رياض سعد
من أكثر المفاهيم تداولًا في الفكر السياسي والاجتماعي الحديث مفهوما الأمة والشعب، غير أن كثرة استعمالهما لا تعني بالضرورة وضوح دلالتهما… ؛ فكثيرًا ما يجري الخلط بينهما في الخطاب السياسي والإعلامي والثقافي، حتى باتت الحدود الفاصلة بين المفهومين ضبابية لدى قطاعات واسعة من الناس.
والحقيقة أن الأمة والشعب ليسا مترادفين، بل يمثل كل منهما مستوى مختلفًا من مستويات الاجتماع الإنساني، وله جذوره اللغوية والفلسفية والقانونية الخاصة به.
إن فهم هذا التمييز لا يقتصر على الجانب النظري فحسب، بل يمتد إلى فهم طبيعة الدول الحديثة، وأزمات الهوية الوطنية، وإشكاليات بناء الدولة، ولا سيما في المجتمعات المتعددة مثل العراق.
أولًا: الأمة في اللغة والفكر
في اللغة العربية، تدور كلمة «الأمة» حول معاني الجماعة الجامعة التي تربط أفرادها رابطة مشتركة… ؛ وقد وردت الكلمة في القرآن الكريم بمعانٍ متعددة، منها الجماعة البشرية، والطريقة أو الملة، والزمن، والقدوة الجامعة.
أما في الفكر السياسي والاجتماعي الحديث، فقد أصبحت الأمة مفهومًا يدل على جماعة بشرية واسعة تشترك في عناصر موضوعية أو معنوية تجعلها تشعر بأنها كيان تاريخي واحد… ؛ وقد تختلف المدارس الفكرية في تحديد تلك العناصر، إلا أنها غالبًا تشمل:
التاريخ المشترك.
الذاكرة الجماعية.
اللغة المشتركة.
الثقافة والقيم العامة.
الجغرافيا التاريخية.
الشعور بالانتماء إلى مصير واحد.
وفي الفكر القومي الأوروبي، برزت رؤيتان رئيسيتان:
الأولى: الرؤية الألمانية التي ربطت الأمة بعناصر الثقافة واللغة والأصل التاريخي المشترك.
والثانية: الرؤية الفرنسية التي اعتبرت الأمة إرادة سياسية جماعية ورغبة مستمرة في العيش المشترك، كما عبّر عنها المفكر الفرنسي إرنست رينان عندما وصف الأمة بأنها “استفتاء يومي” يتجدد عبر إرادة أبنائها.
ومن هنا فإن الأمة ليست مجرد تجمع سكاني، بل هي حالة وعي تاريخي وحضاري تجعل أفرادها يشعرون بأنهم ينتمون إلى جماعة تتجاوز وجودهم الفردي.
ثانيًا: الشعب في الفكر الدستوري والقانوني
إذا كانت الأمة مفهومًا ثقافيًا وتاريخيًا، فإن الشعب مفهوم قانوني وسياسي بالدرجة الأولى.
ويعرّف فقهاء القانون الدستوري الشعب بأنه جماعة من الأفراد تستقر على إقليم معين، وتخضع لسلطة سياسية واحدة، وترتبط بالدولة بعلاقة قانونية مباشرة تتمثل في المواطنة والحقوق والواجبات.
فالشعب هو أحد الأركان الأساسية لقيام الدولة الحديثة إلى جانب الإقليم والسلطة السياسية. ولا يمكن تصور دولة من دون شعب، كما لا يمكن تصور سيادة من دون جماعة بشرية تمارس هذه السيادة أو تُنسب إليها.
ولهذا تنص أغلب الدساتير الحديثة على أن:
“السيادة للشعب”
أي أن مصدر الشرعية السياسية هو الشعب، لا العرق ولا الدين ولا الطبقة الاجتماعية ولا الأسرة الحاكمة.
وبذلك يصبح الشعب مفهومًا سياسيًا يرتبط بوجود الدولة ومؤسساتها، بينما ترتبط الأمة بوجود الهوية والذاكرة والانتماء.
ثالثًا: الفرق الفلسفي بين الأمة والشعب
يكمن الفرق الجوهري بين المفهومين في أن الأمة تتعلق بالسؤال:
“من نحن؟”
بينما يتعلق الشعب بالسؤال:
“كيف ننظم أنفسنا سياسيًا؟”
فالأمة تبحث في الهوية والوجدان والانتماء التاريخي، أما الشعب فيبحث في المواطنة والقانون والسلطة والدولة.
الأمة هي المجال الذي تتشكل فيه الذاكرة الجمعية والأساطير المؤسسة والرموز الثقافية الكبرى، أما الشعب فهو المجال الذي تتشكل فيه الإرادة السياسية والمؤسسات الدستورية والعلاقات القانونية.
