صراع الوجود: ما وراء العدوان على ايران

أسماء الجرادي

مر أكثر من شهر على بدء العدوان الأمريكي الصهيوني على إيران،ومازالت إيران تقاوم وتهاجم وترد القصف بالقصف والضربة بضربات، لتكسر غطرسة الصهاينة والامريكان وتحبط اهدافهم.
بدأ العدوان بسلسلة من الهجمات الغادرة، استهدفت مؤسسات مدنية وقادة بارزين في الجمهورية الإسلامية الإيرانية، ومنهم المرشد الأعلى، السيد علي خامنئي. كان الهدف واضحاً وهو: إحداث فراغ قيادي، واسقاط النظام، ودفع إيران إلى الاستسلام غير المشروط، وسلب قدرتها وثرواتها، وتنصيب من تريد امريكا تنصيبة لقيادة الدولة على غرار ما حدث في فنزويلا.
كل هذه العداوة للنظام الايراني وشعب إيران هو لأنه بلد مسلم متمسك بعقيدته وقضية الاسلام الاولى فلسطين وهو ما اكده نتنياهو في عدد من الخطابات بأن إيران تُشكل تهديداً وجودياً لإسرائيل، مؤكداً أنه إذا تمكنت إيران من الحصول على سلاح نووي، فلن تبقى إسرائيل في المنطقة وأن هذه الحرب هي حرب وجودية لأسرائيل، هذه التصريحات، التي يرددها نتنياهو ووزراء دفاعه وترمب باستمرار، تؤكد أن حربهم على إيران هي لتأمين وجود ما تسمى دولة إسرائيل الكبرى في المستقبل، وهذا يشمل مواجهة محور المقاومة في لبنان وفلسطين والعراق واليمن.

لكن ما لم يكن في حسابات العدو واعوانه هو الفارق الجوهري بين فنزويلا وايران؛ وهو الإيمان الراسخ بالله، والعقيدة التي تسكن قلوب هؤلاء القادة وشعبهم المؤمن. فبينما ارتقى بعض القادة شهداء، برز آخرون أكثر قوة وشراسة، ليحملوا راية المعركة. فكان الرد الإيراني مباشراً وقوياً وموجعاً، استهدف الاراضي المحتلة في فلسطين والقواعد الأمريكية في المنطقة، وتضاعفت الضربات واشتدت الهجمات يوماً بعد يوم، لتثبت أن إرادة المقاومة قوية ولن تضعف او تنهار وأن العدو الذي راهن على الانهيار السريع، يواجه فشلاً ذريعاً ومتواصلاً، وسينكسر بإذن الله قريباً أمام بسالة المجاهدين في إيران ولبنان والعراق واليمن وفلسطين.

في بداية العدوان، خرج قادة العدو، ترمب ونتنياهو، بتصريحات متغطرسة، معلنين القضاء على النظام والقدرات الإيرانية، ومطالبين بالاستسلام غير المشروط. لكن الرد الإيراني جاء قاسماً، بضربات موجعة على قواعد العدو في إسرائيل والمنطقة، وشملت إغلاق مضيق هرمز وإغراق عدد من سفنهم، واسقاط طائراتهم، أمام هذه الضربات، اختفى نتنياهو، المعروف بغطرسته وعنجهيته الإعلامية، ليظل حبيس الملاجئ، في مشهد يجسد الوعد الإلهي في قوله تعالى:(لَا يُقَاتِلُونَكُمْ جَمِيعًا إِلَّا فِي قُرًى مُحَصَّنَةٍ أَوْ مِنْ وَرَاءِ جُدُرٍ). أما ترمب، فقد أصيب بهستيريا وجنون العظمة، ليُلقي خطابات متناقضة، يتحول فيها من إعلان نهاية إيران وقوتها، إلى دعوتها للحوار والتهديد في آن واحد، ليصبح مسخرة للمتابعين. هذا التحول الدراماتيكي في الأهداف الصهيوأمريكية، من إسقاط النظام الإيراني وفرض الاستسلام، إلى مجرد الدعوة للحوار والتنازلات، الى فتح مضيق هرمز لم يكن ليتحقق لولا فضل الله، ثم بفضل الإيمان والثبات والصبر الأسطوري للمجاهدين في إيران، من قادة وشعب.

إن هذه الحرب هي حرب الايمان كله على قوى الشرك والكفر كله فانقسم العالم كفتين مع امريكا واسرائيل ومع ايران وحلفائها فإيران هي درع الأمة الحصين في مواجهة الصهاينة المحتلين وأعوانهم، وأن استهدافها هو استهداف لكل الامة وهي اليوم تقود معركة تطهير الامة من الاعداء وبرغم كل الهجمات التي تواجهها والقنابل الفتاكه التي القيت عليها فهي اليوم تشرف الامة في هذه المعركه بشراسها واستبسالها.

