بقلم: حسين شكران العقيلي
التاريخ: 2 نيسان 2026
تُمثل العلاقة بين القاعدة القانونية والعرف العشائري في العراق واحدة من أعقد الجدليات السوسيولوجية والقانونية، حيث يتداخل فيها الموروث الاجتماعي بالضابط الشرعي والنص الوضعي. وتبرز (السناين العشائرية) كدستور غير مكتوب، يمتلك سلطة نفاذ واقعية تتجاوز أحياناً حدود النص القانوني الصريح، مما يضعنا أمام تساؤل جوهري حول مدى مواءمة هذه السناين مع الفقه الإمامي الذي يمثل المرجعية الروحية والقيمية للغالبية، ومع القانون العراقي الذي يمثل سيادة الدولة. إن هذه القراءة التحليلية تسعى لتفكيك بنية السناين العشائرية، ليس بوصفها مجرد عادات عابرة، بل كمنظومة موازية تتأرجح بين ضرورة الضبط الاجتماعي وإشكالية التجاوز على الحقوق الفردية والشرعية.
تبدأ إشكالية البحث من نقطة الافتراق والالتقاء بين (العرف) كمصدر من مصادر التشريع، وبين (السنينة) كإجراء تنفيذي عشائري. ففي الفقه الإمامي، يُعتد بالعرف ما لم يصطدم بنص شرعي قطعي، حيث تبرز قاعدة (المعروف عرفاً كالمشروط شرطاً). إلا أن التحليل الفقهي الدقيق يضع السناين العشائرية المعاصرة تحت مجهر النقد، خاصة تلك التي تتضمن تجاوزاً على النفس أو المال أو الكرامة الإنسانية، مثل (الفصل) الذي يخرج عن حدود الدية الشرعية، أو (الجلوة)، أو (الدكة) التي تم تكييفها قانوناً كفعل إرهابي. وهنا يظهر التباين؛ فبينما يميل الفقه إلى ترسيخ العدالة الفردية والمسؤولية الشخصية (ولا تزر وازرة وزر أخرى)، نجد أن السنينة العشائرية تميل نحو المسؤولية التضامنية التي قد تُحمل البريء وزر الخاطئ، وهو ما يتقاطع جوهرياً مع مقاصد الشريعة الإسلامية.
أما على الصعيد القانوني، فإن المشرع العراقي وجد نفسه في صراع مستمر مع تغول العرف العشائري. فالدولة العراقية، في مسعاها لترسيخ مفهوم (المواطنة) بدلاً من (المكوناتية)، حاولت احتواء السناين العشائرية عبر قنوات قانونية، لكن الواقع يشير إلى وجود (ازدواجية معيارية). فالقانون المدني العراقي يعترف بالعرف كمصدر تكميلي، إلا أن القانون الجنائي يقف حائط صد أمام السناين التي تشرعن القوة خارج إطار الدولة. إن التحليل المنطقي لهذه العلاقة يكشف أن السنينة العشائرية تملأ (الفراغ السيادي) في المناطق التي يضعف فيها إنفاذ القانون، فتتحول من أداة للصلح الاجتماعي إلى سلطة قهرية تتحدى هيبة النص القانوني.
إن التداخل بين الفقه الإمامي والقانون العراقي في مواجهة السناين يتطلب رؤية نقدية تفرق بين (العرف المحمود) الذي يسهم في فض النزاعات بروح التسامح، وبين (العرف المذموم) الذي يتحول إلى وسيلة للابتزاز المادي أو القهر الاجتماعي. فالفقه الإمامي، برصانته واشتراطاته، يوفر غطاءً أخلاقياً وتشريعياً لإعادة تهذيب السناين العشائرية بما يتوافق مع حقوق الإنسان، بينما يمتلك القانون العراقي الأدوات الإجرائية لتحويل هذا التهذيب إلى واقع ملزم. إن بناء مجتمع مدني مستقر في العراق لا يمر عبر إلغاء العشيرة ككيان اجتماعي، بل عبر إخضاع (سناينها) لمنطق الدولة وحكم الشريعة، بما يضمن ألا تكون الغلبة للقوة، بل لسمو النص وعدالة التطبيق.
وفي الختام، يظل الرهان قائماً على الوعي المجتمعي والنخب الأكاديمية والشرعية لتصحيح المسارات المنحرفة في السناين العشائرية. إن الجدلية بين العرف والقانون لن تنتهي بالقطيعة، بل بالتكامل الذي يضمن بقاء العشيرة سنداً للدولة لا نداً لها، وبقاء الفقه حارساً للعدالة لا مبرراً للأعراف التي أكل عليها الدهر وشرب.