الأبعاد الخفية لكذبة “نيسان” في خطاب نبوءة “ترامب” المنتظرة ؟ بين إنهاء الحرب أو الغزو البري لاحتلال جزر النفط الإيرانية؟

صباح البغدادي

(*) أن حضور الرئيس “ترامب” الشخصي جلسة المرافعات الشفوية أمام المحكمة العليا هذا اليوم في قضية الجنسية بالولادة يعكس ، أكثر من أي شيء آخر، ورغبته الجامحة في البقاء نجمًا تلفزيونيًا بارزًا، حتى على حساب صورته كرئيس دولة. فبوصفه أول رئيس أمريكي حالي يحضر مرافعات شفهية أمام المحكمة العليا في تاريخ الولايات المتحدة، سعى من خلالها “ترامب” إلى تسليط الأضواء الإعلامية عليه بشكل استثنائي، وكأنه يريد أن يؤكد أنه “مختلف” عن جميع الرؤساء الذين سبقوه ، بل وحتى عن المؤسسين الأوائل للجمهورية و على الرغم بان هذا النمط ليس جديدًا على ترامب؛ فهو يسعى دائمًا إلى أن يكون “الأول” والأكثر تميزًا، سواء في حضوره التاريخي هذا، أو في طريقة إدارته للحروب، أو حتى في فرض الضرائب والسياسات الاقتصادية ويبدو لنا بأن هدف ترامب الأساسي هو البقاء في دائرة الضوء الإعلامي دائما ، ومستخدمًا كل مناسبة – حتى القضائية الأكثر جدية – كمنصة لتعزيز شخصيته الدرامية التلفزيونية أمام الكاميرات والجمهور الداخلي والخارجي .

(*) الأهم بالنسبة للقيادة الإيرانية أن تتمعن بعناية فائقة في خطاب الرئيس ترامب المنتظر الليلة، وأن تتجنب الوقوع في فخ “كذبة نيسان” الذي قد يُعد له. ففي يوم 1 أبريل، قد يميل “ترامب” إلى تبني لهجة مطمئنة تتحدث عن «إنهاء المهمة» أو «انسحاب وشيك»، مما يوحي بأن احتمال الغزو البري لاحتلال الجزر النفطية الإيرانية (مثل جزيرة خارك) أصبح بعيد الاحتمال أو مجرد ” كذبة نيسان ” ومع ذلك، فإن هذا الطمأنينة قد يكون الفخ الاستراتيجي الأخطر، خاصة مع استمرار سفينة الإنزال ” جورج بوش ” في طريقها نحو المنطقة. لذلك، يجب على القيادة الإيرانية أن تقرأ الخطاب بعمق، وأن تفكك كل كلمة وكل إشارة على ضوء الواقع العسكري على الأرض، وليس على ضوء ظاهر التصريحات أو الطابع الاحتفالي ليوم كذبة نيسان. وعدم الوقوع في فخ الطمأنينة الزائفة مرة ثالثة ورابعة … الخ واليوم قد يكون أحد أهم العوامل التي تحدد قدرة إيران على التصدي الاستباقي لأي سيناريو تصعيدي محتمل ؟.

