جديد

نشأة الأمة العراقية: من الجغرافيا الرافدينية إلى الوعي الوطني الجامع

سلسلة الأمة العراقية: إشكاليات التكوين ومقاربات التأصيل (7)

رياض سعد

تمهيد

لا تنشأ الأمم بمرسوم سياسي، ولا تولد من رحم خطاب أيديولوجي عابر، ولا تتشكل بمجرد إعلان دستوري أو قرار حكومي. فالأمم الكبرى هي نتاج تراكمات تاريخية طويلة تمتد أحيانًا لآلاف السنين، تتفاعل خلالها الجغرافيا مع الإنسان، والتاريخ مع الذاكرة، والأحداث مع الوعي الجمعي، حتى تتبلور شخصية حضارية خاصة تميز جماعة بشرية عن غيرها من الجماعات.

ومن هذا المنطلق فإن الأمة العراقية ليست اختراعًا سياسيًا حديثًا، وليست مجرد تسمية قانونية ارتبطت بقيام الدولة العراقية المعاصرة سنة 1921، بل هي حصيلة مسار تاريخي طويل بدأ منذ أن استقر الإنسان على ضفاف دجلة والفرات، وشرع بتحويل الطبيعة إلى حضارة، والأرض إلى وطن، والعيش المشترك إلى هوية متراكمة.

لقد تشكلت الأمة العراقية عبر آلاف السنين من التفاعل المستمر بين الإنسان الرافديني وأرض الرافدين التاريخية ، وبين الذاكرة التاريخية والتجربة الحضارية، حتى نشأت شخصية عراقية متميزة لها خصائصها النفسية والاجتماعية والثقافية، تختلف عن الشخصية الإيرانية والتركية والعربية المجاورة، رغم ما بينها جميعًا من تفاعلات وتأثيرات متبادلة عبر التاريخ.

أولًا: الجغرافيا بوصفها الرحم الأول للأمة العراقية

تبدأ قصة الأمم من الجغرافيا قبل أن تبدأ من السياسة… ؛ فالأرض ليست مجرد مساحة جغرافية محايدة، بل هي عامل فاعل في صناعة الإنسان وصياغة أنماط تفكيره وسلوكه واقتصاده وثقافته.

ويمثل العراق أحد أكثر الأمثلة وضوحًا على هذا الترابط بين الجغرافيا والهوية… ؛ فحوض دجلة والفرات لم يكن مجرد موطن للسكان، بل كان البيئة التي أنتجت أولى الثورات الحضارية في تاريخ البشرية.

لقد فرضت الأنهار الكبرى على سكان العراق نمطًا خاصًا من الحياة يختلف عن أنماط الحياة في الصحارى العربية أو الهضبة الإيرانية أو جبال الأناضول التركية… ؛ فالزراعة المروية، وإدارة المياه، وبناء السدود والقنوات، وتنظيم العمل الجماعي، كلها فرضت ظهور أنماط معقدة من الإدارة والتخطيط والتعاون الاجتماعي.

ومن هنا نشأ مبكرًا ذلك الميل العراقي نحو التنظيم والإدارة والدولة والمدينة، بخلاف المجتمعات الرعوية أو الجبلية التي تطورت في بيئات مختلفة.

لقد صنعت الجغرافيا العراقية مجتمعًا زراعيًا مدينيًا مستقرًا قبل آلاف السنين من ظهور كثير من المراكز الحضارية الأخرى، وهو ما جعل العلاقة بين العراقي والأرض علاقة عضوية عميقة تتجاوز مجرد السكن إلى الإحساس بالانتماء التاريخي.

ومع مرور الزمن لم تعد دجلة والفرات مجرد أنهار، بل تحولت إلى جزء من الوعي الجمعي والذاكرة الوطنية، وأصبحت بلاد الرافدين إطارًا نفسيًا وثقافيًا استقرت داخله هوية متميزة عبر العصور.

