قراءة نفسية واجتماعية وفلسفية في مقولة: «البعيد عن العين بعيد عن القلب»
رياض سعد
مقدمة: وهم الخلود في ذاكرة الآخرين
ثمة اعتقاد رومانسي عميق يراود النفس البشرية، فحواه أن الروابط الإنسانية الأصيلة عصية على الاندثار، وأن القلب الذي أحبّ بصدق لا يمكن أن ينسى، وأن المكانة التي بُنيت عبر السنين لا تهدمها المسافات. هذا الاعتقاد — الذي يبدو في ظاهره نبيلاً — يخفي وراءه هشاشة وجودية مركبة، ومغالطة نفسية عميقة عن طبيعة الذاكرة البشرية، وطبيعة المشاعر، وطبيعة الوجود الاجتماعي نفسه.
نحن نميل إلى تصور أنفسنا استثناءات في حياة الآخرين… ؛ نعتقد — بتواضع زائف أو غرور خفي — أن غيابنا سيحدث فراغاً لا يُملأ، وأن ذكرانا ستبقى شعلة لا تنطفئ في أروقة القلوب التي عرفناها.
بيد أن الحقيقة المرة، التي تعريها التجربة الإنسانية وتؤكدها البيولوجيا العصبية، هي أن “البعيد عن العين بعيد عن القلب” ليست مجرد مقولة شعبية عابرة، بل قانون نفسي واجتماعي يكاد يكون كونياً في اشتغاله، وإن تفاوتت درجاته وتمظهراته.
*فيزيولوجيا الحضور — لماذا تستهلك العين ثلثي طاقتنا العصبية؟
لندخل أولاً من بوابة العلم لنفهم عمق الظاهرة… , فالعين البشرية ليست مجرد نافذة سلبية على العالم، بل هي أكثر أعضاء الجسد تواصلاً مع الدماغ وأكثرها استهلاكاً للطاقة العصبية… ؛ اذ تشير الدراسات العصبية إلى أن الجهاز البصري يستهلك قرابة ثلثي الطاقة العصبية للإنسان، وأن %70 من المستقبلات الحسية في الجسد البشري موجودة في العينين. هذا ليس تفصيلاً تشريحياً هامشياً، بل هو مفتاح لفهم عميق لطبيعة التواصل الإنساني.
فالإنسان كائن بصري بامتياز… ؛ لغته الأولى، قبل الكلمات وقبل اللمس، هي لغة النظرات… ؛ فالنظرة الواحدة قادرة على اختزال آلاف الكلمات، وقادرة على خلق عوالم من المشاعر لم تكن موجودة قبلها.
أليس العشق نفسه — كما تشير الحكمة الشعبية — قد يبدأ من “نظرة واحدة يتيمة”؟
هذه النظرة ليست مجرد انعكاس ضوئي على الشبكية، بل هي حدث عصبي معقد يطلق سيلاً من الناقلات العصبية: الدوبامين يخلق النشوة، الأوكسيتوسين يبني التعلق، السيروتونين يعيد تشكيل المزاج… ؛ كيمياء الدماغ كلها تعيد ترتيب نفسها حول صورة بصرية.
والإنسان يتفاعل مع ما يراه أكثر بكثير مما يتفاعل مع ما يسمعه أو يتخيله.
وإذا كان هذا هو الحال مع العشق، فما بالك ببقية العلاقات؟
الصداقة، الزمالة، الانتماء الجماعي، الاحترام المهني، التقدير الاجتماعي — كلها تبدأ من الحضور البصري المتبادل، وتستمر بتغذية بصرية متجددة… ؛ فالوجه الإنساني ليس مجرد هوية، بل هو نص يُقرأ باستمرار، ومرآة تعكس المشاعر وتستقبلها في آن.
