جديد

البوصلة الوطنية والمدارات الإقليمية قراءة جيوسياسية في حراك (تلبية النداء)

​بقلم: الكاتب والباحث حسين شكران العقيلي

​لم يكن الاحتشاد الجماهيري الذي شهدته الساحات تلبيةً لنداء سماحة السيد مقتدى الصدر مجرد استجابة عاطفية أو فعالية دورية، بل مثل في جوهره وثيقة سياسية ميدانية صيغت بدقة لتفكيك تعقيدات المشهد العراقي والإقليمي. إن القراءة المتأنية لهذا الحراك تكشف عن استراتيجية واعية تهدف إلى موازنة كفتي السيادة الوطنية والمسؤولية الأخلاقية تجاه قضايا المنطقة، بعيداً عن الانفعالات التي قد تضر بمصالح الدولة العليا.
​تجلت أولى مرتكزات هذا الحراك في رمزية السيادة عبر التوجيه الصارم برفع العلم العراقي حصراً. إن هذا الإجراء يتجاوز الشكل التنظيمي ليصبح بياناً سيادياً يؤكد أن الإرادة الشعبية الصدرية هي إرادة وطنية منبثقة من صميم الهوية العراقية. هذه الخطوة قطعت الطريق أمام المحاولات الدولية لنمذجة الاحتجاجات ضمن محاور خارجية، وأثبتت أن الموقف الرافض للاعتداءات الصهيوأمريكية هو قرار عراقي مستقل يضع مصلحة بغداد في مقدمة أولويات التعبير عن التضامن الإنساني والإسلامي.
​وعلى صعيد التوازن الإقليمي قدمت المظاهرات قراءة متقدمة في مفهوم الأمن الجماعي.
إن دلالة إبراز أعلام دول المنطقة، بما فيها دول الخليج والجمهورية الإسلامية الإيرانية، حملت رسالة مزدوجة: الأولى تؤكد أن استقرار المنطقة وحدة واحدة لا تقبل التجزئة، وأن أي مساس بأمن الجوار هو تهديد مباشر للداخل العراقي. والثانية هي دعوة أخوية لضرورة تغليب لغة المصير المشترك والتحلل من ضغوط الإملاءات الخارجية التي تسعى لزعزعة استقرار الشعوب العربية والإسلامية.
​أما الحكمة الاستراتيجية في هذا الحراك، فقد تبلورت في فلسفة تجنب الانزلاق.
لقد كان من السهل حصر الرمزية في أعلام الدول المستهدفة كإيران واليمن ولبنان، لكن السيد الصدر آثر شمولية الرؤية لكي لا يُفهم الحراك على أنه إعلان حرب أو انخراط عسكري مباشر. هذا التوازن الدقيق ينم عن حرص شديد على حماية العراق من أن يتحول إلى ساحة لتصادم المصالح الدولية، مع الاحتفاظ بحق التعبير الشعبي الرافض للظلم. إنها رؤية تتقاطع مع الموقف العقلاني الذي يسعى لعزل مصادر العدوان وحماية الدول الجارة من نيران الصراعات بالوكالة.
​إن الالتزام الاستثنائي الذي أظهره المتظاهرون بالضوابط والتعليمات يعكس نضجاً في الوعي السياسي لدى القواعد الشعبية، التي باتت تدرك أن التظاهر أداة بناء لا معول هدم.
وفي الختام، يظل هذا الحراك الذي قاده السيد مقتدى الصدر مدرسة في فن المزاوجة بين التمسك بالثوابت العقائدية وحماية الكيان الوطني، مؤكداً أن العراق يمتلك من الحكمة ما يجعله فاعلاً حقيقياً في رسم مسارات السلام والاستقرار في قلب الشرق الأوسط.