هنا يتبادر إلى أذهاننا سؤال: ماذا لو كانت كل الدول الإسلامية، أو حتى الدول العربية، تمتلك ذات الإرادة والعزيمة التي أظهرتها إيران في صد العدوان الامريكي الصهيوني وطرد الوجود الأمريكي بقواته وقواعده ومؤسساته من منطقتنا؟ وتاتي الاجابة: لما كان هناك وجود لأرض تسمى إسرائيل، أو لأي محتل غربي في منطقتنا. إننا اليوم نخسر ونتألم في هذه المعركة بحجم تخاذلنا منذ البداية، وكل من يتخاذل اليوم، سيأتي دوره ليخسر أعظم وأكبر. فإيران، الدولة المحاصرة منذ عقود، تواجه اليوم، ولأربعين يوماً متواصلة، أعظم قوة عالمية بأفتك الأسلحة والقنابل، وتخوض حرباً شاملة تستهدف كل شيء على أرضها، من حرب عسكرية جبانة وهمجية، إلى حرب إعلامية تضليلية، وصولاً إلى حرب المنافقين من العرب والمسلمين الذين يطعنون في خاصرة الأمة لصالح العدو الصهيوني الأمريكي، فضلاً عن مواجهة مجلس الأمن والأمم المتحدة. ولولا جهادها وصمودها، لاستعمر الصهاينة كل المنطقة العربية والإسلامية، ولفرضوا علينا دينهم أو قتلونا. وما نراه اليوم من إهانة للدول الإسلامية المطبعة والمطيعة لهم، حيث يأمرونها بالولاء لإسرائيل وطاعتها في كل أمر، رغم أنها دول كبيرة وغنية وتستطيع الاستغناء عن أمريكا والغرب، لهو دليل قاطع على أن حب الدنيا يولد الذل، والذل يولد الإهانة، ومن ثم النهاية الحتمية المخزية، لأنهم لم يطيعوا الله ورسوله في جهاد هؤلاء الكافرين.

إن هؤلاء المنافقين من الأعراب، الذين ينتظرون هزيمة إيران ومحور المقاومة،لا يدركون أن الكيان الصهيوني لن يتركهم وشأنهم، وسيندمون أشد الندم. ولقد كان في مصير أنطوان لحد وجيشه في جنوب لبنان عام ألفين، أعظم درس في كيفية معاملة إسرائيل لعملائها، وحتى لمن يقاتلون معها ويسلمون لها كل ما يملكون. وعليه، فإن الدخول في المعركة ضد إسرائيل يصبح ضرورة حتمية لحماية بلداننا وأمنه الوطني والقومي، ثم لمنع عدوانها على أي بلد عربي أو مسلم، وهي فرصتنا اليوم لنوجه لها الضربات التي تنكس رايتها وتكسر غطرستها باذن الله، وقد قال تعالى(… وَقَاتِلُوا الْـمُشْرِكِينَ كَافَّةً كَمَا يُقَاتِلُونَكُمْ كَافَّةً وَاعْلَـمُوا أَنَّ اللهَ مَعَ الْـمُتَّقِينَ) ولهذا، يصبح لزاماً على كل عربي ومسلم أن يقف اليوم مع المقاومة في إيران، حتى نستاصل هذا السرطان الذي انتشر في جسد الأمة وأصابها بالموت البطيء المتعب. فها هي اليوم الأمة، بقيادة إيران ومحور المقاومة، تقاوم وتواجه وتضرب العدو بجميع جوانبه، وتقود مرحلة التطهير الشامل للأمة من الصهاينة وأعوانهم. فلنكن لهم السند، ولا نضيع هذه الفرصة العظيمة التي إن أضعناها، سوف نندم ونضيع أنفسنا وكرامتنا وحياتنا وحياة أجيالنا وديننا.

لقد تكررت حالات الذل والإهانة للأمة الصامتة والمتخاذلة على لسان نتنياهو وترمب ومسؤوليهما، من حديثهم عن الشرق الأوسط الجديد الذي تحكمه إسرائيل، مروراً بتصريحات ترمب المهينة لدول الخليج. وعلى النقيض تماماً، يصفون الرجال الأبطال المجاهدين بأنهم الخطر الحقيقي على الصهاينة، كما في أحاديثهم عن قاسم سليماني وحسن نصر الله وخامنئي ولاريجاني، وعدد من القادة الذين أحدثوا ضرراً بإسرائيل ما لم تستطع معظم الدول الإسلامية الخاضعة أن تفعله على مدى ثمانين عاماً. فهؤلاء الأبطال هم من يجسدون الوصف الإلهي في قوله تعالى: (يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ حَرِّضِ الْـمُؤْمِنِينَ عَلَى الْقِتَالِ إِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ عِشْرُونَ صَابِرُونَ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ وَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِائَةٌ يَغْلِبُوا أَلْفًا مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَا يَفْقَهُونَ). وهذا ما يتجلى اليوم بوضوح في الحرب الدائرة بين إيران وإسرائيل وأمريكا، وكذلك في صمود حزب الله والمقاومة العراقية واليمنية. إن آيات الله تتجلى لنا في كل حدث وموقف وأمر، لتؤكد أن النصر حليف المؤمنين الصابرين.

في الختام، إن ما يجري اليوم من عدوان صهيوامريكي على ايران ولبنان والعراق وفلسطين هو حجر الاساس لمشروع أخطر، يستهدف الأمة العربية والإسلامية برمتها لمحوها وتنصيب اسرائيل المسؤل الرئيسي في المنطقة كلها. ولقد أثبتت إيران، بصمودها الأسطوري وإيمان شعبها وقادتها، أن المقاومة هي السبيل الوحيد لكسر شوكة العدو وإفشال مخططاته.
إن قراءة المشهد بوعي، وتجاوز الرؤى الضيقة، وإدراك الأبعاد الحقيقية لهذا الصراع، هو الخطوة الأولى نحو بناء استراتيجية دفاعية شاملة. لا يمكن لأي دولة أن تقف بمعزل عن هذا التحدي الوجودي، فالمصير مشترك، والتهديد واحد. والمستقبل مرهون بمدى قدرتنا على توحيد صفوفنا، وتعزيز تضامننا، والتحرك بمسؤولية وفاعلية، لكسر حلقة الاستهداف الممنهج، وحماية أمننا القومي، وصون كرامة أمتنا ومستقبل أجيالها.