لهذا كان الربط الشعبي بين الرؤية والانفعال عميقاً في دقته: “عين اللي ما تشوف قلب اللي ما يحترك أو : لا عين التشوف ولا كلب اليحترك … “… ؛ فالألم الذي لا تراه العين لا يحرك القلب، والفرح الذي لا تشهده لا يُشارك، والمعاناة التي لا تُرى لا تستنفر التعاطف… ؛ فالعين هي قناة التواصل العاطفي الأولى، وما لا يمر عبرها يظل وجوده وجوداً معرفياً مجرداً، لا وجوداً عاطفياً حياً.
*الذاكرة ككائن حي — لماذا لا نبقى محفورين كالحجر؟
وهنا نصل إلى المغالطة المركزية التي يعيشها “البسطاء بل وحتى الأذكياء أحياناً”: اذ يخطئ كثير من الناس حين يظنون أن حضورهم في قلوب الآخرين ثابتٌ لا يتبدل، وأن الغياب لا يستطيع أن يمحو أثرهم أو يخفف مكانتهم.
بعضهم يتعامل مع العلاقات الإنسانية وكأنها نقوش محفورة على صخرٍ أصمّ، لا تعبث بها الأيام ولا تغيّرها الظروف، فيعتقد أن الابتعاد عن الأنظار لا يبدل الودّ، ولا يطفئ الشوق، ولا يغيّر مواقع الناس في النفوس.
نعم , يعتقد البعض أن الإنسان كالحجر، إذا نُقش عليه نقشٌ بقي ثابتاً لا يتغير… ؛ و هذه الاستعارة خادعة لأنها تتعامل مع الذاكرة البشرية كما لو كانت أرشيفاً ميتاً، مخزناً ثابتاً للصور والانطباعات العاطفية والمشاعر الانسانية … ؛ والحقيقة أن الذاكرة الإنسانية أقرب إلى كائن حي يتنفس ويتغير، منها إلى متحف يحتفظ بالآثار.
نعم , الحقيقة الإنسانية أكثر قسوة وتعقيدًا من ذلك.
فالإنسان ليس حجرًا جامدًا، بل كائن متحوّل، متغير بمرور الايام واختلاف الاحوال وتقلب الظروف , تتبدل مشاعره مع الزمن، وتتغير أولوياته تحت ضغط الحياة، وتعيد الظروف تشكيل روحه ومواقفه كل يوم... ؛ فقد ترى الطيب صار خبيثًا، والضعيف قويًا، والعطوف قاسيًا، والمخلص خائنًا… ؛ ليس هذا تناقضًا محضًا، بل هو طبيعة التكيف مع الواقع… ؛ والذاكرة العاطفية، خلافًا للذاكرة المعرفية، لا تحتفظ بالصورة الجامدة؛ بل تعيد تشكيلها باستمرار وفقًا للحاضر... ؛ لا لأن جوهره اختفى تمامًا، بل لأن الزمن يعيد صياغة البشر باستمرار.
الذاكرة ليست فعلاً واحداً يتم مرة واحدة، بل هي عملية مستمرة من إعادة البناء والتشكيل… ؛ ففي كل مرة نتذكر فيها شخصاً، لا نستدعي صورته الأصلية، بل نستدعي آخر نسخة معدلة منها، معدلة بمرور الزمن، وبتراكم التجارب، وبالمشاعر الحالية، وبالاحتياجات الراهنة… ؛ الذاكرة لا تحفظ النسخة الاصلية فحسب ، الذاكرة تعيد الخلق في كل مرة.
وعندما يغيب الشخص عن العين، تتوقف عملية التفاعل البصري والعاطفي… ؛ الصورة التي نحتفظ بها عنه تصبح صورة متجمدة ضبابية هلامية سيالة، تفقد تدريجياً صلتها بالواقع الحي .
وحده الحضور المتجدد — الرؤية، الصوت، التفاعل المباشر — هو ما يبقي الصورة حية نامية… ؛ أما في الغياب، فالصورة تذبل، تتآكل تفاصيلها، تختلط بصور أخرى، تفقد حدتها العاطفية، حتى تصبح ذكرى باهتة، ثم ذكرى منسية، ثم لا شيء.
