الياسمين والقداح لكتابة مقال وتقرير إنساني بعطر فواح
احمد الحاج جود الخير
إذا كنت تطمح بأن تكون كاتبا محترفا يريد مغادرة عتبة الهواة والى غير رجعة وولوج عالم المحترفين والمخضرمين في الصحافة المجتمعية والإنسانية فعليك أن تهتم جديا بمعاني المفردات ومدلولات الألفاظ والمصطلحات، وأن لا تخلط حابلا بنابل، وأن لا تأتي بالمصطلح جزافا على عواهنه هكذا من دون تمحيص ولا فهم لمعناه لتضعه في غير موضعه ظنا منك بأن هذا هو مكانه الصحيح وموقعه المؤثر فتقع بالمحذور وبما لا تحمد عقباه .
أقول ذلك لأنني وبفعل صحافة المواطنة التي شاعت مؤخرا وبمساعدة منصات التواصل بت أشخص أخطاء كارثية ، وخلطا عجيبا بين الكلمات والمفردات ولاسيما منها المترادفات،مثال ذلك أن مفردة حبس غير مفردة سجن ،فكن على بينة من أمرك ، لأن الحبس في القوانين العربية الوضعية مدته تترواح بين 24 ساعة وصولا الى 3 سنين ، أما السجن فمدته من 3 سنين الى المؤبد أو مدى الحياة ”، كذلك الجناية غير الجنحة ، فالجناية عقوبتها السجن ، والجنحة عقوبتها الحبس ، كذلك السجن المؤبد = 25 عاما ، أما مدى الحياة = حتى الممات في حال لم اصدار عفو خاص أو عام أو تقليص مدة المحكومية لحسن السيرة والسلوك وبالتالي فإن الاتيان بالمؤبد للدلالة على مدى الحياة، أو ذكر السجن بدلا من الحبس في سياق النص المكتوب يعد بمثابة خطأ فادح والعكس بالعكس .
وكل ما ذكرته آنفا يعني شيئا واحدا ألا وهو أن تكون مجتهدا وملما بشيء ولو كان يسيرا من مصطلحات القانون والفلسفة والاقتصاد والسياسة ومفاهيم المحاكم والنظم والدساتير كجزء من المنظومة الاحترافية في الكتابة وكخطوة مهمة في طريق الالف ميل إذ من غير المعقول ولا المقبول بالمرة أن تكتب مقالا أو عمودا صحفيا ثابتا مخصصا لك في الصفحة الرياضية ، وأنت لا تفرق بين القائم والعارضة ، ولا بين الفاول والأوف سايد في كرة القدم ، ولا تفرق بين الكونغ فو الصينية والكاراتيه اليابانية والتايكواندو الكورية والمواي تاي التايلندية والسيلات الماليزية وكلها فنون قتالية ،ومن المعيب جدا وأنت تعد الصفحة الرياضية أن لا تفرق بين المصارعة الحرة والرومانية في عالم المصارعة الاولمبية ، ولا بين سباحة الظهر والصدر والحرة والفراشة في رياضة السباحة الاولمبية ، ولا بين رفعة النتر ورفعة الخطف في رياضة رفع الاثقال وقس على ذلك بقية الزوايا والصفحات الثابتة .
التأبين على سبيل المثال لا الحصر هو غير النعي وغير الندب وغير العزاء ، فالتأبين هو الثناء على الميت وبيان فضائله واستعراض مزاياه بعد وفاته ، أما النعي فهو إعلان وفاته وبيان ذلك للناس ” تنعى نقابة الفنانين المصريين فقيدها الراحل الفنان فلان الفلاني الذي وافاه الأجل المحتوم بمرض عضال عن عمر ناهز الـ 70 عاما …الخ ”، فيما الندب هو البكاء على الميت والحزن عليه ، وربما اظهار الجزع بوفاته ايضا ، أما العزاء فهو تطييب خواطر ذوي المتوفى وتفقد أحوالهم وتقديم واجب العزاء لهم والتفكر في الموت وما وراءه للعبرة والعظة ، وكلها تندرج تحت عنوان جامع هو” الرثاء ”وللعرب باب أدبي كامل في المرثيات فمنهم من رثى حاله ،ومنهم من رثى وطنه، ومنهم رثى قومه، حبيبته ، ابنه ، أمه ، أطلاله ، زمانه ،وهكذا دواليك وبالتالي فإن الخلط بينها غير مقبول وغير محبب بالمرة !
