جديد

دروس قرآنية والمقاومة العراقية (ح 25) (أخلد الى الأرض واتبع هواه)‎

الكاتب : فاضل حسن شريف

إن الذي يتبع هواه بما هو يريد عكس ما تريده المرجعية الدينية في الدولة التي يتنعم من خيراتها كما هم القلة القليلة من المقاومة العراقية التي تريد التدخل خارج حدودها وتضرب هذا وذاك، مما تجعل الطرف الآخر الذي تساعده دول العالم العظمى يحطم البنية التحتية العراقية التي هي تحت التطوير، بالإضافة إلى التضحية بالأبرياء من الشعب العراقي. جاء في الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل للشيخ ناصر مكارم الشيرازي: قوله تعالى “وَلَوْ شِئْنَا لَرَفَعْنَاهُ بِهَا وَلَٰكِنَّهُ أَخْلَدَ إِلَى الْأَرْضِ وَاتَّبَعَ هَوَاهُ ۚ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ الْكَلْبِ إِن تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ أَوْ تَتْرُكْهُ يَلْهَث ۚ ذَّٰلِكَ مَثَلُ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا ۚ فَاقْصُصِ الْقَصَصَ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ” (الأعراف 176) تشبّه الآية هذا الفرد بالكلب الذي يخرج لسانه لاهثا دائما كالحيوانات العطاشي فتقول “فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ الْكَلْبِ إِنْ تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ أَوْ تَتْرُكْهُ يَلْهَثْ”. فهو لفرط اتّباعه الهوى وتعلقه بعالم المادة انتابته حالة من التعطش الشديد غير المحدود وراء لذائذ الدنيا، وكل ذلك لم يكن لحاجة، بل لحالة مرضيّة، فهو كالكلب المسعور الذي يظهر بحالة عطش كاذب لا يمكن ارواؤها وهي حالة عبيد الذين لا يهمهم غير جمع المال واكتناز الثروة فلا يحسون معه بشبع أبدا. ثمّ تضيف الآية: إنّ هذا المثال الخاص لا يتعلق بفرد معين، بل: “ذلِكَ مَثَلُ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا فَاقْصُصِ الْقَصَصَ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ”. العالم المنحرف (بلعم بن باعوراء): كما لاحظنا أنّ الآيات السالفة لم تذكر اسم أحد بعينه، بل تحدثت عن عالم كان يسير في طريق الحق ابتداء وبشكل لا يفكر معه أحد بأنّه سينحرف يوما، إلّا أنّه نتيجة لاتّباعه لهوى النفس و بهارج الدنيا انتهى إلى السقوط في جماعة الضالين وأتباع الشياطين. غير أنّنا نستفيد من أغلب الرّوايات وأحاديث المفسّرين أن هذا الشخص يسمّى (بعلم بن باعوراء) الذي عاصر النّبي موسى عليه السلام وكان من مشاهير علماء بني إسرائيل، حتى أن موسى عليه السلام كان يعوّل عليه على أنّه داعية مقتدر، وبلغ أمره أن دعاءه كان مستجابا لدى الباري جل وعلا، لكنّه مال نحو فرعون وإغراءاته فانحرف عن الصواب، وفقد مناصبه المعنوية تلك حتى صار بعدئذ في جبهة أعداء موسى عليه السلام. إلّا أننا نستبعد ما يحتمله بعضهم من أن المقصود هو (أمية بن الصلت) الشاعر المعروف في زمان الجاهلية، الذي كان بادئ أمره ونتيجة لاطلاعه على الكتب السماوية ينتظر نبي آخر الزمان، ثمّ حصل له هاجس أن النّبي قد يكون هو نفسه، ولذلك بعد أن بعث النّبي صلى ‌الله‌ عليه‌ وآله ‌وسلم أصابه الحسد له وعاداه. وبعيد كذلك ما احتمله بعضهم من أنّه كان (أبا عامر) الراهب المعروف في الجاهلية، الذي كان يبشر الناس بظهور رسول الإسلام صلى ‌الله‌ عليه‌ وآله ‌وسلم لكنّه بعد ظهوره صار من أعدائه. لأنّ جملة (واتل) وكلمة (نبأ) وجملة (فاقصص القصص) تدل على أنّ تلك الأمور لا تتعلق بأشخاص عاصروا الرسول صلى ‌الله‌ عليه‌ وآله ‌وسلم. بل بأقوام سابقين، مضافا إلى تلك فإنّ سورة الأعراف من السور المكية وقضيتا (أبي عامر الراهب) و (أمية بن الصلت) تتعلقان بحوادث المدينة. ولكن بما أن أشخاصا على غرار (بلعم) كانوا موجودين في عصر النّبي صلى ‌الله‌ عليه‌ وآله ‌وسلم ك (أبي عامر) و (أمية بن الصلت) فإنّ الآيات محل البحث تنطبق على هذه الموارد في كل عصر وزمان، وإلّا فإنّ مورد القصّة هو (بلعم بن باعوراء) لا غير.