فالغياب لا يقتل المشاعر دفعةً واحدة، بل يستهلكها ببطء، كما يستهلك الصدأ الحديد.
نعم , الإنسان قد يبكي لفقدٍ يراه أمامه، لكنه مع الزمن يعتاد الغياب، ثم يعتاد الفراغ، ثم يتحول الغائب إلى ذكرى بعيدة لا توقظ الانفعال القديم إلا نادرًا.
هذه ليست خيانة ولا قسوة متعمدة… ؛ إنها طبيعة النفس البشرية التي خلقت لتعيش في الحاضر، لا في متحف الذكريات… ؛ فالقلب البشري لا يستطيع أن يظل معلقاً إلى الأبد بصورة لا تتجدد… ؛ هو يحتاج إلى الحياة، والحياة تأتي من الحضور، من التفاعل الحي، من اللقاء المتجدد.
*سوسيولوجيا الملء — الطبيعة لا تعرف الفراغ
من زاوية علم الاجتماع، ثمة قانون صارم يحكم العلاقات الإنسانية: الطبيعة الاجتماعية لا تعرف الفراغ… ؛ البعض يعتقد أنه إذا توارى عن الأنظار، وابتعد عن دائرته أو جماعته الدينية، أو حلقته السياسية، أو كتلته الحزبية، أو شلته الرياضية أو الإعلامية … الخ ، فإنهم سيقلبون الدنيا من أجله، ولن يناموا الليل لفراقه… ؛ نعم، قد يفعلون ذلك في المرة الأولى، وقد يفعلون في الثانية، لكن إن استمر الغياب وتكرر، فسيصبح مع مرور الأيام في عداد الموتى.
نعم , حين تذهب من حياة شخص ما — سواء كان أخاك، حبيبك، صديقك، قريبك، شريكك، زميلك، مسؤولك، أو زعيمك — فإن الآخرين يسارعون إلى إملاء الساحة وأخذ مكانك، بل ومكانتك… ؛ ليس هذا خيانة دائمًا، بل هو قانون الفراغ: الطبيعة لا تحتمل الخواء، والقلوب والعقول والمصالح تُملأ بمن هو حاضر… ؛ فالنسق الاجتماعي يتحرك فوراً لملء الفراغ… ؛و هذا ليس خبثاً ولا مؤامرة، بل هو استتباب ذاتي اجتماعي، يشبه تماماً الاستتباب البيولوجي في الجسد الحي.
فالجماعة تحتاج إلى أدوار تُملأ، وإلى وظائف تُؤدى، وإلى مواقع تُشغل… ؛ وعندما يغيب شاغل موقع ما، يتحرك الآخرون لملئه، ليس بالضرورة لأنهم لا يقدّرون الغائب، بل لأن الحياة الاجتماعية لا تتوقف… ؛ فالاجتماع مستمر، القرارات تُتخذ، التوزيعات تُعاد، الأدوار تُفرز من جديد… ؛ وبمرور الوقت، يجد الغائب أن مكانه لم يعد شاغراً في انتظاره، بل أصبح مشغولاً بآخرين، ليس بالضرورة بنفس الكفاءة، ولكن بالحضور الذي هو شرط الفاعلية الأول.
*الغائبون: أموات الأحياء
هذا هو المعنى العميق لعبارة “الغائبون والبعيدون هم أموات الأحياء” التي جادت بها قريحتي في احدى المناسبات … ؛ إنها استعارة قاسية لكنها دقيقة… ؛ فالميت حاضر في الذاكرة أحياناً، لكنه غائب عن الفعل والتأثير… ؛ وكذلك الغائب: قد يكون حاضراً في الذاكرة لفترة، لكنه غائب عن الفعل، غائب عن التأثير، غائب عن الحقوق والواجبات… ؛ والمجتمع يتعامل معه — بعد فترة من الغياب — بنفس الآلية تقريباً: يُذكر أحياناً في المناسبات، لكنه لا يُحسب في المعادلات الجارية.