تحبس أسواق المال والأعمال والبورصات العالمية أنفاسها في انتظار خطاب الرئيس “ترامب” الليلة هذا اليوم الأربعاء 1 نيسان الساعة التاسعة مساءا بتوقيت واشنطن، والذي سوف يُنظر إليه كخطاب النصر أو التصعيد نحو غزو بري لاحتلال الجزر النفطية الإيرانية , حيث ما تزال الأسواق العالمية تعاني اضطراباً حاداً جراء تداعيات الحرب الأمريكية-الإسرائيلية على إيران، والتي ألقت بظلالها الثقيلة على مؤشرات النمو الاقتصادي العالمي، وأسواق الطاقة، والبورصات، وسط تقلبات عنيفة في أسعار النفط والتوقعات. اليوم يمثل الـ33 من الحرب المستعرة ، وسيكون الخطاب المرتقب لحظة حاسمة للجميع المراقبين ؟ فهل سيُعلن ترامب نهاية وشيكة للعمليات العسكرية، أم سيفتح الباب أمام غزو بري يُشعل أسعار الطاقة ويُعمق الغموض في الأسواق؟ لأن التركيز الرئيسي أصبح يتمثل وفي انتظار نهاية العمليات الأمريكية في إيران وقريباً سيعلن ترامب على الأرجح بانه ستغادر إيران خلال أسبوعين إلى ثلاثة أسابيع، سواء تم التوصل إلى اتفاق أم لا ويؤكد معها أن الهدف الرئيسي (منع إيران من امتلاك سلاح نووي لسنوات قادمة او حتى عقود طويلة ) أو قد تحقق أو أوشك على التحقق ووصف العملية بأنها “نجاح كبير” أو “انتصار تاريخي”، مع التأكيد على أن أمريكا لم تعد بحاجة إلى البقاء هناك طويلاً ومع انتقاد حلف الناتو ودول الحلفاء من لأنه من المتوقع أن يعبر عن خيبة أمل شديدة من حلف الناتو ، ويصف الحلف بأنه “ورقي” (Paper Tiger) لأنه لم يقدم الدعم الكافي في الحرب ضد إيران، ولم يساعد في فتح مضيق هرمز وقد يلمح أو يصرح بأنه يدرس بجدية الانسحاب من هذا الحلف الناتو ، ومع التأكيد على أن أمريكا “لا تحتاج إلى أحد” وأنها الأقوى عالمياً. وأما في الجانب الاقتصادي والداخلي يربط انسحاب القوات بانخفاض أسعار الطاقة والنفط، قائلاً إن “كل ما علينا فعله لخفض الأسعار هو مغادرة إيران” ويطمئن الشعب الأمريكي بأن الحرب لم تكن مكلفة طويلاً، وسيذكر “الجنود الأمريكيين الأبطال” ويمدحهم وقد يلمح كذلك في سياق خطابه إلى إنجازات إدارته الأوسع (الاقتصاد، الحدود، إلخ) ليربطها بالقوة الأمريكية ومع رسائل أخرى محتملةالتأكيد على أن إسرائيل آمنة، أو طمأنتها بطريقة ما (مع العلم أن الانسحاب قد يثير قلقاً إسرائيلياً) ودعوة إيران إلى عدم العودة إلى برنامجها النووي، مع تهديد ضمني بـ”عواقب وخيمة” إذا فعلت ويتخلله لهجة وطنية قوية: “أمريكا أولاً”، “نحن نربح دائماً”، و”سنعيد أمريكا إلى عظمتها” وهذا ما نعتقده سيكون عليه النمط العام للخطاب حيث “ترامب” يفضل الخطابات المباشرة والموجزة في العناوين الوطنية، مع استخدام لغة بسيطة ومكررة للتأثير ولن يكون الخطاب طويلاً جداً (ربما 30 دقيقة او اقل )، وسيبدو هادئاً نسبياً مقارنة بخطاباته الانتخابية، لأنه يخاطب الأمة ككل؟

