إيهاب مقبل
الطنطل هو أحد الكائنات الراسخة في المخيال الشعبي العراقي، لكنه في الوقت نفسه من أكثرها غموضًا من ناحية التوثيق التاريخي. فبينما يحضر بقوة في الذاكرة الشفوية وفي الثقافة الشعبية الحديثة، فإنه لا يظهر في النصوص العربية الكلاسيكية، ولا في المعاجم التراثية، ولا في المدونات الأدبية القديمة المعروفة. وهذا الغياب يشير إلى أن الكائن، أو على الأقل اسمه بصيغته المتداولة اليوم، ينتمي إلى طبقة متأخرة نسبيًا من الفولكلور العراقي، نشأت خارج إطار الكتابة الرسمية التقليدية.
المصادر الفولكلورية المبكرة التي دوّنت التراث الشفهي العراقي في النصف الأول من القرن العشرين، مثل كتاب «حكايات شعبية من العراق» (1931) باللغة الإنجليزية، لعالمة الأنثروبولوجيا الثقافية البريطانية إي. إس. دراور (إيثل ستيفانا ستيفنز)، تركز في الغالب على منظومة أوسع من الكائنات الخرافية مثل الجن والعفاريت والغيلان. في هذا النوع من التوثيق المبكر لا يظهر “الطنطل” كاسم مستقل واضح ومُعرّف، وهو ما يجعل غيابه في هذا الطور من التدوين مؤشرًا مهمًا على أنه لم يكن قد استقر بعد في الكتابة الفولكلورية الأجنبية أو الأكاديمية بوصفه كيانًا مميزًا باسم ثابت.
في المقابل، تشير الشواهد العامة من الأدب والصحافة العراقية في منتصف القرن العشرين إلى أن اسم “الطنطل” بدأ بالظهور تدريجيًا في الاستخدام المكتوب داخل العراق، خصوصًا في السياقات العامية والحكايات الشعبية المنشورة. غير أن تحديد أول نص بعينه أو صحيفة بعينها لا يمكن إثباته بشكل قاطع من المصادر المتاحة حاليًا، بسبب محدودية الأرشفة النصية الكاملة للصحافة العراقية المبكرة، وبسبب الطبيعة الشفوية الأصلية لهذه المادة قبل تدوينها.
وفي الأدب والدراسات الحديثة، يظهر الطنطل بشكل أوضح، لكنه لا يُقدَّم بوصفه كائنًا موثق الأصل تاريخيًا، بل كعنصر من عناصر الفولكلور العراقي المعاصر. ففي كتاب «الأدب العراقي المعاصر» (2008)، الذي حرره شاكر مصطفى، يظهر الطنطل داخل نصوص أدبية عراقية حديثة مكتوبة بالإنجليزية بوصفه عنصرًا من عناصر الذاكرة الشعبية. هنا يتحول إلى رمز مرتبط بالطفولة والخوف المتوارث والحكايات الشعبية، أكثر من كونه كائنًا محدد الملامح.
كما يتوسع حضوره في الدراسات الثقافية والأنثروبولوجية الحديثة، مثل كتاب «أشباح أهوار العراق» (2024)، من تأليف ستيف لونيرغان وجاسم الأسدي وكيث هولمز، حيث يُذكر الطنطل ضمن منظومة “الأشباح” والأساطير الشعبية في أهوار جنوب العراق. غير أن هذه الدراسات لا تتعامل معه ككائن تاريخي محدد الأصل، بل تضعه ضمن إطار أوسع يدرس علاقة الإنسان بالمكان والبيئة والخوف من المجهول، باعتبار هذه الكائنات أدوات تفسير رمزية للعالم المحيط.
وفي السياق المسرحي والثقافي، يظهر الطنطل في كتاب «مسرح العراق تحت الاحتلال (2003–2011): المراثي، الوطن، الهوية» (2025)، من تأليف جيمس الشمعة وأمير الأزرقي، حيث يُستخدم كرمز داخل تحليل المسرح العراقي المعاصر. هنا يتحول الطنطل إلى أداة تعبير فني عن الخوف الجماعي والتهديد غير المرئي في سياق الحرب والاحتلال، بدل أن يكون كائنًا فولكلوريًا بمعناه التقليدي.