نعم , الغائبون والبعيدون هم أموات الأحياء، ولكن لا أحد يقبل الاعتراف بذلك… ؛ فكما أننا لا نتواصل مع الموتى إلا نادرًا، كذلك نتعامل مع الغائبين… ؛ ساذج من يعتقد أن الآخرين سيرسلون له حقه وهو غائب، وأبله من يظن أن الآخرين يحتفظون بنفس المشاعر الودية تجاهه رغم طول الغياب واستمراره.
*الحرمان مقرون بالغياب
وهنا مربط الفرس ومحل الشاهد : “واعلم أن الحرمان مقرون بالغياب… ؛ فكل غائب عن الأنظار محروم وليس له أي حصة في أية كعكة” ؛ سواء كانت كعكة السلطة، أو المال، أو الوجاهة، أو حتى المودة اليومية … ؛ فالدنيا تأخذ بالحضور، والصّراع، والمغالبة. ولا نصيب للغائب، ولا لمن يبتعد عن الأضواء .
الحياة الاجتماعية — في السياسة والاقتصاد والعمل والعلاقات — تُدار بالحضور… ؛ فالحضور هو الذي يعطي الحصة , الحضور هو الذي يضمن الحق , الحضور هو الذي يصنع المكانة ويحافظ عليها… ؛ أما الغائب، مهما كانت مكانته السابقة، فسرعان ما يجد نفسه خارج المعادلات، ليس لأن أحداً طرده، بل لأنه ببساطة لم يعد موجوداً فيها.
نعم , مع مرور الوقت يبدأ الغائب بالتلاشي التدريجي من الوعي الجمعي، حتى يصبح — نفسيًا واجتماعيًا — شبيهًا بالموتى.
فكما أننا لا نتواصل مع الموتى إلا عبر الذكرى العابرة أو الحنين المؤقت، كذلك يحدث مع الغائبين طويلًا.
إنهم يتحولون إلى أطياف بعيدة، لا إلى قوة فاعلة في الواقع.
وهذه من أقسى حقائق الوجود الإنساني:
أن الحياة لا تحتفظ طويلًا بالأماكن الفارغة.
فحين يرحل شخص من حياة الآخرين، يسارع الواقع إلى ملء الفراغ.
الصديق يُستبدل بصديق، والزميل بزميل، والسياسي بغيره، وحتى الحبيب قد يحتل مكانه شخص آخر مع الوقت.
فالإنسان لا يعيش في الفراغ، والحياة بطبيعتها ترفض المساحات المعطلة.
ولهذا فإن الغياب الطويل لا يعني فقط فقدان الحضور العاطفي، بل فقدان الموقع والدور والحصة أيضًا.
فكل من يبتعد عن المشهد يفقد تدريجيًا نصيبه من التأثير والمشاركة والاهتمام.
والدنيا — في جانب كبير منها — تُنتزع بالحضور، لا بالتمني؛ وبالاشتباك مع الواقع، لا بالانسحاب منه.
ولهذا يبدو ساذجًا من يعتقد أن الآخرين سيحفظون له مكانه إلى الأبد، أو سيدافعون عن حقوقه وهو غائب، أو سيبقون أوفياء للمشاعر نفسها رغم طول الانقطاع.
فالناس، مهما كانت محبتهم، أسرى ما يعيشونه يوميًا، لا أسرى ما مضى وانتهى.
