عدنان طعمة
ليس دقيقًا القول إن الإسلام الشيعي يرفض التجنيد الإلزامي بوصفه موقفا عقائديا ثابتا، أو استنادا على نصوص روائية من التراث المذهبي المقدس، فالمذهب ليس حزبا سياسيا واحدا، ولا كتلة اجتماعية متجانسة، بل فضاء واسع تتداخل فيه المرجعيات الدينية والتجارب التاريخية والمصالح الاجتماعية والهويات الوطنية. لذلك فإن التحفظ الذي ظهر تجاه التجنيد الإلزامي في العراق، يفهم بدرجة أكبر من خلال التاريخ السياسي لا من خلال العقيدة الأمامية المجردة. فالذاكرة الشيعية العراقية محملة بتجارب (دولة صدام حسين) التي استخدم فيها الجيش أداة قسر للضبط الداخلي، أو زُج فيها الشباب في حروب طويلة كالحرب العراقية الايرانية وحرب الخليج الأولى والثانية، لم يشعر كثيرون أنها تمثلهم أو تحفظ مصالحهم. من هنا نشأ شعور عميق بأن الخدمة الإلزامية قد تتحول من واجب وطني إلى وسيلة تستنزف المجتمع لصالح سلطة لا يثق بها. يضاف إلى ذلك أن المجتمع الشيعي العراقي، بعد 2003، أعاد بناء جزء من أمنه وتمثيله عبر شبكات حزبية ودينية وشبه عسكرية ومؤسسات اجتماعية موازية، فأصبح ينظر إلى الدولة المركزية بحذر، فهذه الأجسام العسكرية تريد الدولة قوية حين تحميه وتوفر له غطاء شرعي تحت عنوان الحشد الشعبي ، ويخاف الدولة حين تحتكر القوة بلا ضمانات. كما أن الهوية المذهبية عند بعض الفئات تقدم رابطة الجماعة المظلومة تاريخيا على فكرة الدولة المحايدة، لا لأن المذهب ضد الوطن، بل لأن الدولة نفسها لم تثبت دائما حيادها. أما مسألة القومية العربية، فهي عامل ثانوي ومتذبذب، إذ لا يرفض كثير من الشيعة العروبة من حيث المبدأ، لكنهم يتحسسون من نسخها الإقصائية حين تقدم كهوية تذيب خصوصياتهم أو تستعيد سرديات التهميش السابقة. لذلك فالموقف من التجنيد الإلزامي ليس رفضا للجيش ولا للوطن، بل سؤال ثقة، وسؤال شك وريبة من يملك هذا الجيش مستقبلا، وهل يستعيد الضباط المغامرون سيناريوهات الانقلابات العسكرية الدموية؟ ولصالح من سيعمل مستقبلا ؟ وهل سيكون مؤسسة لجميع المواطنين أم أداة بيد من يحتكر قوته ؟ متى ما وجدت دولة عادلة، وقانون متساو، ومؤسسة عسكرية محترفة بعيدة عن الثأر والطائفية، سيتراجع كثير من هذا التحفظ، لأن المشكلة في الذاكرة السياسية أكثر مما هي في الفقه الديني.