ثانيًا: المدن الأولى وبداية الوعي الحضاري

عندما ظهرت مدن أور وأوروك ولجش ونيبور وغيرها، لم تكن مجرد تجمعات سكانية، بل كانت بداية ولادة نمط جديد من الوجود الإنساني.

ففي هذه المدن ظهرت الكتابة والقانون والإدارة والبيروقراطية والضرائب والجيوش المنظمة والأسواق الكبرى، وبدأ الإنسان ينتقل من الوجود الطبيعي إلى الوجود الحضاري.

وهنا تكمن إحدى الخصائص الأساسية للهوية العراقية؛ فالعراقي لم يتشكل تاريخيًا في فضاء القبيلة وحدها، بل تشكل أيضًا في فضاء المدينة والدولة والمؤسسة.

ومن هذه البيئة خرجت أولى المدونات القانونية، وأشهرها شريعة حمورابي، وظهرت أولى محاولات تنظيم المجتمع على أسس قانونية وإدارية معقدة.

لقد أصبح العراق، منذ تلك المرحلة المبكرة، مختبرًا دائمًا لإنتاج الحضارة، وهو ما ترك أثره العميق في الذاكرة التاريخية للسكان الذين تعاقبوا على هذه الأرض.

ثالثًا: التراكم الحضاري وصناعة الشخصية العراقية

من أهم ما يميز العراق تاريخيًا أنه لم يعرف انقطاعًا حضاريًا كاملًا، بل عرف سلسلة طويلة من التحولات والتراكمات المتصلة.

فمن السومريين إلى الأكديين، ومن البابليين إلى الآشوريين، ثم الفرس واليونان والفرثيين والساسانيين، وصولًا إلى الحضارة العربية الإسلامية، ظل العراق مركزًا لإنتاج التاريخ لا مجرد ساحة تتلقى تأثيرات الآخرين.

وهنا تتجلى حقيقة أساسية في فهم الأمة العراقية؛ فالأمم لا تتكون من الثبات الجامد، بل من التراكم المستمر داخل التغيير.

لقد تغيرت اللغات، وتبدلت الأديان، وتعاقبت الدول والإمبراطوريات، لكن الجغرافيا بقيت ثابتة، واستمرت الذاكرة الحضارية بالتراكم، واستمرت بلاد الرافدين بوصفها مركزًا حضاريًا له شخصيته الخاصة.

ولهذا فإن الشخصية العراقية ليست نتاج عنصر عرقي واحد أو قومية واحدة أو دين واحد، بل هي نتاج تفاعل طويل بين مكونات متعددة صهرتها الجغرافيا والتاريخ في بوتقة واحدة.

رابعًا: الخصوصية العراقية في مواجهة البيئات المجاورة

إن الحديث عن الأمة العراقية لا يعني نفي وجود أمم أخرى أو الانتقاص منها، بل يعني الاعتراف بأن لكل أمة مسارها التاريخي الخاص.

فالإيراني تشكل وعيه التاريخي في إطار الهضبة الإيرانية وتراثها الإمبراطوري الخاص، والتركي تشكل في فضاء الأناضول وآسيا الوسطى، والعربي تشكل في بيئات الجزيرة العربية .

أما العراقي فقد تشكل داخل فضاء مختلف تمامًا هو فضاء الرافدين.

لقد عاش العراقي تاريخًا مختلفًا، وواجه تحديات مختلفة، وشارك في بناء حضارات مختلفة، وتراكمت في ذاكرته الجماعية أحداث وتجارب لا تشبه تمامًا تجارب جيرانه.

ومن هنا فإن خصوصية الأمة العراقية لا تقوم على التفوق أو النقاء العرقي، وإنما على خصوصية التجربة التاريخية المشتركة التي عاشها أبناء هذه الأرض عبر آلاف السنين.

خامسًا: العراق في العصر الإسلامي وإعادة تشكيل الهوية

مع الفتح الإسلامي دخل العراق مرحلة جديدة من تاريخه دون أن يفقد شخصيته الحضارية المتراكمة.