*فلسفة الحضور — جدلية الوجود والعين
على المستوى الفلسفي الوجودي، تقودنا هذه الظاهرة إلى تأمل عميق في طبيعة الوجود نفسه… ؛ فثمة سؤال جوهري: هل أنا موجود إذا لم تكن هناك عين تراني؟
هل وجودي مرهون بوعي الآخرين بي؟
والشيء بالشيء يُذكر…
في إحدى المناسبات الاجتماعية، التقى شيخُ عشيرةٍ بأحد أبناء عشيرته؛ رجلٍ كان يعيش على هامش الناس، لا يكاد يتواصل مع أحد، لا مع أبناء عشيرته ولا حتى مع شيخها.
كان غائبًا على الدوام، كأنما اختار الانسحاب من العالم بهدوءٍ بارد، فلم يكن يأنس بشيءٍ كما يأنس بوحدته، ولا يجد في البشر ما يستحق العودة إليهم.
وحين رآه الشيخ صدفةً في مجلس عزاء والدته، اقترب منه مواسيًا، وقال له بلهجةٍ يغلب عليها الأسى:
«عظّم الله أجرك بوفاة والدتك».
فنظر الرجل إليه بعينين مُنهكتين من الداخل، ثم استطرد الشيخ وقال بصوتٍ خافت يشبه اعتراضا اجتماعيا أكثر من كونه اعترافًا وجوديًا :
«أنت ايضا ميت فلا أحد يراك …!! ».
لم تكن عبارته مجازًا بلاغيًا بقدر ما كانت توصيفًا دقيقًا لحالة الإنسان حين يفقد صلته بالعالم.
فثمة موتٌ لا تُعلنُهُ المقابر، ولا تُوثّقهُ شهادات الوفاة؛ موتٌ يبدأ حين يتوقف الإنسان عن الشعور بالانتماء، حين يصبح الحضور الاجتماعي عبئًا، والكلام مجهودًا، والناس ضجيجًا ثقيلاً على الروح.
بعض البشر لا يموتون دفعةً واحدة، بل يتآكلون بصمت، تدريجيًا، تحت وطأة الخيبات، والخذلان، وفقدان المعنى، حتى يغدو الجسد مجرد شاهدٍ متأخر على وفاةٍ حدثت في الداخل منذ سنوات.
الوجودية الحديثة، منذ سارتر، تعاملت مع “نظرة الآخر” باعتبارها لحظة تأسيسية في تكوين الذات… ؛ نحن لا نوجد أولاً ثم نُرى، بل إن رؤية الآخرين لنا هي جزء من عملية وجودنا.
“الجحيم هو الآخرون” كتب سارتر، ليس لأن الآخرين يعذبوننا، بل لأن نظرتهم تحاصرنا وتعرفنا وتصنعنا… ؛ ولكن هذه النظرة نفسها — رغم ثقلها — هي التي تمنحنا الوجود الاجتماعي… ؛ بدونها، ننزلق إلى نوع من العدم الاجتماعي.
الغائب يختبر هذا العدم… ؛ هو موجود بيولوجياً بالطبع، لكنه غير موجود اجتماعياً… ؛ لا أحد يراه، لا أحد يخاطبه، لا أحد يحسب حسابه… ؛ هو موجود كفكرة، كذكرى، كأثر متلاشٍ… ؛ لكنه غير موجود كفاعل، كمؤثر، كصاحب حق وواجب… ؛ وهذا النوع من الوجود الناقص هو أقرب إلى العدم منه إلى الوجود.
لهذا كانت “السذاجة” — لدى البعض — في الاعتقاد أن الآخرين سيرسلون الحق للغائب، أو أنهم سيحتفظون بنفس المشاعر الودية رغم طول الغياب… ؛ هذه السذاجة ليست أخلاقية فحسب، بل وجودية: إنها تنبع من تصور خاطئ لطبيعة الوجود نفسه… ؛ فالوجود الاجتماعي ليس جوهراً ثابتاً، بل هو حدث مستمر، يحدث الآن وهنا، في فضاء اللقاء والحضور… ؛ فإذا توقف اللقاء، توقف الوجود.