التقريظ غير التقديم وغير التوطئة في الكتب والمؤلفات، فالأول هو مدح الكتاب ومؤلفه على سواء في حياته ، أما الثاني فهو التعريف بمضمون الكتاب وفصوله عموما ، أما التوطئة فهي بمثابة موضع القدم الذي تطأ به عتبة الباب تمهيدا لولوجه !
الجشع غير الطمع ،الاول يتمثل بالرغبة العارمة للاستيلاء على ما بيد الغير وإن كان قليلا ولو كان ما عندك وما بحوزتك أكثر بكثير ، أما الطمع فيعني الرغبة بالمزيد سواء أكان للغير مثلها أو أكثر أو أقل نحو” أن يكون لك بيت فاره فتطمع ببيتين وتتمنى لجارك السكن في شقة مستأجرة قديمة بعمارة متهالكة ” فهذا هو الجشع ، أما أن تكون لك سيارة فتريد سيارتين ولو كان لجارك مثلها فهذا طمع ولا يملأ فم ابن آدم الا التراب !
الاعتقال غير الأسر غير السجن والحبس ،الأول يطلق على عملية إلقاء القبض على المعارضين السياسيين ومعارضي الفكر والمنهج في الاعم الاغلب ، أما الثاني فالقبض يكون من قبل الاعداء، وأما الحبس والسجن فعلى المتورطين بجنح أو جنايات ، ولا يصح أن تقول “لقد تم أسر تاجر المخدرات فلان الفلاني ..أو اعتقال قاتل جاره علان العلاني”.
كذلك المشرد فهو غير النازح وغير المهجر وغير المهاجر وغير اللاجئ ، الاول يسكن الفيافي والقفار ويفترش الارصفة لضر مادي ومعنوي لحقه وأصابه ، فيما الثاني كان قد هجر داره ومنطقته بسبب الحروب والكوارث الطبيعية وأمثالها ما اضطره لترك مسكنه ودياره ليسكن الخيام والكامبات بعد ان صار نازحا ، الثالث اضطر للهجرة بحثا عن لقمة العيش ، عن الامان ، عن المستقبل المفقود في بلده في – زمكان –قد يطول وقد يقصر، أما المُهَجَّر فهو من أجبر على هجر منطقته ودياره عنوة وبالقوة لتغيرات ديمغرافية تعقب أو تتزامن عادة مع الحروب الأهلية والاحتراب الداخلي ، بينما اللاجئ هو من فر بدينه ،بنفسه ،بفكره ليطلب اللجوء الانساني أو السياسي في بلد آخر لظروف اجتماعية وسياسية قاهرة تعصف ببلده الأم لم يعد بمقدوره تحملها ، وللعرب أدب رفيع عن مآسي” المخيمات والمنافي والمهاجر والاغتراب والتشرد واللجوء” ومن المفارقات المحزنة أن الأدباء والمثقفين العراقيين لهم باع في هذا اللون الادبي والإنساني الرفيع ولطالما كتبوا عن محنة ولاجئي فلسطين الحبيبة بسبب العصابات الصهيونية، كذلك عن محنة الجزائر أيام الاستدمار الفرنسي ، وعن معاناة الليبيين ايام الاستحمار الايطالي ، حتى صار المثقفون العرب كلهم يكتبون عن نزوح العراقي وهجرته وتهجيره ولجوئه بعدما كان ملاذا آمنا وبيتا حاضنا وقلبا رحيما لكل اللاجئين العرب !
البخل غير الشح ، فالشح هو السعي المحموم للحصول على شيء تغلفه الانانية والجشع ، بينما البخل هو التقصير ببذل ولو جزء يسير منه بعد قبض الشيء والحصول عليه لا قبله، كما أن الشح يكون حتى في العلم والتعليم وبذل الجاه والنصيحة وزكاة الحسب والنسب والمكانة فالشحيح لايتوسط ولاينصح أحدا إلا بمقابل مادي أو معنوي ، بينما البخل غالبا ما يكون بالمال.
