رياض سعد
على مدى ما يقارب ثلاثة عقود، لم يكتفِ نظام حزب البعث في العراق، بقيادة المجرم صدام ، بإدارة الدولة عبر أدوات السياسة والأمن، بل سعى كذلك إلى بناء صورة إعلامية مهيمنة تتجاوز حدود العراق، مستهدفًا الرأي العام العربي والدولي… ؛ وقد اعتمد هذا المشروع على استقطاب عدد من الكتّاب والإعلاميين والصحفيين العرب، عبر وسائل متعددة، لتحويلهم إلى أدوات ترويج تمجّد النظام وتسوّق لإنجازاته المزعومة وتغض الطرف عن مجازره وجرائمه بل وتبررها .
لم تكن علاقة نظام صدام الإعلاميين والصحفيين العرب علاقة قناعة فكرية أو موقف أيديولوجي نابع من الاقتناع بزعامة الرجل للعرب والأمة، بل كانت علاقة مبنية على معادلة واضحة: مال مقابل تملق، وهدر مقابل تبييض… ؛ على مدى ثلاثين عاماً، حوّل النظام السابق الصحافة العربية إلى منبر دعائي مجاني، مستغلاً حاجة البعض وطمع آخرين، ومستثمراً ثروات العراقيين الجائعة في شراء الأقلام والألسنة .
آلة إعلامية على وقود النفط*
لقد شهدت تلك المرحلة نمطًا واضحًا من الإنفاق الواسع على الإعلام، حيث فُتحت أبواب المؤسسات الصحفية والقنوات التلفزيونية، ونُظّمت مهرجانات وندوات، واستُضيف إعلاميون في بغداد مع توفير تذاكر سفر وإقامات فندقية فاخرة، فضلًا عن تقديم الهدايا النقدية والعينية، وفي بعض الحالات ما عُرف بـ”كوبونات النفط” التي شكّلت وسيلة غير مباشرة للرشوة السياسية والإعلامية … .
وثّق باحثون عراقيون وعرب، كيف كان مسؤولو النظام يوزعون “كوبونات النفط” على كتاب وصحفيين بعواصم عربية وأوروبية، بمعدلات تصل إلى مليوني برميل سنوياً لبعض الأسماء المعروفة… ؛ كما كشفت وثائق عراقية بعد العام 2003 عن جداول بأسماء إعلاميين عرب، بجانب كل اسم مبلغ محوّل أو هدية قُدّمت .
وامتد هذا النشاط ليشمل عواصم عربية وأوروبية، من عمّان وبيروت والقاهرة إلى تونس والرباط ودول الخليج، وصولًا إلى باريس ولندن وروما وأثينا… ؛ وخلال تلك السنوات، تصاعد خطاب إعلامي يروّج لصدام بوصفه “قائد الأمة” و”رمز التحدي وفارس وحامي البوابة الشرقية”، في تجاهل واضح لواقع القمع الداخلي والحروب التي أنهكت العراق والمنطقة …!!
ثلاثون عاماً، ليس مجرد رقم في مسيرة نظام حكم، بل هي عمر جيل كامل من العراقيين دفع ثمنه من قوته وصحته وتعليمه، بينما كانت ثروته تتدفق إلى جيوب أقلام مأجورة وألسنة متملقة، امتدت من عمان إلى القاهرة، ومن بيروت إلى لندن وباريس. إنها ظاهرة “المديح المدفوع” التي كشفتها وثائق ما بعد السقوط، لتؤكد أن نظام صدام لم يكن يشتري الخبز لشعبه المحاصر، بل كان يشتري الضمائر في كل عاصمة عربية …!!
غير أن هذا البناء الإعلامي بدأ يتهاوى مع التحولات الكبرى التي أعقبت الغزو الأمريكي للعراق عام 2003… ؛ فقد سقط النظام الاجرامي ، وانكشفت الكثير من الحقائق التي كانت مخفية أو مغيّبة… ؛ ومن أبرز الشواهد على ذلك فضيحة برنامج “النفط مقابل الغذاء” التي كشفتها تقارير دولية، حيث أُدرجت أسماء عدد من السياسيين والإعلاميين ضمن قوائم المستفيدين من امتيازات نفطية مقابل مواقف داعمة للنظام الاجرامي .
كما أظهرت الوثائق التي عُثر عليها بعد سقوط بغداد، إضافة إلى تحقيقات صحفية لاحقة، حجم الأموال التي أُنفقت من ثروة العراقيين—في وقت كان فيه الشعب يعاني من الفقر والمرض نتيجة الحصار—على حملات دعائية خارجية… ؛ وقد تبيّن أن هذا الإنفاق لم يكن مجرد دعم إعلامي عابر، بل سياسة ممنهجة تهدف إلى شراء الولاءات وتوجيه الخطاب العام .
نعم , لم تكن الأموال التي أغدقها النظام على الإعلاميين العرب مجرد “هدايا” عابرة أو “كوبونات نفط” تمنح هنا وهناك، بل كانت سياسة دولة منهجية… ؛ اذ تؤكد الوثائق التي تم ضبطها في مكاتب الملحقيات الثقافية العراقية بعد سقوط النظام، أن بغداد مولت المئات من الصحفيين والسياسيين، وعشرات المطبوعات والمنابر الإعلامية العربية والدولية، عبر شبكة معقدة من الرشى والعمولات قدرت بأكثر من مليار دولار على مدى عقدين … .
