية وكردية ومدنية تفرض تشريعات برلمانية تُلزم الحشد بالاندماج الكامل تحت قيادة الجيش النظامي، أو حله ككيان مستقل، مدعومة بضغط خليجي ودولي يشترط الدعم الاقتصادي بإنهاء «الدولة داخل الدولة».
- سيناريو التصعيد الداخلي (الأكثر احتمالاً): الفصائل تلجأ إلى الشارع والعنف للدفاع عن «مكتسبات الفتوى»، بينما تُعبئ القوى المعارضة الرأي العام ضد الاحتلال الإيراني المقنّع. قد تنفجر مواجهة برلمانية حادة تؤدي إلى شلل حكومي أو حتى مواجهات مسلحة محدودة.
- سيناريو الاستمرار المُذل: الحكومة تظل أسيرة الاستجداء، والفصائل تحتفظ بقوتها، مما يحول العراق إلى ساحة مفتوحة للتصفيات الإقليمية، ويُبقيه رهينة لنظام محاصصة فاسد يحميه «حرس ثوري» محلي.
المصدر الرفيع الذي تحدثنا إليه خلص إلى قول لاذع: «الفرصة التاريخية موجودة اليوم أكثر من أي وقت مضى، لأن رؤوس الوحش الإيراني سقطت. لكن الإرادة السياسية… الإرادة لا تزال مفقودة تمامًا، والخوف من الفصائل يسيطر على كل قرار».في الختام، العراق ليس أمام مجرد إصلاح أمني، بل أمام اختبار وجودي: هل يستطيع أن يخلع العباءة الإيرانية الممزقة ويستعيد سيادته الحقيقية، أم سيظل جثة سياسية هامدة تحت أقدام فصائل ولائية تقرر مصيره نيابة عنه؟ التاريخ لن يرحم الجبناء، والأيام المقبلة ستكشف ما إذا كان العراق قادرًا على النهوض، أم محكومًا بالدفن داخل عباءة بالية ملطخة بدماء شعبه وكرامته.
الأصول والغرض: حماية «الثورة» أو «المحاصصة»؟أُنشئ الحرس الثوري الإيراني عام ١٩٧٩ مباشرة بعد الثورة الإسلامية، كهيئة موازية للجيش النظامي لحماية النظام الجديد من الانقلابات العسكرية أو الثورات المضادة. تطور سريعًا إلى قوة عسكرية-اقتصادية-أيديولوجية شاملة، تُسيطر على اقتصاد كبير، تُدير برامج الصواريخ والنووي، وتُشرف على «الباسيج» كذراع قمع داخلي وتعبئة شعبية. يخضع مباشرة للمرشد الأعلى، ويُجسد عقيدة «ولاية الفقيه».أما الحشد الشعبي (PMF)، فقد نشأ عام ٢٠١٤ بفتوى آية الله علي السيستاني لمواجهة داعش، لكنه سرعان ما تحول – تحت إشراف قاسم سليماني قائد فيلق القدس – إلى مظلة لميليشيات شيعية ولائية. رفضت أحزاب الإسلام السياسي فك ارتباطه بعد «النصر»، وحولته إلى كيان موازٍ للجيش النظامي. الهدف الحقيقي، كما أكدت تحليلات أكاديمية واستقصائية عديدة، ليس الدفاع الوطني بل حماية نظام المحاصصة الطائفية من أي انقلاب عسكري أو ثورة شعبية مدعومة من الجيش النظامي، تمامًا كما فعل الحرس الثوري في إيران.
academicjournals.orgالهيكل والقوة: تشابه هيكلي مع فروقات جوهريةالتشابهات اللافتة:
- التوازي المؤسسي: كلا الكيانين يعملان كـ«دولة داخل الدولة» – يتلقيان تمويلًا رسميًا من الدولة لكنهما يعملان باستقلالية تامة عن الجيش النظامي، ويخضعان فعليًا لولاء عقائدي خارجي (المرشد في إيران، وطهران في العراق).