*الخلاصة الفلسفية
الوجود الإنساني حضور مادي قبل أن يكون معنويًا. وما نسميه “المكانة في القلوب” هي في الحقيقة أثر مستمر للحضور المتجدد. غيابك الطويل لا يمحو ذكرك تمامًا، لكنه يحوّلك إلى أسطورة أو ذكرى رمادية باهتة، لا إلى واقع حيّ يؤثر في القرارات والمشاعر. من يظن أنه استثناء من هذه القاعدة، فهو لم يفهم بعد طبيعة الإنسان: أننا كائنات ترى ثم تشعر، لا كائنات نتذكر ثم نحب.
*الغياب الاستراتيجي — بين الحكمة والوهم
لكن، هل هذا يعني أن الغياب دائماً خسارة؟ هل يعني أن الحضور الدائم هو الاستراتيجية الوحيدة الممكنة؟
هنا يجب أن نميز بين نوعين من الغياب: غياب الانسحاب، وغياب الاستراتيجية… ؛ فالأول هو -الذي نتحدث عنه – الغياب الذي يعتقد صاحبه أن مكانته محفوظة مهما طال غيابه، وأن العلاقات الإنسانية ودائع ثابتة لا تمس… ؛ هذا هو الغياب القائم على الوهم.
أما الثاني، فهو غياب مؤقت ومدروس، يُستخدم كأداة تفاوض، أو كاستراحة تكتيكية، أو كاختبار لمدى الحاجة إليه… ؛ و هذا الغياب لا ينقطع فيه التواصل تماماً، ولا يُترك فيه الفراغ دون إدارة، ولا يبنى على وهم الخلود في الذاكرة.
حتى في العلاقات الشخصية، ثمة فرق بين الغياب الذي يقتل العلاقة، والمسافة التي تحييها… ؛ فالمسافة المعقولة، المقرونة بتواصل منتظم، والمفهومة في سياقها، قد تكون صحية… ؛ لكن الغياب الممتد، المنقطع، الذي يترك الطرف الآخر في فراغ تام، هو انتحار اجتماعي بطيء.
وليتَ أثرَ الاختفاء والانسحاب من العلاقات الاجتماعية والعاطفية يتوقف عند حدود النسيان فقط، فالأمرُ أعمقُ وأقسى من ذلك بكثير.
فالإنسان حين يختفي فجأة من حياة الآخرين، لا يترك فراغًا عابرًا، بل يخلّف وراءه ارتباكًا نفسيًا، وجرحًا خفيًا، وأسئلةً معلّقة لا تجد جوابًا.
كم من علاقةٍ بدأت بصداقةٍ حميمة، ثم انتهت بعد الغياب إلى برودٍ مؤلم، ثم إلى نفورٍ صامت، وربما إلى عداوةٍ دفينة.
وكم من مشاعر حبٍّ وودٍّ وألفةٍ تحوّلت مع الزمن إلى مرارةٍ وكراهية، لا لأن القلوب تغيّرت فجأة، بل لأن الغياب المفاجئ و الطويل يقتل المعاني التي كان التواصل اليومي يُبقيها حيّة.
فالعلاقات الإنسانية لا تعيش على الذكريات وحدها، بل على الحضور؛ على التفاصيل الصغيرة، والزيارات المتكررة، والرسائل العابرة، والاطمئنان اليومي، والشعور بأن هناك من يتذكرك وسط هذا العالم المزدحم باللامبالاة والانانية والنرجسية .
وحين تنقطع علاقةٌ كانت قائمة على التواصل المستمر، ثم يختفي أحد الطرفين بلا تفسير، يبدأ الطرف الآخر أولًا بحالةٍ من الاستغراب والقلق:
ماذا حدث؟
هل تغيّر؟
هل أخطأتُ في حقه؟
ثم تتحول الحيرة تدريجيًا إلى صدمةٍ نفسية خفيّة، لأن الإنسان يشعر بأنه خُذل من شخصٍ كان يظنه جزءًا ثابتًا من حياته.