ولم تقتصر الظاهرة على أسماء بعينها مثل عبد الباري عطوان، أو فؤاد مطر، أو وليد أبو ظهر، بل شملت شبكة واسعة ضمت مذيعين في قنوات مثل الجزيرة و”بي بي سي” ومونت كارلو، فضلاً عن كتاب ومثقفين وصحف في مختلف العواصم العربية… ؛ وقد أظهرت القائمة الشهيرة التي نشرتها صحيفة “المدى” العراقية بعد سقوط النظام أسماء حوالي 270 شخصية وهيئة من نحو 46 دولة، بينهم إعلاميون بارزون وشركات وصحف، ممن تقاضوا هذه “الأتاوات الإعلامية” مقابل تمجيد “القائد الضرورة” وانتصاراته المزعومة .
والتاريخ خير شاهد على هذه السياسة الممنهجة… ؛ ففي ثمانينيات القرن الماضي، أسس النظام جائزة “القدس” للإعلام، والتي كانت تصرف بمبالغ ضخمة لمن يكتب أو يبث بما يرضي الأجندة البعثية… ؛ كما كانت صحف عربية كبرى تتلقى إعلانات مدفوعة بأضعاف الأسعار السوقية، دون أن تنشر تلك الإعلانات فعلياً، بل كانت ثمناً لافتتاحيات تمجد “صدام المنتصر” .
ومع انهيار النظام البعثي الصدامي ، اختفى كثير من أولئك المروّجين، أو غيّروا مواقفهم بشكل لافت، في مشهد يعكس هشاشة الخطاب الذي كانوا يدافعون عنه… ؛ وهكذا، تبددت ملايين الدولارات التي أُنفقت على صناعة صورة زائفة، دون أن تترك أثرًا حقيقيًا سوى تعميق معاناة الشعب العراقي .
إن هذه الظاهرة تطرح أسئلة جوهرية حول أخلاقيات العمل الإعلامي، وحدود العلاقة بين السلطة والصحافة، وتؤكد أن الإعلام، حين يفقد استقلاله، يتحول إلى أداة تزييف لا تقل خطرًا عن أدوات القمع الأخرى .
*فأر في جحر: النهاية التي فضحت البدايات
عندما تم القاء القبض على المجرم صدام في حفرة قذرة ؛ كجرذ بائس وسخ ؛ ظهرت صورة صدام الحقيقية للعلن ؛ فهذه الصورة البائسة تناقلتها وسائل الاعلام ؛ اذ لم تكن الصورة مجرد نهاية مذلة لطاغية، بل كانت مرآة عاكسة لحقيقة كل ذلك “التمجيد” الذي سبقها… ؛ و الأصوات المأجورة التي كانت تملأ الدنيا ضجيجاً بـ”اضرب اضرب تل أبيت” … ؛ سكتت فجأة، أو الأسوأ من ذلك، انقلبت لتكتب مقالات عن “الطاغية” ذاته الذي كانت تتكسب من مديحه قبل أيام …!!
وهذه النهاية تؤكد حقيقة مرة: الرأي العام الذي يُصنع بالمال والرشوة هو مجرد فقاعة… ؛ فبمجرد أن اختفى مصدر التمويل، اختفى الولاء… ؛ أولئك “المتملقون الأنذال” لم يكونوا يؤمنون بقضية، بل كانوا موظفين غير معلنين في وزارة إعلام تحكمها ثروة شعب جائع… ؛ وهذا يطرح سؤالاً أخلاقياً ومهنياً كبيراً: أين نقابات الصحفيين من هذه المهزلة؟!
وأين مصداقية الإعلام الذي لا يزال البعض يتغنى بـ”زمن الفرسان” فيه، متجاهلاً أن أؤلئك الفرسان كانوايركبون على ظهور الفقراء؟!
*خاتمة: أموال السحت وشراء الضمائر العفنة
إن ظاهرة شراء الإعلاميين العرب في عهد نظام البعث لم تكن مجرد فساد مالي، بل كانت فساداً أخلاقياً ومهنياً عميقاً… ؛ وإذ نستذكر اليوم هذه الحقبة المظلمة، فإننا لا ننتقم من أشخاص بقدر ما نفضح آليات التطبيع مع الاستبداد باسم المال، ونؤكد أن حياد الإعلام وأمانته هما خط الدفاع الأول عن كرامة الشعوب… ؛ أما الأقلام التي تبيع ضمائرها، فمهما طال بها الزمن، سينكشف أمرها حين يسقط من كانت تخدم، وتبقى العبرة لمن يعتبر .
في المحصلة، ذهبت “ذيچ الملايين” التي انتزعت من أفواه العراقيين أدراج الرياح… ؛ اذ لم تمنع تلك الأموال سقوط النظام، ولم تشترِ له يوماً واحداً إضافياً من الحكم عندما حانت ساعة الحقيقة… ؛ والأهم، أنها لم تمنح أولئك الإعلاميين شرف الكلمة الحرة، بل تركتهم عراة إلا من وصمة “التملق” و”الارتزاق” في سجل التاريخ .
يبقى الدرس الأهم للأجيال القادمة: الكلمة التي تُشترى بثمن، تموت بموت من دفع الثمن… ؛ أما الحقيقة التي وثقها الجوع العراقي، فهي باقية تشهد على عصر كانت فيه الضمائر معروضة في مزاد علني، وكان سعرها برميل نفط… ؛ إن استعادة هذه الذاكرة ليست انتقاماً من الماضي، بل تحصين للمستقبل من أقلام تتلون بلون الذهب، وتجف حين يجف بئر النفط .