- الدور المزدوج: حماية النظام السياسي الحاكم + تعبئة أيديولوجية + قمع محتمل للمعارضة. الحشد، مثل الحرس، يمتلك أسلحة ثقيلة، طيران مسيّر، وميزانية تضاهي وزارتي الدفاع والداخلية.
- الارتباط بالمركز الإيراني: قادة الحشد الرئيسيون (مثل فالح الفياض وسابقًا أبو مهدي المهندس) يتعاونون مباشرة مع الحرس الثوري، ويتلقون توجيهات من فيلق القدس. الحشد يُوصف صراحة في تقارير غربية بأنه «يشبه الحرس الثوري هيكليًا وأيديولوجيًا». washingtonexaminer.com
- الانتقال من «الدفاع» إلى «الحماية الثورية»: الحرس حماية «الثورة الإسلامية»؛ الحشد حماية «مكتسبات الفتوى» ونظام المحاصصة.
الفروقات الحادة (التي تكشف الضعف العراقي):
- التماسك والعمق: الحرس الثوري مؤسسة مترابطة، ذات عقيدة موحدة (ولاية الفقيه)، اقتصاد ضخم، ونفوذ إقليمي مباشر. أما الحشد فهو «مظلة» غير متماسكة تضم فصائل متنافسة؛ بعضها وطني نسبيًا (مرتبط بالسيستاني)، وبعضها ولائي خالص. يفتقر إلى التماسك التنظيمي الذي يجعل الحرس قوة ثورية حقيقية. tcf.org
- الولاء: الحرس يخضع للمرشد مباشرة داخل دولة مركزية قوية. الحشد يدّعي الولاء للحكومة العراقية (يتبع رئيس الوزراء شكليًا) لكنه يتلقى أوامره من طهران، مما يجعله أداة تبعية أكثر من كونه حارسًا سياديًا.
- القدرات: الحرس يمتلك صناعة عسكرية وبرنامج صواريخ ونفوذًا اقتصاديًا هائلًا. الحشد، رغم تجهيزاته المتقدمة، يظل أقل تطورًا وأكثر اعتمادًا على الدعم الإيراني المباشر.
«الانسحاب المريب» ٢٠١٤ والدور القمعي: درس من إيرانفي إيران، استخدم الحرس والباسيج لقمع الاحتجاجات الداخلية. في العراق، سهّل الانهيار العسكري أمام داعش (كما وثّق تقرير البرلمان) عملية «استلام وتسليم» مدروسة، مما أتاح للحشد أن يصبح «المنقذ» ويرسخ وجوده. هذا النموذج يعكس استراتيجية إيرانية واضحة: خلق قوة موازية تحمي النخبة الحاكمة من الجيش النظامي أو الشارع.السيناريو الاستباقي بعد تصفية القيادات الإيرانية: فرصة أم فخ؟مع فقدان الحشد لـ«المهندسين» الإيرانيين (لاريجاني وسليماني وغيرهما)، يبرز فراغ يمكن استغلاله. لكن الواقع المُر يقول: الحكومة العراقية لا تملك الإرادة، والفصائل لا تملك الرغبة في التخلي عن السلاح. مقارنة بالتجربة اللبنانية في مارس ٢٠٢٦ – حيث حظرت حكومة نواف سلام الأنشطة العسكرية لحزب الله، اعتبرتها «خارجة عن القانون»، وألزمت تسليم السلاح وحصر النشاط في السياسي المدني – يبدو العراق أبعد عن فرض السيادة. الحشد أقوى تنظيميًا من حزب الله في بعض الجوانب، وأكثر اندماجًا في مؤسسات الدولة، مما يجعل أي محاولة لتفكيكه أو دمجه أكثر تعقيدًا وخطورة.السيناريوهات الاستباقية:
- التفكيك النسبي (ضعيف الاحتمال): برلمان قوي يفرض اندماجًا حقيقيًا تحت الجيش النظامي، مدعومًا بضغط خليجي-دولي.