ومع مرور الوقت، تتحول الخيبة إلى نوعٍ من القسوة الداخلية، فالنفس البشرية — حين تعجز عن فهم الغياب — تبدأ بصناعة تفسيراتٍ مؤذية كي تحمي كرامتها من الانكسار.
وهكذا قد يتحول الحب إلى جفاء، والاشتياق إلى غضب، والودّ إلى كراهية باردة.
لا لأن المشاعر الأولى كانت زائفة، بل لأن الغياب المفاجئ يشبه الموت الرمزي؛ يترك الإنسان في مواجهة فراغٍ لا يستطيع تفسيره.
فالإنسان لا يغفر دائمًا لمن رحل، بل يغفر أحيانًا لمن مات فقط، لأن الموت قدر، أما الاختفاء الصامت فيبدو للكثيرين وكأنه تخلٍّ متعمّد.
ولهذا فإن لكل غيابٍ حسابًا نفسيًا لا يُرى، وثمنًا عاطفيًا يُدفع في أعماق الأرواح بصمت.
فبعض الناس لا يدركون أن انسحابهم من حياة الآخرين لا يطفئ حضورهم، بل يحوّلهم مع الوقت إلى ندبةٍ داخل الذاكرة.
الحكمة إذن ليست في رفض الغياب مطلقاً، ولا في الاستسلام لقانونه، بل في فهمه والتعامل معه بوعي… ؛ أن نعرف أننا عندما نغيب، فنحن نغامر, أن نعرف أن الغياب له ثمن، فإذا كنا مستعدين لدفعه، فلنمضِ… ؛ أما إذا كنا نتوهم أن لا ثمن، أو أن الثمن سيدفعه الآخرون وحدهم، فنحن في وهم سنصحو منه على خسارة فادحة.
*خاتمة: جدلية البصر والبصيرة
حتى البصيرة أحياناً ترتبط بالبصر… ؛ فالبصيرة — أي الفهم العميق، والإدراك الحدسي، والحكمة — ليست مستقلة تماماً عن البصر… ؛ فرؤية الأشياء بالعين جزء من رؤيتها بالقلب والعقل… ؛ و الغائب عن العين قد يغيب تدريجياً عن البصيرة، ليس لأن البصيرة لا تعمل في الغياب، بل لأن البصيرة تحتاج إلى مادة خام تعمل عليها، وهذه المادة تأتي من التجربة الحية، ومن اللقاء، ومن الرؤية.
في النهاية، نحن كائنات وجودنا متشابك مع وجود الآخرين… ؛ لا نوجد في فراغ، ولا يمكن أن نظل موجودين اجتماعياً في غياب… ؛ هذا ليس ضعفاً، وليس خيانة من الآخرين، بل هو شرط الوجود الإنساني نفسه… ؛ و معرفة هذا الشرط ليست دعوة إلى التشاؤم، بل دعوة إلى الواقعية، وإلى الوعي، وإلى التصرف بناء على فهم عميق لطبيعة النفس والمجتمع والوجود.
فإذا أردت أن تبقى في القلب، فابقَ في العين… ؛ وإذا كان لا بد من الغياب، فليكن غياباً واعياً، محسوباً، يُدار ولا يترك للصدفة… ؛ أما الغياب المبني على وهم الخلود في ذاكرة الآخرين، فهو طريق مختصر إلى العدم الاجتماعي، وإلى ذلك النوع من الموت الذي لا يعترف به أحد، لكنه مع ذلك موت.
“بعيد عن العين.. بعيد عن القلب” — ليست مجرد مقولة شعبية، بل هي فلسفة وجود كاملة، وخلاصة تجربة إنسانية ممتدة، ودعوة مبطنة إلى الحضور، إلى الحياة، إلى أن نكون حيث يجب أن نكون: في العين، لنبقى في القلب.