البدن،غير الجسد،غير الجسم، غير الجثة ، غير الجثمان ، فالأول يتطرق الى كل ما دون الرأس، والثاني يختص بالإنسان وحده،والثالث يشمل جميع المخلوقات ، بينما
الجثة تطلق لتوصيف جسم الانسان بعد الموت ولاسيما في القضايا الجنائية والمادية والطبية،بينما الجثمان يستخدم لتوصيف جسم الإنسان من النواحي الاجتماعية والشرعية والاعتبارية والأدبية ، فلا تقل”تم نقل جثة العلامة الكبير فلان الفلاني الى مثواه الأخير” وإنما ” تم نقل جثمان العلامة الكبير فلان الفلاني..”، كما أنك لا تقول وتم تشريح الجثمان،وإنما تم تشريح الجثة.
العلم غير المعرفة ،الأول يستحصل بالتعلم والتعليم ، بينما الثاني بالتجارب الشخصية والافادة من مثيلاتها الانسانية السابقة واللاحقة كذلك من الاعراف والتقاليد والخبرات المتراكمة والمشورة ونحوها فضلا عن التعلم والتعليم .
ولطالما استثمرت يوم الضاد العالمي سنويا لهذا الغرض وبناء عليه أقول لصديقي وزميلي الصحفي الإنساني كذلك الكاتب الواعد الرحماني :
– لا تقل من الملفت للنظر ..وقل من اللافت للنظر .
– لا تقل قال البعض ..بل قل “قال بعضهم” .
– لا تقل إنذار أخير الى كافة الموظفين المتقاعسين ..وقل انذار أخير الى الموظفين المتقاعسين كافة .
– لا تقل الرجل الغير المتلزم ..وقل الرجل غير الملتزم .
– لا تقل ساهم بتحرير الخبر..وقل اسهم بتحرير الخبر .
– لا تقل المنتوجات النفطية ..وقل المنتجات النفطية .
– لا تقل تغطية وقائع المؤتمر ..وقل نقل وقائع المؤتمر .
– لا تقل الطبيب الخفر ..وقل الطبيب الخافر.
– لا تقل رواية شيقة ..وقل رواية شائقة .
– لا تقل كتاب ممتع ..وقل كتاب ماتع .
– لا تقل عمل مشين ..وقل عمل شائن .
– لا تقل المضاهرات الشعبية ..وقل التظاهرات الشعبية .
– لا تقل الطبيب الاخصائي ..وقل الطبيب الاختصاص .
– لا تقل مطاليب المعتصمين ..وقل مطالب المعتصمين .
– لا تقل شخص يحتذى به “يعني يلبس كالحذاء “..وقل شخص يحتذى حذوه .
– لا تقل رضخ له ” لأن الرضخ إنما يكون بالحجارة”..وقل أذعن له .
– لا تقل الغلط اللغوي ..وقل الخطأ اللغوي .
– لا تقل خارج عن القانون ..وقل خارج على القانون .
– لا تقل تخرج من الجامعة ..وقل تخرج في الجامعة .
– لا تقل المدراء العامون …وقل المديرون العموميون .
– لا تقل كادر العمل ..وقل طاقم العمل .
– لاتقل خبر هام ” لأن هام من الهم والحزن “..وقل خبر مهم .
– لاتقل متواجد هنا ” لأن التواجد من الوجد ” …وقل موجود هنا .
عندما يخاطب المسؤول الأعلى من هو أدنى ، يقول”يرجى”،ولكن وعندما يخاطب الأدنى من هو أعلى يقول”نرجو” .
-قل ربت كتفه ..ولاتقل ربت على كتفه .
– قل التقى عمداء الكليات ، ولاتقل التقى بعمداء الكليات .
– لا تقل سيما الرجل ..وقل لاسيما الرجل .
– لا تقل صلي ..وقل صل .