- التصعيد الداخلي (الأرجح): مواجهة برلمانية-شارعية حادة، قد تؤدي إلى شلل أو مواجهات محدودة، خاصة مع رفض السنة والأكراد لاستمرار «الدولة المتوازية».
- الاستمرار المُذل: الحشد يحتفظ باستقلاله، والحكومة تستمر في الاستجداء، مما يحول العراق إلى ساحة مفتوحة للتصفيات بعد انتهاء الحرب الإقليمية.
في الختام، الحشد الشعبي ليس نسخة كاملة من الحرس الثوري؛ إنه تقليد ناقص، أكثر تبعية وأقل تماسكًا، لكنه أخطر على السيادة العراقية لأنه يعمل داخل دولة هشة متعددة المكونات. الفرصة التاريخية موجودة اليوم بعد سقوط رؤوس طهران، لكن الإرادة السياسية مفقودة. إن لم يجرؤ العراق على تكرار – بل تجاوز – التجربة اللبنانية، فسيظل «الحرس الثوري العراقي» يحمي محاصصة فاسدة على حساب الدولة، وسيُسجل التاريخ أن العراق اختار العبودية حتى بعد موت «السيد». هذا ليس مجرد ضعف؛ بل خيانة وجودية للكرامة الوطنية.
في تصريح لم يترك مجالاً للشك، أكد مسؤول أمني رفيع في كتائب حزب الله أن تعيين رئيس الوزراء العراقي القادم «لن يتم قطعاً إلا بعد بصمة إبهام المقاومة الإسلامية في تسميته»، وأنه سيأتي «بقرار وطني بعيد عن إملاءات إدارة الشر الأمريكية».هذا التصريح ليس مجرد كلام دعائي. إنه إعلان صريح بأن الفصائل الولائية لا تزال تمسك بخيوط اللعبة السياسية في العراق، وأن أي حكومة مقبلة لن ترى النور إلا بعد موافقتها المباشرة.الواقع المُر على الأرض كل ما يُتداول حالياً في وسائل الإعلام عن «اختيار رئيس الجمهورية ثم رئيس الوزراء» ليس سوى فقاعات إعلامية. الوضع الفعلي أبسط وأقسى: العراق سيبقى تحت حكومة تصريف أعمال إلى أجل غير مسمى. الأحزاب — وحتى بعض قيادات الإطار التنسيقي نفسه — قررت التريث الاستراتيجي. لا أحد يريد أن يُحرق أصابعه قبل أن يرى مصير إيران بعد انتهاء الحرب.السؤال الذي يشغل بال الجميع الآن:
ما الذي سيتبقى من القيادة الإيرانية بعد أن تم تصفية الخط الأول والثاني والثالث من قادتها السياسيين والعسكريين؟ الخبرة السياسية والميدانية التي كانت تمتلكها هذه القيادات كانت هي الضامن الحقيقي للنفوذ الإيراني في العراق. اليوم، وبعد سقوط هذه الرؤوس تباعاً، أصبحت الفصائل العراقية الولائية في حالة ترقب مشوب بالخوف والتوجس.السيناريو الاستباقي هناك خشية حقيقية داخل أروقة الأحزاب الشيعية من أن تنتهي الحرب الإقليمية لتبدأ حرب أخرى ضروس — هذه المرة داخل العراق — حول تشكيل الحكومة الجديدة. حرب لن تكون على البرامج أو الرؤى، بل على الحصص والامتيازات والمناصب. الفصائل الولائية التي شاركت في الحرب المستعرة تريد حصة أكبر، وتعتبر أن «دمها» الذي سال يمنحها الحق في فرض شروطها.وبينما ينتظر الجميع «معرفة الخيط الأبيض من الأسود» في طهران، يبقى العراق معلقاً في فراغ سياسي خطير: حكومة تصريف أعمال ضعيفة، وفصائل تمسك بالقرار الحقيقي، وإدارة أمريكية تراهن على أن الفراغ الإيراني سيتيح لها إعادة رسم الخريطة السياسية العراقية.الخلاصة اللاذعة:
العراق لم يعد ينتظر «انتخابات» أو «توافقات وطنية». هو ينتظر فقط نتيجة حرب إيران ليقرر شكل حكومته القادمة. وبصمة الإبهام التي تحدث عنها كتائب حزب الله ليست استعارة بل واقعاً سياسياً مُر: القرار الحقيقي لا يزال في يد «المقاومة»… حتى إشعار آخر.