فقد أصبحت الكوفة والبصرة ثم بغداد مراكز كبرى للعلم والفكر والسياسة والثقافة.

وعندما تأسست بغداد تحولت إلى عاصمة للعالم الإسلامي ومركز للإنتاج الفكري والعلمي والاقتصادي.

وفي هذه المرحلة تعززت اللغة العربية بوصفها لغة الثقافة والإدارة، لكنها لم تلغِ التنوع الحضاري والثقافي الذي ميز العراق عبر تاريخه.

كما تفاعل العرب والفرس والترك والكرد وغيرهم داخل الفضاء العراقي، وأسهموا جميعًا في إنتاج حضارة مشتركة جعلت العراق أحد أهم المراكز الحضارية في العالم الوسيط.

ومن هنا ترسخت فكرة أن العراق ليس ملكًا لمكون واحد، بل فضاء حضاري مشترك ساهمت في بنائه أجيال متعاقبة من مختلف الخلفيات.

غير أن هذا لا يعني القفز على الحقائق الديموغرافية أو تجاهل الأوزان السكانية للمكونات المختلفة داخل أي بلد… ؛ فغالبًا ما تتشكل الهوية القومية العامة للدولة من المكوّن الذي يشكل الأغلبية السكانية تاريخيًا، مع بقاء حقوق المكونات الأخرى محفوظة ومعترفًا بها.

فعلى سبيل المثال، شكّل الفرس تاريخيًا الأغلبية السكانية في إيران، ولذلك ارتبط اسم البلاد طويلًا ببلاد فارس في كثير من المصادر التاريخية. كما يشكل الألمان (الجرمان) الأغلبية السكانية في ألمانيا، ويشكل العرب الأغلبية السكانية في دول عربية عديدة مثل نجد واليمن وغيرهما.

إلا أن الاعتراف بالأغلبية السكانية ودورها التاريخي في تشكيل الهوية العامة للدولة لا يعني مطلقًا إنكار وجود الأقليات أو الانتقاص من حقوقها أو إلغاء مساهماتها في بناء الوطن. فالدول الحديثة تقوم على مبدأ المواطنة والمساواة القانونية، بينما تبقى الحقائق التاريخية والديموغرافية جزءًا من فهم نشأة الأمم وتطورها عبر الزمن.

وعليه، فإن الإقرار بالدور التاريخي للأغلبية السكانية في تكوين هوية الأمة لا يتعارض مع احترام التنوع القومي والديني والثقافي، ولا مع ضمان الحقوق الكاملة لجميع المواطنين بصرف النظر عن أصولهم وانتماءاتهم الفرعية.

سادسًا: الدولة الحديثة وبداية الوعي الوطني المعاصر

مع قيام الدولة العراقية الحديثة في القرن العشرين دخلت الأمة العراقية مرحلة جديدة من تطورها.

فقد انتقل الانتماء من المجال الحضاري التاريخي الواسع إلى المجال السياسي الحديث القائم على الدولة والمواطنة والمؤسسات.

و أصبح هناك إطار سياسي موحد يجمع مختلف مناطق العراق وسكانه ضمن دولة واحدة ذات مؤسسات مركزية وجيش وتعليم وإدارة حديثة.

وقد لعبت المدارس والجامعات والجيش والإدارة والإعلام والمدينة الحديثة دورًا أساسيًا في بناء وعي وطني عراقي جديد ، استند إلى تراكمات تاريخية قديمة لكنه أعاد صياغتها بلغة العصر الحديث... ؛ إلا أن هذا الوعي لم يتطور بالقدر الذي كانت تقتضيه متطلبات بناء الأمة الحديثة… ؛ إذ كثيرًا ما أعاقته التكلسات الطائفية والانغلاق القومي , والعمالة السياسية للأجنبي ، مما حدّ من قدرته على التحول إلى وعي وطني جامع.