– لاتكتب انشاء الله ..وأكتب ان شاء الله .
– لا تكتب “انتي أيتها المرأة الطيبة ” ..واكتب أنت …
-الصفة تتقدم على الموصوف عموما فلا تقل “الدكتور فلان الفلاني رئيس جامعة كذا “..وقل”رئيس جامعة كذا،فلان الفلاني “.
– عنوان الخبر لا يبدأ بفعل ولا برقم ولا بحرف جر فلا تبدأ عنوان خبرك بـرقم نحو ” 55 قتيلا وجريحا في حادث مروري على الطريق الخارجي ” ولكن قل “مقتل واصابة 55 شخصا بحادث مروري على الطريق الخارجي “.
-متن الخبر يبدأ بفعل ولا يبدأ بحرف جر فلا تقل على سبيل المثال لا الحصر ” عن دار النهضة صدر كتاب جديد بعنوان ..” ولكن قل “صدر عن دار النهضة كتاب بعنوان”، ولا تقل ” باشراف عميد الكلية ناقشت طالبة الماجستير رسالتها الموسومة ..” ولكن قل “ناقشت طالبة الماجستير رسالتها الموسومة باشراف عميد الكلية “.
التنبه الى عدم الخلط بين الـ” ضاد ” و” الـ” ظاد ” فشتان ما بين ” ضل الرجل” بمعنى حاد عن الطريق القويم ، وبين “ظل الرجل “أي بقي مكانه ، وأسهل طريقة للتفريق بينهما على قول النحاة واللغويين هي أن”اللسان وحين النطق بالضاد أخت الصاد يكون داخل الفم، فيما يكون جزء من اللسان خارج الفم حين النطق بالضاد أخت الطاء “، ولا أدري حقيقة لماذا يكتب بعضهم كلمة ضابط “هكذا “ظابط” فيما يكتب بعضهم الآخر الياء المقصورة نهاية الكلمة بنقطتين أسفلها،بينما يكتب وفي نفس الصفحة وبعد عدة أسطر حرف الياء في نهاية الكلمة من دون نقطتين تحته، وحبذا لو أوضحوا لنا الأسباب للفائدة العامة .
اتحاف الأنام بشاعرية الأقلام
إذا أردت أن تكون كاتبا إنسانيا مؤثرا يغلب على مقالاتك الشاعرية والوجدانية الجياشة فعليك أن تحفظ أبرز أمثال العرب مع فهم واستيعاب مدللولات ومضامين قصصها ومغزاها وجلها حقيقية وأشهرها :”على نفسها جنت براقش”،”جزاء سنمار “،” تجوع الحرة ولاتأكل بثدييها “،” لم يبق في قوس الصبر منزع”،” بلغ السيل الزبى “، “أشأم من رغيف الحولاء”،” دقوا بينهم عطر منشمِ” ،” أشأم من البسوس” ،” أشأم من طويس” ، “وعند جهينة الخبر اليقين “، “القول ماقالت حذام “،”رمتني بدائها وانسلت “،”وافق شن طبقه “،”عاد بخفي حنين “،” إياك أعني واسمعي ياجارة “،”في الصيف ضيعت اللبن”،”سبق السيف العذل”،” قطعت جهيزة قول كل حكيم” وغيرها الكثير ولكل مثل من هذه الأمثال العربية الأصيلة حكمة وقصة واقعية تصلح شاهدا لكل زمان ومكان ، وبالأخص في المقالات الاجتماعية و الإنسانية المطلوبة .
