فاطمة السراجي
إن القراءة المتفحصة لتاريخ العداء السعودي لليمن تكشف عن ترابط عضوي وثيق بين نزعة الإجرام المتأصلة والارتهان الكامل للمشاريع الاستعمارية الغربية منذ وقت مبكر فمجزرة تنومة التي وقعت في عام 1923م لم تكن مجرد حادثة غدر معزولة بل كانت إعلاناً دموياً لتدشين عهد الوصاية والتبعية حيث قدم النظام السعودي دماء ثلاثة آلاف حاج يمني أعزل كقربان لإثبات جدارته أمام المشغل البريطاني الذي كان يرسم حينها خارطة النفوذ في المنطقة لقد كان الغرب الاستعماري بحاجة إلى أداة وظيفية في قلب الجزيرة العربية تضرب الهوية الجامعة وتمزق النسيج الاجتماعي ووجد في الفكر الوهابي الإقصائي والنظام السعودي ضالته المنشودة لتنفيذ هذه الأجندة وهو ما يفسر ذلك الدعم اللامتناهي الذي تلقاه آل سعود من جون فيلبي وغيره من ضباط المخابرات البريطانية الذين صاغوا استراتيجية البقاء السعودي القائمة على إضعاف الجيران وتحديداً اليمن
هذا الارتباط بالغرب يفسر لماذا كان اليمن دائماً في مرمى الاستهداف السعودي فاليمن بعمقه الحضاري وموقعه الاستراتيجي يمثل النقيض الطبيعي لمشروع الكيانات الهشة المرتهنة للخارج ومن هنا نجد أن الحقد السعودي تدرج من الذبح المباشر في تنومة إلى سياسة قضم الأرض الممنهجة وسرقة الجغرافيا اليمنية حيث استغل النظام السعودي حالة الضعف والتمزق التي ساهم هو في صناعتها داخل اليمن ليستولي على مساحات شاسعة من الأراضي اليمنية محاولاً حرمان الشعب اليمني من ثرواته السيادية وعمقه التاريخي إن سرقة الأرض لم تكن مجرد رغبة في التوسع بل كانت تنفيذاً لوصايا استعمارية قديمة تهدف إلى إبقاء اليمن محاصراً بلا مخالب اقتصادية وبلا منافذ حرة ليكون دائماً تحت رحمة اللجنة الخاصة وأموال المدنس التي كانت تشتري الذمم والولاءات
إن هذا المسلسل الإجرامي الذي بدأ في تنومة واستمر عبر عقود من التآمر والاغتيالات السياسية والحروب الحدودية وصولاً إلى العدوان الشامل والحصار الجائر في يومنا هذا يثبت أن الأدوات قد تتطور لكن العقيدة القتالية للنظام السعودي تجاه اليمن تظل محكومة بذات الحقد الدفين وذات الأوامر التي تأتي من واشنطن ولندن وتل أبيب فالمعتدي الذي يقتل الأطفال في الأسواق اليوم هو ذاته الذي ذبح الحجاج بالأمس والمحرك واحد وهو الخوف من انبعاث اليمن كقوة إقليمية مستقلة تكسر أغلال التبعية لقد تحول الحقد السعودي إلى عقيدة عمل يومية تهدف إلى تدمير كل مقومات الحياة غير أن هذا التمادي في الإجرام والارتهان للمشروع الصهيوني الغربي لم يزد الإنسان اليمني إلا صلابة وعزماً على استعادة كامل حقوقه المسلوبة مؤكداً أن زمن الوصاية قد ولى وأن دماء تنومة وكل قطرة دم يمنية سُفكت بغدر سعودي هي اليوم الوقود الذي يحرق عروش الطغاة ويمهد الطريق لنصر يماني مؤزر ينهي مئة عام من الظلم والاستكبار.