جاء في موقع وكالة أنباء براثا عن القرآن الكريم علويا للكاتب نزار حيدر: بعد ان حولنا القران الكريم الى مجموعة تعاويذ نقراها عند الحاجة، فاذا اراد احدنا، مثلا، ان يرزقه الله ولدا قرأ الاية الفلانية، واذا ارادت الام ان تستعجل نصيب ابنتها تقرأ السورة الكذائية، وإذا اشتهى أحدنا أن يوسع الله عليه رزقه قرأ السورة العلانية، واذا مات احد هرعنا الى القران الكريم لنقرأ بعض آياته على قبره ليرحمه الله ويسكنه فسيح جنانه، وهكذا، ولكن،هل ترانا رجعنا الى القرآن الكريم نبحث فيه عن حلول لمشاكلنا الاجتماعية؟ وهل عدنا اليه عندما تتدهور العلاقة بين افراد الأسرة الواحدة؟ وهل قرأناه لنعرف الحل المناسب الذي يقدمه لنا عندما تزداد وتنتشر الأمراض الاجتماعية في مجتمعاتنا، كالجريمة المنظمة والفساد المالي والاداري والتحلل الخلقي وغير ذلك؟ هل عدنا اليه لنتلمس في آياته الكريمة معالم الطريق لحياة سعيدة ملؤها الصحة والامن وحسن الجوار والاسرة السعيدة والرفاهية؟ وهل عدنا اليه لنتعلم كيف نقيم نظاما سياسيا عادلا ومستقرا يقوم على اساس مبادئ الحرية والشراكة والشورى؟ وهل قرأنا قصص الأمم السالفة بطريقة نتعلم فيها كيف ولماذا تنقرض أمم وشعوب؟ وكيف وبماذا تنهض أمم وشعوب اخرى؟ وهل لجأنا الى آياته إذا ما داهمنا خطر قيام نظام شمولي استبدادي وراثي قمعي بوليسي لنعرف كيف الخلاص وبماذا؟ وهل تعلمنا منه كيف نواجه الاعلام المضلل والدعاية السوداء؟ وهل علمتنا سوره وآياته كيف نتحاور وكيف يحترم بعضنا وجهة نظر البعض الاخر، بلا تعصب اعمى من اجل الوصول الى الحقيقة؟ ابدا ابدا، لاننا لم نعد نتعامل مع القرآن كمرجع لحل مشاكلنا او من اجل حياة افضل، انما حولناه، كما قلت آنفا، الى تعاويذ متفرقة لا اكثر ولا اقل.الم اقل لكم بان السر فينا وليس في القرآن الكريم، في طريقة تعاملنا وطبيعة علاقتنا معه وليس في آياته المحكمات؟.هذا من جانب، ومن جانب آخر فإننا حولنا آيات القرآن الكريم الى رموز وصور واشكال ميتة لا حياة فيها ولا حراك، من خلال اهتمامنا بقراءته فقط، فإذا بنا نتبارى في تجويده وترتيله، ونتسابق في ختم اجزائه خاصة في شهر الله الفضيل رمضان المبارك، فهذا ختمه مرة في هذا الشهر الفضيل وذاك ختمه مرتين وثالث ختمه ثلاث او اربع مرات وهكذا، بسرعة بسرعة حتى لا يلحق بنا احد، أما اذا سالنا انفسنا، في كم آية تدبرنا في شهر رمضان الكريم؟ وفي كم آية تفكرنا؟ وكم آية تركت في نفوسنا وعقولنا اثرا فغيرت سيرتنا او بدلت فهمنا ووعينا للاشياء والاحداث او بدلت من سلوكياتنا المنحرفة او من علاقاتنا السيئة؟ فهذا ما لا يهتم به احد ولا يسال عنه أحد.صحيح أن قراءة القرآن الكريم أمر مستحب جدا، وان الابداع في قراءته، شكلا وصوتا ومضمونا، أمر مستحب هو الاخر، ولكنه ليس الهدف ابدا، وليس المنتهى ابدا، وانما حثت الآيات والروايات على القراءة والتجويد والترتيل من اجل ان يترك فينا الاثر المطلوب، والا فما فائدة القراءة المجردة والترتيل والتجويد الميت الذي لا يؤثر في نفوسنا وجوارحنا شيئا؟ أولم يقل القرآن الكريم متحدثا عن الأثر الذي تتركه آيات القرآن على جبل، فكيف لا تترك اثرها على القلوب وفي النفوس؟ يقول تعالى “لو انزلنا هذا القران على جبل لرأيته خاشعا متصدعا من خشية الله وتلك الامثال نضربها للناس لعلهم يتفكرون”.