ولا بد من حفظ عدد لا بأس به من أبيات الحكمة وأكثرها رشاقة وعمقا وجمالا نحو : “ذو العقل يشقى في النعيم بعقله ..وأخو الجهالة في الشقاوة ينعــم “و” لسانك لا تذكر به عورة امرئ ..فكلك عـورات وللناس ألـسـن” و”ترجو النجاة ولم تسلك مسالكها..إن السفينة لاتمشي على اليبس” و”من يتهيب صعود الجبال يعش ..أبد الدهر بين الحفر”و”تَموتُ الأُسدُ في الغاباتِ جوعاً..وَلَحمُ الضأن تَأكُلُهُ الكِلابُ، وَعَبدٌ قَد يَنامُ عَلى حَريرٍ .. وَذو نَسَبٍ مَفارِشُهُ التُرابُ” ، ومثلها العشرات، ، بل قل المئات من أبيات الحكمة الشعرية التي يحفل بها تراثنا وتاريخنا الأدبي المجيد ،ولاشك أن حفظ هذه الأمثال والحكم والأبيات عن ظهر قلب يعينك على استدعائها فوريا عند الخطابة والكتابة والالقاء بسرعة البرق في لحظتها لأنها حاضرة في الذهن،وعلى طرف اللسان، ولاسيما الاجتماعية منها والنفسية والإنسانية نحو أبيات الشاعر العباس بن الأحنف والتي يقول فيها مشخصا بعض أمراض المجتمع العضال، وراصدا قسما من آفاته وعلله وأعرافه الفكرية والأخلاقية الواهنة :
يمشي الفقيرُ وكلُّ شيءٍ ضدُّهُ … والناسُ تغلقُ دونَهُ أبوابَها
وتراهُ مبغوضاً وليس بمُذْنبٍ … ويرى العداوةَ لا يرى أسبابَها
حتى الكلابَ إِذا رأتْ ذا ثروةٍ … خَضَعَتْ لديه وحركتْ أذانابَها
وإِذا رأتْ فقيراً عابراً … نَبَحتْ عليه وكشَّرَتْ أنيابَها
وكما جاء في الأمثال البغدادية ما يوازيها في قولهم”إذا تجشأ الغني قالوا له :عوافي،وإذا تجشأ الفقير قالوا لهم : وجع”،”وإذا لبس محدث النعمة ثوبا جديدا قالوا له: بالعافية، تعيش وتلبس، ليضيف بعضهم عبارة : لبست جديدا،وعشت سعيدا،ومت شهيدا!!، ولكن وإذا ما استبدل الفقير ثوبه المرقع الرث البالي يوما وبعد عمر طويل قالوا له :من أين لك هذا؟!”.
والحقيقة أن هذه الآفات المجتمعية وبعضها متغلغل وراسخ ومتجذر بحاجة الى تغيير شامل وكامل وعلى مختلف الصعد ،ولعل واحدة من أهم الطرائق والوسائل والسبل لتحقيق ذلك إنما يكمن في إشاعة مفاهيم الخير والعمل التطوعي الإنساني إعلاميا لتفتح الأبواب بوجوه الفقراء بدلا من غلقها،بل ولتطرق أبواب الفقراء وتشد الرحال الى خيامهم وأكواخهم وعشوائياتهم بغية مساعدتهم وفي عقر دورهم،بدلا من طرقهم أبواب الأغنياء ليدفعوا عنها،أو يطردوا منها، أو يعطوا بقايا خبيث الموائد والفضلات والفتات، وربما بقايا النفايات أيضا !
ياسادة ياكرام إنها مسؤولية جماعية تتولاها الصحافة الإنسانية،والتربية الأسرية، والادارات المدرسية، والخطب المنبرية ، ودروس الوعظ والارشاد والمحاضرات الدينية ، إضافة الى التقاليد الحسنة والأعراف المجتمعية .
وعلى نحوها أبيات شعرية لأبي العتاهية رصد من خلالها منظومة الكرماء والبخلاء وأبرز خصال هذين النقيضين ، والضدين النوعيين المتعايشين رغما عن أنفيهما مع بعض يقول في بعضها:
إذا اغتنى البخـيل فلا تزره…فبيت الشُح تنقصهُ الزيادة
وإذا افتقر الكريــــــم فزره…فشم الورد بعد القطف عادة
ومثلها الأبيات التي تحض على اغتنام الفرص، وعدم تضييع الوقت وساعات العمر هباء منثورا :
إِذا هبت رياحك فاغتنمها…فعقبَى كل خافقة سكون
وَلا تغفل عن الإحسانِ فيها…فَما تدري السكون متى يكون
كذلك قول أبو الحسن الجرجاني :
إذا أنت لم تَزرَع وأبصرتَ حاصدَاً..ندمتَ على التفريط في زَمَنِ البَذرِ
والأبيات الأخيرة والتي قبلها مستلهمة من زبدة وحكمة الحديث النبوي الشريف “اغْتَنِمْ خَمْسًا قبلَ خَمْسٍ:شَبابَكَ قبلَ هَرَمِكَ،وصِحَّتَكَ قبلَ سَقَمِكَ،وغِناكَ قبلَ فَقْرِكَ،وفَرَاغَكَ قبلَ شُغْلِكَ،وحَياتَكَ قبلَ مَوْتِكَ”كما في صحيح الترغيب.
