✍️ خالد الغريباوي
لم يعد الصراع داخل البيئة السياسية الشيعية في العراق يدور حول من يمتلك شرعية تمثيل المكوّن فحسب، بل بات يتمحور حول طبيعة الدولة التي يريدها العراقيون. فهناك من لا يزال يتمسك بمنظومة المحاصصة والاحتكار الحزبي التي كرّست نفوذ الأوليغارشيات السياسية على مدى أكثر من عقدين، في مقابل تيار يتبنى خطاب الدولة والمؤسسات والمواطنة، ويسعى إلى إعادة تعريف العمل السياسي بعيداً عن الاصطفافات الطائفية ،ومع اتساع هذا التحول، تصاعدت حدة المواجهة السياسية والإعلامية، وبرزت حملات تسقيط واستهداف متبادل تعكس حجم الصراع على مستقبل الدولة العراقية.
منذ عام 2003 شكّل المكوّن الشيعي الثقل السياسي الأكبر في النظام السياسي العراقي الجديد، إلا أن هذا الثقل لم يُترجم إلى مشروع دولة راسخ، بقدر ما أدى إلى تكوين منظومات حزبية مغلقة وأقطاب نفوذ سياسي واقتصادي، باتت تُعرف في الأدبيات السياسية بـ”الأوليغارشيات الشيعية”. وقد سعت هذه القوى إلى احتكار تمثيل المكوّن، وربط الهوية المذهبية بالمشروع الحزبي، وتعزيز نفوذها داخل مؤسسات الدولة، بما أسهم في إضعاف المشاريع الوطنية البديلة.
وتُعرّف الأوليغارشية في العلوم السياسية بأنها نمط من أنماط الحكم تتركز فيه السلطة والثروة بيد أقلية منظمة، تستفيد من ضعف المؤسسات وغياب المنافسة السياسية. وقد تجسدت هذه الظاهرة في العراق من خلال قوى سياسية كرست الوصاية الحزبية، والاحتكار المؤسسي، وتغليب الولاءات على معايير الكفاءة، إلى جانب تهميش الشخصيات والتيارات التي تبنت مشروع الدولة الوطنية.
في المقابل، شهدت السنوات الأخيرة بروز قوى شيعية إصلاحية تسعى إلى تجاوز معادلة التمثيل الحزبي الحصري، وتقديم نموذج مختلف لإدارة الدولة يقوم على تعزيز المؤسسات وتحسين الخدمات وترسيخ مبدأ المواطنة. ويُعد التيار السياسي الذي يقوده السيد محمد شياع السوداني، الذي يركز على بناء الدولة والإدارة المهنية وتحقيق المصالح الوطنية هو المشروع الاخطر على هذه الاوليغارشيات.
ويرى مؤيدو هذا المشروع أن تصاعد حملات التسقيط السياسي والإعلامي ضده يعكس حجم التحدي الذي يمثله لمنظومات النفوذ التقليدية، إذ إن نجاح مشروع الدولة والمؤسسات من شأنه أن يحد من نفوذ شبكات المصالح التي تشكلت خلال العقدين الماضيين، وفي المقابل ترى أطراف أخرى أن هذه الانتقادات وحملات التسقيط تندرج ضمن المنافسة السياسية التي تهدد مستقبل الحرس القديم، ويبقى الحكم النهائي لما يحققه المشروع من نتائج ولما يقرره الناخب العراقي مستقبلاً.
ورغم قوة الأوليغارشيات وتشابك مصالحها مع مؤسسات الدولة، فإنها ليست كيانات أبدية، بل تخضع لقوانين التحول السياسي والاجتماعي. فارتفاع وعي الناخب، وتراجع تأثير الخطابات الطائفية، وتزايد المطالبة بالإصلاح والخدمات، إلى جانب تعزيز مهنية مؤسسات الدولة، كلها عوامل قد تسهم في إعادة تشكيل المشهد السياسي العراقي القادم.
إن مستقبل المكوّن الشيعي، بل ومستقبل العراق عموماً، لن يتحدد بقدرة أي طرف على احتكار التمثيل، وإنما بقدرته على بناء دولة عادلة وقوية تستند إلى سيادة القانون وكفاءة المؤسسات واحترام إرادة المواطنين. فالدولة الحديثة لا تُبنى بالأغلبيات السياسية وحدها، بل ببناء الثقة بين المواطن والدولة، وترسيخ المواطنة بوصفها الأساس الحقيقي للاستقرار والتنمية والحكم الرشيد..