وقد توجد أمة واحدة موزعة بين عدة دول، كما في حالة الأمة العربية أو الأمة الكردية، حيث لا يجمع أبناءها كيان سياسي واحد.
وفي المقابل قد تضم الدولة الواحدة عدة جماعات قومية أو دينية أو ثقافية مختلفة، لكنها تشكل شعبًا واحدًا من الناحية الدستورية والقانونية لأنها تخضع لدولة واحدة ونظام سياسي واحد.
لذلك فليس كل أمة شعبًا، وليس كل شعب أمة بالمعنى الثقافي أو التاريخي الكامل.
رابعًا: الأمة والشعب في التجربة التاريخية الحديثة
شهد القرن التاسع عشر صعود فكرة الدولة القومية (Nation-State)، وهي محاولة لدمج الأمة بالشعب داخل إطار سياسي واحد.
وكان الهدف من ذلك أن تصبح الجماعة الثقافية والتاريخية نفسها هي الجماعة السياسية والقانونية التي تدير الدولة.
لكن التجربة التاريخية أثبتت أن هذا التطابق الكامل نادر الحدوث، إذ إن معظم دول العالم تحتوي على تنوعات قومية ودينية وثقافية، الأمر الذي جعل مفهوم المواطنة الحديثة أكثر أهمية من مفاهيم الانتماء الضيقة.
ومن هنا ظهر اتجاه فكري يرى أن الدولة الحديثة لا ينبغي أن تقوم على وحدة العرق أو الدين أو المذهب، بل على وحدة المواطنة والمصالح المشتركة.
خامسًا: الأمة العراقية والشعب العراقي
عند تطبيق هذه المفاهيم على الحالة العراقية، تظهر أهمية التمييز بين الأمة والشعب بصورة أوضح.
فالشعب العراقي هو جميع المواطنين العراقيين الذين يعيشون ضمن حدود الدولة العراقية، ويرتبطون بها قانونيًا وسياسيًا، بغض النظر عن انتماءاتهم القومية أو الدينية أو المذهبية.
فالشيشاني أو المغولي أو الشركسي أو الأرمني أو التركي أو المصري قد يكتسب الجنسية العراقية، كما حدث لكثير من الوافدين والمهاجرين خلال أواخر القرن التاسع عشر والقرن العشرين، فيصبح مواطنًا عراقيًا كامل الحقوق والواجبات، ومن أفراد الشعب العراقي من الناحية القانونية والدستورية. غير أن ذلك لا يعني بالضرورة انتماءه التاريخي إلى الأمة العراقية بالمعنى الحضاري والنسبي، فلا يستطيع أن يدّعي انتسابًا بيولوجيًا أو تاريخيًا إلى شخصيات مؤسسة في تاريخ العراق، كحمورابي أو الإمام علي أو غيرهما من الرموز الكبرى التي أسهمت في تشكيل الذاكرة التاريخية للعراق. فالمواطنة القانونية شيء، والانتماء التاريخي المتوارث شيء آخر. لذلك قد يكون الفرد عراقي الجنسية ومن أفراد الشعب العراقي، لكنه يظل منحدرًا من أصول تنتمي إلى أمم أخرى، إذ إن الأمة التركية ليست الأمة العراقية، كما أن الأمة الأرمنية أو الشركسية أو غيرها ليست هي الأمة العراقية، وإن كان أبناؤها جزءًا من الشعب العراقي متى ما حملوا الجنسية العراقية واندمجوا في إطار الدولة العراقية.
نعم العرب والكرد والتركمان والآشوريون والأرمن وسائر المكونات يشكلون، من الناحية الدستورية والقانونية، الشعب العراقي.
أما الأمة العراقية فهي مفهوم أوسع وأعمق من مجرد الانتماء القانوني للدولة… ؛ إنها تعبير عن هوية تاريخية وحضارية تشكلت عبر آلاف السنين فوق أرض الرافدين، بدءًا من الحضارات السومرية والأكدية والبابلية والآشورية، مرورًا بالمراحل العربية والإسلامية، وصولًا إلى العراق الحديث.
فالأمة العراقية لا تقوم على أساس العرق الواحد أو المذهب الواحد أو اللغة الواحدة، بل على أساس وحدة التاريخ والمصير والجغرافيا والذاكرة الحضارية المشتركة.
إنها مشروع اندماج حضاري يربط أبناء العراق جميعًا بوطن واحد وتجربة تاريخية واحدة ومستقبل مشترك.
ومن هنا يمكن القول إن الشعب العراقي موجود بوصفه حقيقة دستورية وقانونية قائمة، أما الأمة العراقية فهي مشروع تاريخي وطني يسعى إلى تحويل هذا الشعب المتعدد إلى جماعة وطنية متماسكة تمتلك وعيًا جمعيًا موحدًا ومصلحة وطنية عليا تتجاوز الانقسامات الفرعية.
سادسًا: الأمة العراقية بوصفها ضرورة تاريخية
إن التحدي الأكبر الذي واجه العراق خلال العقود الماضية لم يكن غياب الشعب العراقي، بل ضعف الوعي بالأمة العراقية الجامعة… ؛ فحين تتقدم الهويات الطائفية أو القومية أو العشائرية على الهوية الوطنية، يتحول الشعب إلى جماعات متجاورة بدل أن يكون جماعة سياسية متماسكة.
ولهذا فإن مشروع الأمة العراقية لا يعني إلغاء التنوع، بل تنظيمه داخل إطار وطني جامع. فالوطنية العراقية ليست نقيضًا للخصوصيات الثقافية، وإنما المظلة التي تحميها وتمنع تحولها إلى أدوات صراع وانقسام.
إن الأمة العراقية، بهذا المعنى، ليست شعارًا أيديولوجيًا عابرًا، بل ضرورة تاريخية وسياسية لبقاء الدولة العراقية واستقرار المجتمع العراقي… ؛ فهي الصيغة القادرة على التوفيق بين التنوع والوحدة، وبين الخصوصية الوطنية والانتماءات الفرعية، وبين الذاكرة التاريخية ومتطلبات الدولة الحديثة.
ولا يعني ذلك الانغلاق أو رفض الآخر؛ فالدعوة إلى إحياء الأمة العراقية وترسيخ الهوية الوطنية العراقية الأصيلة لا تتعارض مع مبدأ دولة المواطنة الحديثة… ؛ فالمواطنة تقوم على المساواة في الحقوق والواجبات أمام القانون، في حين تقوم الأمة على الوعي التاريخي والذاكرة الحضارية والانتماء الوطني المشترك.
ولعل تجارب الأمم المعاصرة تقدم أمثلة واضحة على ذلك؛ فالإيرانيون يعتزون بهويتهم الوطنية وتراثهم الحضاري الفارسي، رغم أن إيران تضم قوميات متعددة كالأذريين والكرد والعرب والبلوش وغيرهم… ؛ وكذلك الحال في بريطانيا، حيث يعتز البريطانيون بتاريخهم وهويتهم الوطنية، في الوقت الذي تظل فيه أبواب البلاد مفتوحة للهجرة والتجنيس والاندماج ضمن إطار المواطنة البريطانية.
وينطبق الأمر ذاته على الصين وغيرها من الدول ذات الهويات الوطنية الراسخة؛ فوجود مواطنين متجنسين أو منحدرين من أصول مهاجرة لا يدفع الأمة إلى التخلي عن هويتها التاريخية أو ذاكرتها الحضارية أو خصوصيتها الثقافية… ؛ فالتعدد السكاني لا يلغي الهوية الوطنية، كما أن اكتساب الجنسية لا يقتضي بالضرورة محو الخصوصية التاريخية للأمة.
وعليه، فإن الدفاع عن الأمة العراقية لا يعني إقصاء أحد أو الانتقاص من حقوق المواطنين المتجنسين أو المنحدرين من أصول غير عراقية، بل يعني الحفاظ على الشخصية التاريخية والحضارية للعراق بوصفه وطنًا وأمةً تشكلت عبر آلاف السنين، مع بقاء المواطنة أساسًا للحقوق والواجبات والمشاركة في الدولة.
خاتمة
يمكن تلخيص الفرق بين المفهومين بالقول إن الأمة هي هوية تاريخية وثقافية وحضارية تقوم على الشعور بالانتماء إلى مصير مشترك، أما الشعب فهو جماعة قانونية وسياسية تشكل أساس الدولة ومصدر شرعيتها.
وعلى هذا الأساس، فإن الشعب العراقي هو جميع مواطني العراق بوصفهم ركنًا من أركان الدولة، بينما الأمة العراقية هي الإطار الحضاري والوطني الجامع الذي يمنح هذا الشعب معنىً تاريخيًا ورسالةً مشتركةً ومستقبلًا واحدًا.
وكلما نجح العراقيون في تحويل تعددهم الاجتماعي والثقافي إلى هوية وطنية عليا، اقتربوا من تحقيق أمة عراقية متماسكة قادرة على حماية الدولة وبناء مشروع حضاري يليق بتاريخ بلاد الرافدين ومكانتها في التاريخ الإنساني.