وفي المقابل ما يزال يستمر “ترامب” في إصدار تصريحات متضاربة، حيث أكد اليوم الأربعاء (1 أبريل 2026) عبر منشور على منصة «تروث سوشيال» أن النظام الإيراني طلب من الولايات المتحدة «وقف إطلاق النار» للتو . ووصف ترامب الزعيم الإيراني الجديد بأنه «أقل تطرفاً وأكثر ذكاءً من أسلافه»، مشيراً إلى أن واشنطن ستدرس هذا الطلب بشرط أن يكون مضيق هرمز «مفتوحاً وحراً وآمناً»، وإلا فإن الضربات الأمريكية ستستمر «بلا هوادة» وفي المقابل، نفى المتحدث باسم وزارة الخارجية الإيرانية، إسماعيل بقائي، هذه التصريحات بشكل قاطع في تصريح لـ«الجزيرة نت»، مؤكداً أنه «لا صحة لادعاء ترامب بأن إيران طلبت وقف إطلاق النار» مما يزيد لنا هذا التناقض من حالة الغموض المحيطة بموقف الرئيس “ترامب”، الذي يبدو متقلباً في تصريحاته، ويثير تساؤلات حول استراتيجيته للخروج من الأزمة في الشرق الأوسط. ونحن نرى بأن على القيادة الإيرانية استغلال هذه الفوضى في التصريحات الأمريكية، إذا أحسنت التعامل مع التناقضات، لفرض شروطها في أي مفاوضات محتملة. ومع ذلك، نحن نعتقد بان نوضح ومن خلال التمييز بين وقف إطلاق النار وإنهاء الحرب نهائياً وهو أمراً بالغ الأهمية، حيث ما يزال وحسب متابعتنا هناك من يخلط به حتى بعض المحللين البارزين على القنوات الاخبارية ؟ . فإذا تم وقف إطلاق النار من طرف واحد أو بشكل مؤقت، فإن ذلك يمنح الطرف الآخر فرصة لاستعادة أنفاسه واستئناف العمليات العسكرية في أي لحظة. أما إنهاء الحرب بشكل كامل ونهائي، فيتطلب التزاماً ملزماً من جميع الأطراف بعدم العودة إلى العمليات العسكرية، سواء كانت تحت مسميات «الغضب اللحمي» أو «زئير الأسد» أو «الوعد الصادق 5» أو «العصف المأكول الثاني».
ونعتقد أن الرئيس ترامب يسعى في خطابه الليلة إلى تجنب أي إشارة مباشرة إلى احتمال الغزو البري، مفضلاً الحفاظ على حالة الغموض الاستراتيجي المتعمد. ويأتي ذلك في وقت تستمر فيه سفينة الإنزال «جورج بوش» في شق طريقها عبر البحر، على أن تصل إلى المنطقة خلال الأيام القليلة المقبلة.هذا النمط من الغموض الذي مارسه ترامب سابقاً قبل إعلان الحرب أدى إلى طمأنة الجانب الإيراني، مما سمح له بتنفيذ ضربة مركزة أسفرت عن اغتيال المرشد الأعلى ومعظم قيادات الصف الأول والثاني بضربة واحدة. ولذلك، يتعين على القيادة الإيرانية أن تتعامل مع الخطاب بمنتهى الدقة والتركيز، وأن تقوم بتفكيكه بعناية على ضوء سير العمليات العسكرية الجارية والقصف الصاروخي المتبادل، وليس بطريقة عشوائية أو اعتباطية.ويُفضل أن يقوم خبراء متخصصون في الشؤون السياسية والعسكرية بتحليل الخطاب، بهدف بناء استراتيجية تصدٍّ استباقي شاملة لكل الاحتمالات، بما فيها السيناريو الأسوأ: غزو بري لاحتلال أحد أهم الجزر النفطية الإيرانية. وفي هذا السياق، يُنصح بالتفكير بطريقة العدو، وعدم الالتفات إلى الرسائل السرية الواردة من أطراف خارجية تحث على الجلوس إلى طاولة المفاوضات والقبول بالشروط الأمريكية-الإسرائيلية، لتجنب الوقوع في الفخ نفسه مرة أخرى. والرسالة الأكثر فعالية التي نراها نحن بان يمكن إيصالها في هذه اللحظة الحرجة، وهي تنفيذ هجوم صاروخي غير مسبوق خلال الخطاب نفسه، ليؤكد للطرف الآخر بوضوح أن إيران جاهزة لمواجهة كل الاحتمالات. وهذا ما يمكن تحقيقه إذا أحسنت القيادة الإيرانية قراءة ما بين سطور الخطاب وتبنت نظرة استراتيجية استباقية دقيقة للرد على هذا الخطاب المرتقب بعد ساعات .