في قرار رسمي خطير صدر عن المجلس الوزاري للأمن الوطني، تم تخويل قيادات الحشد الشعبي بحق «الرد والدفاع عن النفس» ضد أي هجوم أو قصف يتعرض له. هذا القرار، الذي يبدو في ظاهره دفاعياً، يحمل في طيّاته فتيل حرب داخلية قد تنفجر في أي لحظة.الخطورة الحقيقية ليست في «الدفاع عن النفس» ضد عدو خارجي، بل في إمكانية استخدامه ضد الجيش العراقي النظامي نفسه. فإذا صدر أمر من وزير الدفاع أو هيئة رئاسة الأركان بإدماج الفصائل أو تفكيك الحشد (كما تطالب الرؤية الأمريكية)، فإن قيادات الحشد باتت تمتلك الآن غطاءً رسمياً للرد المسلح، حتى لو كان ذلك يعني مواجهة مباشرة مع الجيش النظامي وقرار رئيس الوزراء نفسه بصفته القائد العام للقوات المسلحة.الحشد.. من «مقاتل داعش» إلى «حارس المحاصصة»هذا التخويل ليس مفاجئاً. الحشد الشعبي، الذي أُنشئ أصلاً بفتوى لمواجهة تنظيم داعش، تحول بعد تحجيم التنظيم إلى الحرس الثوري العراقي بامتياز. مهمته اليوم ليست حماية الوطن، بل حماية نظام المحاصصة الطائفية من أي انقلاب عسكري أو ثورة شعبية أو حتى محاولة إصلاح سياسي.السيناريو الاستباقي: نحو مواجهة داخلية حتمية هناك مؤشرات واضحة على أن عدة قوى سياسية — كردية وسنية وحتى شيعية متضررة من سطوة الفصائل — تُحضّر لتكرار النموذج اللبناني. بعد تشكيل الحكومة المقبلة، من المتوقع أن تتقدم الكتل الكردية والسنية بمشروع قانون في مجلس النواب يُجرم أي حزب مشارك في العملية السياسية ولديه جناح عسكري مسلح، تماماً كما فعلت الحكومة اللبنانية مع حزب الله.هذه القوى تسعى أيضاً للحصول على دعم أمريكي مباشر، بما في ذلك تهديدات بعقوبات اقتصادية إذا لم يُصدر البرلمان مثل هذا التشريع.النتيجة المُرة إذا حاولت الحكومة الجديدة — بدعم أمريكي — تنفيذ دمج الحشد أو تفكيكه، فإن قرار المجلس الوزاري للأمن الوطني سيُستخدم كـ«رخصة رسمية» لإشعال مواجهة مسلحة داخلية. الحشد لن يقبل بفقدان سلاحه وسيادته، والجيش النظامي لن يقبل بأن يبقى «جيشاً صورياً» أمام دولة موازية.العراق إذن ليس أمام أزمة سياسية عادية، بل أمام حافة حرب أهلية ثالثة، ستكون هذه المرة بين جيش الدولة و«حرس ثوري» عراقي يحمي محاصصة فاسدة بقرار رسمي صادر من أعلى سلطة أمنية في البلاد.السؤال الذي يطرح نفسه بقوة:
هل سيتحول هذا «الحق في الدفاع عن النفس» إلى شرارة حرب داخلية جديدة، أم أن قوى الإصلاح الداخلية والضغط الخارجي ستفرضان أخيراً احتكار الدولة على السلاح؟الأيام المقبلة ستجيب.. والدماء قد تكون الثمن.