ويتطرد الكاتب نزار حيدر قائلا: نعود إلى السؤال الذي صدرنا به الحديث، وهو، كيف نقرأ القرآن الكريم؟. الجواب: اولا: بطريقة التفكر والتدبر، لتترك آياته الأثر المطلوب.والتدبر والتفكر لغة، يقال (تفكر اذا ردد قلبه معتبرا) اي ان التفكر في الاية يلامس القلب من جانب ويترك الأثر المطلوب من جانب آخر، ولذلك ورد في القرآن الكريم هذا المعنى بقوله عز وجل “أفلا يتدبرون القرآن أم على قلوب اقفالها” فالذي يغلق قلبه بقفل كبير لا يمكنه أن يتفكر ابدا، وبالتالي لا يمكنه ان ان يعتبر بالآيات بأي شكل من الأشكال.وإذا عدنا الى الآيات القرآنية التي تحث على التدبر والتفكر، فسنكتشف حقيقة في غاية الاهمية، الا وهي ان كل آيات الله تعالى في خلقه لا يمكن أن يشعر بها الانسان او يتحسسها او يعتبر بها او يتلمس عظمتها وسرها وفلسفتها الا بالتفكر والتفكر فقط، ففي الآيات: “ولو شئنا لرفعناه بها ولكنه أخلد الى الأرض واتبع هواه فمثله كمثل الكلب إن تحمل عليه يلهث او تتركه يلهث ذلك مثل القوم الذين كذبوا بآياتنا فاقصص القصص لعلهم يتفكرون” (الأعراف 176). “إنما مثل الحياة الدنيا كماء أنزلناه من السماء فاختلط به نبات الارض مما ياكل الناس والانعام حتى اذا أخذت الارض زخرفها وازينت وظن أهلها أنهم قادرون عليها اتاها امرنا ليلا او نهارا فجعلناها حصيدا كأن لم تغن بالامس كذلك نفصل الآيات لقوم يتفكرون”. “الذين يذكرون الله قياما وقعودا وعلى جنوبهم ويتفكرون في خلق السماوات والأرض ربنا ما خلقت هذا باطلا سبحانك فقنا عذاب النار”.”وهو الذي مد الأرض وجعل فيها رواسي وانهارا ومن كل الثمرات جعل فيها زوجين اثنين يغشي الليل النهار إن في ذلك لآيات لقوم يتفكرون”.”ينبت لكم به الزرع والزيتون والنخيل والاعناب ومن كل الثمرات إن في ذلك لآية لقوم يتفكرون”.”ثم كلي من كل الثمرات فاسلكي سبل ربك ذللا يخرج من بطونها شراب مختلف الوانه فيه شفاء للناس إن في ذلك لآية لقوم يتفكرون”. “ومن آياته أن خلق لكم من انفسكم ازواجا لتسكنوا اليها وجعل بينكم مودة ورحمة إن في ذلك لآيات لقوم يتفكرون”.”الله يتوفى الانفس حين موتها والتي لم تمت في منامها فيمسك التي قضى عليها الموت ويرسل الاخرى الى اجل مسمى ان في ذلك لآيات لقوم يتفكرون”. “وسخر لكم ما في السماوات وما في الأرض جميعا منه إن في ذلك لآيات لقوم يتفكرون”. “لو انزلنا هذا القران على جبل لرايته خاشعا متصدعا من خشية الله وتلك الأمثال نضربها للناس لعلهم يتفكرون”.”أفلا يتدبرون القرآن ولو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافا كثيرا”. اذن، فكل آيات الله تعالى الاجتماعية والاعجازية، في الآفاق والكون والخلق، وآياته في الرزق وفي عظمة الخالق، بل وحتى آية الله سبحانه وتعالى في خلق القرآن الكريم، لا يمكن أن نفهمها و نستوعبها إلا بالتفكر والتدبر، لأن آيات الله من العمق والسعة ما لا يمكن أن تترك فينا أثرا من دون التدبر والتفكر، فضلا عن أن مرجعية آيات القرآن الكريم لا يمكن أن تتحقق من دون التدبر والتفكر.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *