السداد باسترداد أموال الفساد..

ضياء المهندس

لم يعد الحديث عن الديون العامة في العراق مجرد أرقام تُنشر في التقارير المالية، بل أصبح قضية تمس حاضر الدولة ومستقبل الأجيال. فبحسب بيانات البنك المركزي العراقي، ارتفع الدين العام الداخلي إلى 95.68 تريليون دينار عراقي، أي ما يعادل نحو 73 مليار دولار حتى نهاية نيسان 2026، بعد أن كان 90.52 تريليون دينار في نهاية عام 2025، بزيادة بلغت 5.16 تريليون دينار خلال أربعة أشهر فقط.

ورغم تأكيد البنك المركزي أن نسبة الدين إلى الناتج المحلي الإجمالي ما تزال ضمن الحدود المقبولة دولياً، إلا أن استمرار تصاعد الديون يثير تساؤلات مشروعة حول مصادر الهدر وأسباب العجز المتكرر في المالية العامة. ولكن ،

أين ذهبت الأموال؟

منذ عام 2003 وحتى اليوم، شهد العراق توسعاً هائلاً في الطبقة السياسية والإدارية العليا، حيث تعاقب آلاف المسؤولين على مواقع السلطة التنفيذية والتشريعية والأمنية والاقتصادية. وتشير تقديرات متداولة إلى وجود أكثر من 5900 شخصية نافذة بين رؤساء ووزراء ونواب ووكلاء وسفراء ومدراء عامين وقادة أمنيين وعسكريين ومتعاقدين كبار وشخصيات حزبية وفصائلية وإعلامية مؤثرة.

ولا يعني ذلك اتهام الجميع بالفساد، فالأصل هو البراءة، لكن حجم الأموال المهدورة التي تحدثت عنها تقارير رقابية محلية ودولية خلال العقدين الماضيين يجعل من الضروري إخضاع الثروات الضخمة التي ظهرت بصورة مفاجئة إلى تدقيق مالي وقانوني شامل.

معادلة بسيطة

إذا افترضنا – نظرياً – أن التدقيق المالي والقضائي أثبت وجود ثروات غير مشروعة لدى نسبة محدودة فقط من هذه النخبة، وتمكنت الدولة من استرداد:

100 مليارات دولار فقط من الأموال المنهوبة.

أو 120 مليار دولار من الأصول والعقارات والحسابات المجمدة.

أو 130 مليار دولار عبر تسويات واستردادات داخلية وخارجية.

فإن ذلك سيشكل كمية كبيرة اكثر من الدين الداخلي الحالي البالغ 73 مليار دولار.

بمعنى آخر، فإن استرداد الأموال المنهوبة قد يتحول من شعار سياسي إلى أداة مالية حقيقية لتخفيض المديونية وتمويل المشاريع التنموية.

التجارب الدولية

العديد من الدول نجحت في استعادة جزء من أموالها المنهوبة عبر التعاون الدولي وتفعيل قوانين “من أين لك هذا؟” وملاحقة الأصول المشبوهة في الخارج.

أما العراق، فما زال يمتلك فرصة كبيرة بسبب وجود اتفاقيات دولية لمكافحة الفساد وغسل الأموال، إضافة إلى إمكانية الاستعانة بالشركات المتخصصة في تعقب الأصول المالية والعقارية حول العالم.

ماذا يمكن أن تحقق الأموال المستردة؟

لو تم استرداد مبلغ بسيط بكمية 20 مليار دولار فقط، يمكن للعراق أن يمول:

آلاف المدارس الحديثة.

عشرات المستشفيات التخصصية.

مشاريع الإسكان للفئات محدودة الدخل.

شبكات الماء والمجاري والكهرباء.

تخفيض جزء مهم من الديون العامة.

أي أن الأموال المسروقة ليست مجرد أرقام ضائعة، بل هي مدارس لم تُبنَ، ومستشفيات لم تُنشأ، وفرص عمل لم تُخلق.

بين الاقتراض والاسترداد تكمن

المفارقة في أن الدولة تلجأ إلى الاقتراض لسد العجز وتمويل الإنفاق، بينما يتساءل المواطن: لماذا يُطلب من الشعب تحمل أعباء الديون والتقشف، قبل استنفاد كل الوسائل القانونية لاسترداد الأموال التي خرجت من الخزينة العامة بطرق غير مشروعة؟

فالمعادلة الوطنية السليمة تبدأ من ملاحقة الفاسد قبل ملاحقة جيب المواطن، ومن استرداد الأموال المنهوبة قبل زيادة الديون.

إن معالجة أزمة الدين العام لا تكون بالاقتراض وحده، ولا بتقليص حقوق الموظفين والمتقاعدين، بل بإطلاق أكبر مشروع وطني لتدقيق الثروات ومراجعة الذمم المالية واسترداد الأموال العامة.

فالعراق لا يعاني من فقر الموارد، بل من نزيفها.

وإذا كانت الديون تُسدد من أموال الشعب، فإن أموال الفساد أولى بأن تُسترد لتسديد الديون التي ساهم الفساد نفسه في صناعتها. فقبل أن يُطلب من المواطن شد الحزام، ينبغي أن تُفتح خزائن الذين امتلأت جيوبهم من المال العام.

البروفسور د.ضياء واجد المهندس

رئيس مجلس الخبراء العراقي