ولذا نحن نعيد ونكرر ولان كذبة نيسان الاستراتيجية قد تكون ملهمة في ان يتم هل يستخدم ترامب يوم 1 أبريل لتعزيز الغموض؟ ونعتقد أن الرئيس ترامب قد يحاول في خطابه الليلة أن يبتعد ظاهرياً عن أي إشارة مباشرة إلى احتمال غزو بري، مع الحرص على الحفاظ على حالة الغموض الاستراتيجي الكامل. في يوم «كذبة نيسان» (April Fools’ Day)، يصبح من الصعب على القيادة الإيرانية التمييز بين التصريح الجاد والخدعة المقصودة. قد يبدو الخطاب مطمئناً نسبياً أو يركز على «إنهاء المهمة» و«الانسحاب الوشيك»، مما يدفع بعض الأطراف إلى الاعتقاد بأنه مجرد «كذبة نيسان» كبيرة. لكن هذا الطمأنينة المحتملة قد تكون الخدعة الأكبر في مصداقية «كذبة نيسان». فإذا نجح ترامب في إيهام الجانب الإيراني بأن الغزو البري غير وارد، ثم فاجأه لاحقاً بعملية عسكرية (خاصة مع اقتراب سفينة الإنزال جورج بوش)، فإن العالم قد يحتفل لاحقاً بـ«مصداقية كذبة نيسان» هذه المرة، لأن الجميع توقع أن يكون الخبر كاذباً.. في حين يكون حقيقياً.لذلك، على القيادة الإيرانية أن تتعامل مع الخطاب بأقصى درجات الحذر والتحليل الاستباقي، وألا تعتمد على الظاهر المهدئ، بل على قراءة ما بين السطور مع الأخذ بعين الاعتبار السياق العسكري الفعلي على الأرض , وبما أن الرئيس ترامب يميل إلى تبني سياسة الغموض الاستراتيجي في خطابه المنتظر الليلة، فإن يوم «كذبة نيسان» يضيف طبقة إضافية من التعقيد إلى هذا الغموض. فالكذبة في يوم الأول من أبريل ليست قطعية ولا يمكن تحديد مصدرها الأصلي بدقة، إلا أن هناك إجماعاً عاماً على أنها تمثل ممازحة أو مداعبة أو مقلباً يُمارس في هذا اليوم من كل عام. ومع ذلك، عندما يتعلق الأمر بخطاب رئيس الولايات المتحدة في ظل حرب مستمرة، فإن هذا الغموض يتحول من مجرد ممازحة تقليدية إلى أداة استراتيجية قد تُستخدم لإخفاء نوايا حقيقية أو لإرباك الخصم.لذلك، يصبح من الصعب على المتابعين – وخاصة القيادة الإيرانية – التمييز بين ما هو «كذبة نيسان» تقليدية وما هو رسالة سياسية وعسكرية جادة. هذا الالتباس المتعمد قد يكون جزءاً أساسياً من استراتيجية ترامب، التي سبق أن أثبتت فعاليتها في إيهام الخصم قبل تنفيذ ضربات مفاجئة.

وفي الختام بان الملفت للنظر لنا أن بعض الصحف البريطانية الرئيسية، صحيفة تايمز ومجلة ذي إيكونوميست وصحيفة آي بيبروديلي ميل، بدأت اليوم فقط في تداول سيناريوهات كنا قد اشرنا إليها قبل أسابيع وبصورة اكثر تفصيلا حيث شاركت هذه الصحف وتحت عنوان: “هل يخطط ترامب لغزو بري لإيران يوم الجمعة العظيمة؟ (1) متسائلة عما إذا كان خطاب ترامب الليلة يُمهّد لإنهاء الحرب، أم أنه يُغطي على استعدادات لغزو بري مفاجئ يصادف يوم الجمعة العظمى ، الذي يتزامن مع إغلاق أسواق وول ستريت والأسواق الأوروبية لعطلة نهاية الأسبوع الطويلة.هذا التحليل الذي نشرته الصحف البريطانية اليوم يأتي متأخراً نسبياً، إذ كنا قد تطرقنا في مقالاتنا الاستباقية منذ أيام إلى هذه الثنائية الحاسمة: إنهاء الحرب وإعلان النصر من جهة، أو التصعيد نحو غزو بري لاحتلال الجزر النفطية الإيرانية (مثل جزيرة خارك) من جهة أخرى. يبدو أن بعض الصحفيين البريطانيين لم يواكبوا التطورات ساعة بساعة كما ينبغي، فجاءت قراءتهم للمشهد رد فعل على التصريحات الأخيرة لترامب، وليست تحليلاً استباقياً يسبق الأحداث. هذا التأخر يعكس في كثير من الأحيان الفارق في سرعة المتابعة والتحليل بين الإعلام العربي المتخصص في الشأن الإقليمي والإعلام الغربي الذي يعتمد أحياناً على الدراما اللحظية.