محاذير صحفية
تجنب يا راعاك الله الكتابة بالعامية وباللهجات الدارجة ما أمكن لك ذلك، ولابأس ببعض المفردات والمصطلحات والأسطر لتطعيم النص واضفاء روح الدعابة والفكاهة عليه بين الحين والآخر وبالأخص في كتابة المقالات التي تندرج تحت يافطة الكوميديا السوداء،كذلك في نصوص فن الستاند آب كوميدي،مع وضعها بين اقتباسين أو شارحتين،لأن إشاعة العامية واللهجات المحلية الدارجة في الكتابة والخطابة والإلقاء هو ديدن المستشرقين والمستعربين ومن لف لفهم وغايتهم أن لايفهم العرب بعضهم بعضا،فلو أني كتبت مقالا بالعامية البغدادية فلن يفهم ثلاثة أرباع ما كتبت معظم القراء الشاميين والمصريين،ولو كتب شمال إفريقي مقالا باللهجة الجزائرية أو المغربية أو التونسية الدارجة فلن يفهم أهل المشرق العربي أيا من مقالاتهم قط والعكس صحيح .
المامك ولو بأهم القواعد الكلية الفقهية وفروعها ومعانيها ومراميها مهم جدا لأنها تمثل مقاصد الشريعة الغراء المستلهمة من الكتاب والسنة نحو : إذا ضاق الأمر اتسع ، ولا ضرر ولا ضرار،والضرورات تبيح المحضورات،المعروف عرفا كالمشروط شرطا ، والأجر والضمان لايجتمعان،والغُرم بالغم ،اليقين لايزول بالشك ،العبرة بالمضامين لا بالعناوين،الأمور بمقاصدها،ما بني على باطل فهو باطل، ما حرم بيعه حرم شراؤه،الحاجة تنزل منزل الضرورة،السكوت في معرض الحاجة بيان ، الأصل براءة الذمة،الضرورات تقدر بقدرها،درء المفاسد مقدم على جلب المصالح،العبرة بالغالب الشائع لا بالقليل النادر،البينة على من ادعى واليمين على من أنكر،يدفع الضرر قدر الإمكان،ولايزال الضرر بمثله،ما لا يدرك جله لا يترك كله ، المعروف عرفا كالمشروط شرطا،وغيرها من روائع القواعد الفقية ومقاصدها الشرعية .
كذلك الحال مع الإلمام بأشهر وأهم المصطلحات الفكرية والسياسية والاقتصادية والفلسفية والاجتماعية وأكثرها تداولا في البحوث والتحليلات ونشرات الأخبار، وأهمية معرفة معانيها والفرق فيما بينها لتنزل كل واحدة منها عند كتابة المقال الإنساني بمنزلها الصحيح، ولتضعها بموضعها المناسب،وأهمها في وقتنا الحالي من وجهة نظري الشخصية هي:”الديماغوجية،البراغماتية ، الدوغماتية،الليبرالية ،الشوفينية،الميتافيزيقية،السوفسطائية،الابستمولوجيا،الانطولوجيا،التكنوقراطية، الراديكالية ،التيوقراطية،الكلبتوقراطية،الاوتوقراطية،البيروقراطية،الارستقراطية ،الاوليغارشية،الامبريالية،الفاشية،النازية،النوستاليجيا،البلوتوقراطية، الديمقراطية، التضخم الاقتصادي،الانكماش،الركود،الكساد،تعويم العملة المحلية،رفع أو خفض أسعار الفائدة،ونحوها من مصطلحات وذلك لكثرة تناولها في وسائل الإعلام مع جهل عوام الناس بمعانيها ومدلولاتها ومفاهيمها.