أما في الدراسات التي تتناول العلاقة بين الفولكلور العراقي الحديث والميثولوجيا الرافدينية القديمة، مثل الإشارات إلى ملحمة إنوما إليش، فإن الطنطل لا يظهر في النصوص البابلية أو السومرية الأصلية، وإنما يُستخدم اسمه في بعض التحليلات المقارنة بوصفه مثالًا على استمرار أنماط رمزية تتعلق بالخوف والكائنات الغامضة في المخيال الثقافي. غير أن هذا الطرح يبقى تأويليًا رمزيًا، وليس دليلًا على امتداد تاريخي مباشر أو استمرارية نصية موثقة.
وبناءً على ما هو متاح من توثيق، يمكن القول إن الطنطل لا يملك حضورًا نصيًا ثابتًا في المصادر العربية الكلاسيكية أو الفولكلور المدوّن المبكر، وأن دخوله إلى الكتابة يمكن تتبعه بشكل عام إلى منتصف القرن العشرين داخل العراق، دون إمكانية تحديد نقطة بداية دقيقة. أما حضوره في الدراسات الأجنبية، فيبدأ بصورة غير مباشرة عبر جمع الفولكلور العراقي في النصف الأول من القرن العشرين، قبل أن يتحول لاحقًا إلى موضوع للدراسة الثقافية والأدبية بوصفه رمزًا أكثر من كونه كائنًا محددًا.
وهكذا يبقى الطنطل مثالًا على كائن فولكلوري نشأ في المجال الشفهي، ثم انتقل تدريجيًا إلى الكتابة الحديثة، قبل أن يتحول في بعض السياقات الأدبية والثقافية إلى رمز متعدد الدلالات يعبر عن الخوف والمجهول والذاكرة الشعبية، دون أن يمتلك تسلسلًا توثيقيًا مكتوبًا يمكن تتبعه بدقة إلى أصل محدد.
ومن حيث المقارنة العالمية، يمكن وضع الطنطل ضمن شبكة أوسع من “كائنات التخويف” التي تتكرر في ثقافات متعددة حول العالم، حيث تؤدي وظيفة نفسية واجتماعية متشابهة رغم اختلاف الأسماء والبيئات. فهو من ناحية الوظيفة يقترب من “البعبع” أو ما يُعرف في الثقافات الحديثة بـ”بوغي مان”، أي الكائن غير المحدد الشكل الذي يُستخدم لتجسيد الخوف أو ضبط سلوك الأطفال أو تفسير المجهول في الظلام. كما يندرج ضمن فئة أوسع من كائنات التخويف غير المحددة الشكل التي لا تمتلك هيئة ثابتة، لكنها تعمل كرموز للخوف الجمعي في المخيلة الشعبية.
ومن ناحية السياق البيئي، يمكن القول إن الطنطل يقترب جزئيًا من كائنات الأهوار والأرواح المحلية في بعض ثقافات آسيا وأفريقيا، حيث ترتبط هذه الكائنات بالمياه والأماكن المهجورة والطبيعة غير المسيطر عليها، وهو ما يعكس تشابهًا في علاقة الإنسان بالبيئة أكثر من تشابه في الشكل أو الأصل.
أما من ناحية الظهور الليلي والمكان المخيف، فيمكن وضع الطنطل في مقارنة جزئية مع “البيتشا” في الفولكلور الهندي، من حيث الارتباط بالليل والمقابر والأماكن المهجورة وإثارة الخوف، رغم أن البيتشا يُصوَّر غالبًا كروح موتى، بينما يبقى الطنطل أكثر غموضًا وتحوّلًا في وصفه الشعبي.
وفي النهاية، لا يبدو الطنطل نسخة من كائن عالمي واحد، بل جزءًا من نمط إنساني واسع يتكرر في ثقافات مختلفة، حيث تعيد كل بيئة صياغة “كائن المجهول” وفق تجربتها وخيالها الجمعي، ليبقى الظلام دائمًا مساحة خصبة لولادة كائن خرافي مجهول.
انتهى