سابعًا: من الهويات الفرعية إلى الهوية الوطنية الجامعة

يحمل العراقي بطبيعته انتماءات متعددة؛ فهو قد يكون عربيًا أو كرديًا أو تركمانيًا، مسلمًا أو مسيحيًا أو صابئيًا أو إيزيديًا، عشائريًا أو مدينيًا.

لكن قيام الدولة الحديثة أوجد مستوى أعلى من الانتماء هو الانتماء الوطني العراقي.

وهذا الانتماء لا يلغي الانتماءات الفرعية، بل يضعها ضمن إطار وطني أشمل يجعل الولاء النهائي للدولة والوطن والمصير المشترك.

لقد كانت هذه العملية معقدة وشاقة، وما تزال مستمرة حتى اليوم، لكنها تمثل جوهر مشروع الأمة العراقية الحديثة.

ثامنًا: الحروب والأزمات وصناعة الوعي الوطني

لم تتشكل الأمة العراقية عبر الإنجازات وحدها، بل تشكلت أيضًا عبر المحن.

فالحروب المتعاقبة، والحصار الاقتصادي، والاحتلالات، والصراعات السياسية، والإرهاب، والانقسامات الداخلية، كلها تركت آثارًا عميقة في الوعي الجمعي للعراقيين.

ورغم ما سببته هذه الأحداث من آلام وخسائر، فإنها أسهمت بصورة غير مباشرة في تعزيز الشعور بالمصير المشترك.

فحين يتعرض الوطن كله للخطر، تتراجع الفوارق الثانوية أمام الشعور بأن الجميع يشتركون في المصير ذاته.

وهكذا أصبح الألم المشترك جزءًا من الذاكرة الوطنية العراقية، تمامًا كما أصبحت الإنجازات الحضارية جزءًا من تلك الذاكرة.

تاسعًا: الأمة العراقية بوصفها وعيًا تاريخيًا متراكمًا

إن الأمة العراقية ليست حالة مكتملة ونهائية، وليست هوية جامدة متحجرة، بل هي عملية تاريخية مستمرة تتجدد مع كل جيل.

فهي تقوم على تراكم طبقات متعددة من التاريخ:

* طبقة جغرافية: أرض الرافدين ودجلة والفرات.

* طبقة حضارية: المدن القديمة ومنجزات الحضارة.

* طبقة ثقافية ودينية: التعدد والتفاعل الحضاري.

* طبقة سياسية: الدولة العراقية الحديثة.

* طبقة وجدانية: الذاكرة الجمعية والمصير المشترك.

ومن تفاعل هذه الطبقات جميعًا نشأت الأمة العراقية بوصفها كيانًا تاريخيًا وحضاريًا متفردًا.

خاتمة

إن نشأة الأمة العراقية ليست قصة عرق واحد، ولا دين واحد، ولا قومية واحدة، بل هي قصة أرض صنعت الإنسان، وإنسان صنع الحضارة، وحضارة صنعت ذاكرة جماعية امتدت آلاف السنين.

فالعراق لم يولد أمة جاهزة، وإنما تشكل تدريجيًا عبر تفاعل مستمر بين الجغرافيا والتاريخ والإنسان والأحداث. وكل مرحلة من مراحل تاريخه أضافت طبقة جديدة إلى شخصيته الوطنية دون أن تلغي ما سبقها.

ولهذا فإن الأمة العراقية المعاصرة ليست نقيضًا للتنوع، بل هي الإطار التاريخي والحضاري الذي يمنح ذلك التنوع معنىً ووحدةً واستمرارية. وهي، في جوهرها، تعبير عن تجربة إنسانية فريدة نشأت في قلب بلاد الرافدين، وتطورت عبر آلاف السنين حتى أصبحت وعيًا وطنيًا جامعًا يربط أبناء العراق بماضٍ مشترك وحاضرٍ واحد ومستقبلٍ واحد.