الحوارات والمراسلات والتحقيقات الصحفية الإنسانية
الحوار الصحفي البناء سواء أكان مرئيا أم مسموعا أم مقروءا ولكي لا يتحول الى نهيق ونعيق ونعيب وخُوار هدام تطلق من خلاله الاتهامات العشوائية ، والتهديدات الثأرية،والعبارات الانتقامية ،والحزازيات المناطقية ،والنعرات الطائفية ، وبما يهدد التعايش الوطني والسلم المجتمعي بأسره ، فلابد من مراعاة المهنية والموضوعية خلال إجرائه وفرض بعض الضوابط على الضيوف مقدما لكي لايطلقوا العنان لألسنتهم حين -يحمى حمام أحدهم – قبل أن يعتذروا لاحقا عن بعض أو كل ما تفوهوا به ملقين باللائمة على كاهل المتلقي والمشاهد والمستمع لأنه لم يفهم مقصدهم ليتهمونه بدلا من لوم أنفسهم بقلة الفهم وضعف الادراك والاستيعاب !!
ومعلوم بأن فنون الحوار الصحفي تتضمن ثلاثة أنواع رئيسة ،أولها (حوار المعلومات ) ويتم إجراؤه مع شخص له دراية كافية وخبرة واسعة في مجال تخصصه للاحاطة بموضوع تخصصه ” = استضافة وزير كهرباء سابق للحديث معه عن مشاكل الطاقة وسبل توفيرها وطرق حلها “، و ثانيها هو (حوار الرأي) ويستضيف أكثر من شخص معني بموضوع الحوار ومضمونه لبيان وجهات النظر المختلفة أو المتفقة بشأنه “= الحديث عن موضوع المخدرات باستضافة رجل دين ، باحث اجتماعي ، رجل قانون ، استاذ جامعي ” للحديث عن موضوع واحد يمثل محور النقاش ، وثالثها (حوار الشخصيات ) و يركز على الشخص الذي يتم محاورته وإستعراض سيرته المهنية والشخصية ، ومسيرته الابداعية ، وأبرز محطاته ، مؤلفاته ، دواوينه ، شهاداته ، اخفاقاته ، تكريماته ، صوره ، أسراره ، ذكرياته ، يومياته ..الخ ومن غير المحبذ ولا المهني ومن الخطأ بمكان خلط هذه الأنواع الحوارية المختلفة ببعضها في سياق حوار واحد .
أما عن التحقيقات الصحفية الرصينة ولاسيما الاستقصائية ، فلابد من إدراج معلومات ،وتضمينها تصريحات شخصيات، وسوق أرقام ووثائق وصور إن وجدت وإحصاءات،ولابد من مقدمة خبرية مثيرة ،وعناوين فرعية مستفزة ،وخاتمة مستوفية،وتساؤلات صحفية مغلقة موجهة للجمهور،وتساؤلات مفتوحة موجهة للمسؤولين،وإلا فإن التحقيق الصحفي سينتهي على شكل موضوع إنشائي لا قيمة صحفية ولا معلوماتية له البتة .
أما الى المراسلين الميدانيين فخلاصة نصيحتي لهم هي إياك أن يظهر من خلفك من يبتسم للكاميرا وأنت تتحدث عن كارثة إنسانية أو مأساة،و إياك أن يظهر من ورائك من يرفع علامة النصر وأنت تتحدث عن جملة الهزائم والانكسارات وعلى مختلف الصعد والمستويات، وإياك أن تستضيف من يدمن البكاء والعويل والشكوى واطلاق العبرات والزفرات والآهات أمام وسائل الإعلام والكاميرات،إياك أن تستضيف من يطلق سيلا من التصريحات والعنتريات والتهديدات،إياك أن تستضيف معتوها أو سكيرا أو مكبسلا لا يعي ، ولا يزن، ولا يدرك ما يقوله،ولا ما يتفوه به أمام العدسات،إياك أن تستضيف متمنطقا ومتلفسفا يدور حول أسئلتك ويتحايل عليها ويتنصل منها ولا يجيب عنها بقدر محاولته استعراض ماضيه وبطولاته ومهاراته الكلامية مع بعض المبالغات والتوابل والفرارات ، إياك أن تكرر معظم تقاريرك المتلفزة إنطلاقا من مكان واحد، أو عدة أماكن متقاربة جغرافيا،ستتهم بالكسل والخمول جماهيريا، وبالتقاعس والمراوغة من قبل إدارة الاذاعة أو الصحيفة أوالمجلة أو القناة ، إياك أن تكرر ضيوفك ،أو مضامين تقاريرك،وحاول تنويع الضيوف والمواضيع باستمرار .
والأهم من كل ما تقدم هو حذار من إخفاء نصف الحقيقة ، وإظهار نصفها الآخر كما حدث ماضيا حين احتدم الصراع بين المسلمين واليهود على ملكية وعائدية جامع الكفل بمحافظة بابل حاليا ، فأرسل الوالي العثماني آنذاك مصورا لتصوير المكان وبيان عائديته من خلال المعالم التي ستظهر في الصور، وإذا بالمصور المرتزق وبعد أن تم رشوته وعلى ما يبدو يسند ظهره الى منارة الجامع ليلتقط صورا للمكان من جميع الاتجاهات وبدرجة 180 وبما لم تظهر المئذنة في أي منها على الاطلاق ، وبما عد يومها دليلا على أن المكان ليس إسلاميا بزعمهم !!
وأضيف أن إظهارك عمدا لمكب للنفايات على بعد أمتار من متنزه كبير وجميل لم تظهره كاميرتك، أو العكس، هو إخفاء لنصف الحقيقة مقابل إبراز نصفها الآخر كما حدث حين ظهر أحدهم وهو يصور فندق ومسرح الهلال القديم جدا الآيل للسقوط حاليا في منطقة الميدان وسط بغداد ، فيما لم يُظهر بعدسته شارع الرشيد الملاصق بحلته الجديدة بعد تأهيله وإعماره وبأجمل ما يكون، ساعتها كان المصور يلتقط صورا لمسرح وفندق الهلال شبه المهدم والذي غنت فيه أم كلثوم عند قدومها الى بغداد عام 1932م،فيما لا قطة المراسل التي تحمل لوغو القناة كانت مصوبة الى بعض المارة كعينات مستضافة عشوائيا ولا على التعيين،وهم يتحدثون ويتساءلون بعد أن ركز المصور والمراسل السؤال والعدسة على المبنى المهدم :”هي هاي بغداد الحضارة؟! ..هي هاي عاصمة الرشيد ؟!..لعد وينكم يابه ؟!”وكان يكفيه أن يدير العدسة بضع مليمترات ليظهر شيئا آخر تماما غير ما يتم بثه وتصويره للمشاهدين ، والحقيقة أن مثل هذه الأمور لا تنطلي على أمثالي – ممن كسروا كحوف الدنيا على رووسهم- وأنا في كل يوم عندي جولة هناك في بغداد القديمة والحبيبة ،إلا أنه سينطلي حتما على العراقيين المغتربين وعلى المشاهدين العرب ولا أشك في ذلك مطلقا!
قبل أيام ظهر ذكر لبناني بقلادته المتدلية والوشوم تملأ ذراعيه طوليا عرضيا،وهو يتحدث جلوسا على عربة خشبية يدفعها أحدهم ليقول وبطريقة المخنثين :”أوووي..أففف، واووو مطاعم وأكل العراق ما عجبني ..فنادق العراق ما عجبتني..الشوارع وسخة…ما في شي نظيف ولا شي يستحق السفر الى العراق ..وهي ذقني إذا راح يجي أحد عندكم من الان فصاعدا!!” إنها الحقيقة الناقصة التي يبرع بنقلها وعلى طريقة مصور الوالي العثماني الآنف بعض المراسلين غير المهنيين ولا الموضوعيين بناء على توجيهات القناة أو المؤسسة أو الجهة الراعية .أودعناكم أغاتي