جمعة العطواني
يقول سيد الشهداء الامام الحسين عليه السلام لاخته لحوراء زينب عليها السلام(اعلمي ان اهل الارض يموتون، وان اهل السماء لا يبقون، وان كل شيء هالك الا وجه الله الذي خلق الارض بقدرته ويبعث الخلق فيعودون وهو فرد وحده).
لا اريد من هذه المقدمة ان اعظكم، لانكم عشتم تجارب الحياة بحلوها ومرها، وبعضكم يحمل دينا ومخافة من الله، ما يجعله واعظا لنفسه، لكن وكما يقول الامام الجواد عليه السلام(المؤمن يحتاج الى ثلاث خصال : توفيق من الله، وواعظ من نفسه، وقبول ممن ينصحه).
فمن باب النصح بحكم التجربة التي عشناها معا، والتي يجب ان نستفيد منها للمستقبل نقول:
ان اغلبكم قد بلغ به العمر مبلغه، وسنة الحياة تسير فيكم كما سارت بمن قبلكم، وللعمر استحقاق هو بالغه، وكل انسان تارك له اثر، طيبا كان او سيئا، وعلى ذلك الاثر يثاب او يعاقب.
تعلمنا من مراجعنا الحركيين، ان العمل الصالح لا يقتصر على الاعمال الفردية العبادية التي يؤديها المسلم فيثاب عليها، وانما الاكثر اهمية من ذلك هو الاثر الاجتماعي لعمل الانسان، الذي يترك اثره على حياة المجتمع ومستقبل الامة، وبخاصة اذا كان هذا العمل صادر من انسان يحمل او يتحمل تاريخا من الدماء والتضحيات والتي سيُسألُ عنها يوم القيامة بوصفه وارثا لتلك الدماء.
فالاثر الاجتماعي لعمل الانسان لن ينتهي بموته مثلما تنتهي اعماله العبادية الفردية، ولدينا شواهد عملية للكثير من الاعمال الاجتماعية التي تركها ائمتنا ومراجعنا وعلمائنا، ولا زلنا نعيش ببركتها، رغم مرور عقود واحيانا قرون من الزمان.
فالامام الخميني (قدس) ترك لنا مشروعا الهيا اجتماعيا احيا امة بكاملها، بعد ان كانت تعيش على هامش التاريخ السياسي والاجتماعي، وتعد في نظر الامم والمجتمعات من الامم الميتة سياسيا واجتماعيا وثقافيا.
فرحل الامام ومعه صلاته وصومه وسائر عباداته الفردية، لكن ترك عمله السياسي والاجتماعي والفكري يتحرك في ضمير الامة ووجدانها، فهو حي بيننا بوجوده الاجتماعي والسياسي، من خلال المشروع الالهي الذي اسسه، والفناء بالله في سلوكه، والتوكل على الله، والايثار العظيم، فهو كما قال امير المؤمنين عليه السلام (ما رايت شئيا الا ورايت الله قبله وبعده ومعه)، فضلا عن اختيار القيادة الشابة(في وقتها) التي هيأها وراقبها واعطاها من فيض علمه وحركته وتجربته في الحياة ، والتي استطاعت ان تملا الفراغ الكبير والهائل الذي تركه رحمة الله عليه بعد رحيله الى ربه تعالى بنفس راضية مرضية مطمئنة على مشروعها الرسالي.
انتم الان على اعتاب مرحلة سياسية جديدة، او بتعبير اصح مرحلة اخرى من التجربة السياسية الجديدة، وقد بلغتم ما بلغتم من اعماركم بعد سنوات من المعارضة ضد الطاغوت البعثي، وسنوات في ادارة الدولة .
لا نعلم من منا ومنكم يبقى على قيد الحياة الى عام نهاية عام 2029م(موعد الانتخابات انذاك)، لكن على احسن التقادير، فان اياً منكم بقي على قيد الحياة، فلن يكون بنفس القدرة البدنية، او حتى الذهنية التي عليها اليوم.
غدا نلتقي جميعا امام الله تعالى، وسيكون حسابكم اعمق واكبر من حسابنا(نحن الذين لم نتصدى للمسؤولية يوما ما)، فيسالكم الله تعالى عما ترتكتموه للامة ليكمل المشوار الذي بداتموه. وكذا نحن نعلم ان الله يعلم السرائر، فيسالكم عن الهدف من هذا التنافس والتزاحم في دنياكم، هل هو لوجه الله وخدمة الامة؟ ام هو تخاصم وتنافس لاجل الدنيا؟.
نحن لا نعلم ، لكن الله (يعلم السر واخفى)، وهذه الفرصة لا زالت امامكم، فاليوم عمل بلا حساب، وغدا حساب بلا عمل.
منذ سنوات بدانا نسمع (بالازاحة الجيلية) بمعنها السلبي، اي ان هناك من يريد ازاحتكم ويتصدر المشهد وهو خصم لكم وربما لشرائح كبيرة من المجتمع، لكن امامكم مفهوم (التكامل الجيلي) الذي هو سنة الحياة ان احسنتم توظيفة خدمة للمجتمع والامة، فامامكم جيل من النخب والكفاءات الخيرة والحريصة على دينها ومجتمعها، وهي الاخرى حريصة على التصدي لاكمال المهمة.
ان احد اهم اسباب تراجع مشروعكم السياسي هو تمسككم بالمسوؤلية العليا، دون فسح المجال لغيركم من الكفاءات، فنحن لم نسمع منكم مقولة (السعيد من اكتفى بغيره الا حينما تخسرون جولة من الجولات الساسية).
الان بكل حرص واخلاص عليكم ان تقدموا النخب والكفاءات العراقية(ولو من داخل احزابكم) للتصدي للمسؤولية السياسية في مختلف مجالاتها، ما دمتم على قيد الحياة، لتقروا عيونكم بثمار عملكم الاجتماعي في الدنيا قبل الاخرة.
ارجو ان تكون تجربة السيد محمد شياع السوداني درسا لكم، فالرجل كان قبل عشرين عاما موظفا بدرجة قائم مقام، ثم محافظ، ثم تدرج في عمله حتى اصبح احد الرموز السياسية، اذ اصبح منافسا لكم، رغم قصر المدة والتجربة السياسية .
محمد شياع السوادني يجب ان يكون ظاهرة نستفيد منها جميعا، فكم محمد شياع السوداني داخل احزابكم، ان اعطيتموهم الفرصة سيتحولون الى رموز سياسية يقرون عيونكم ويكملون مشواركم، ويترحم الناس عليكم، وتواجهون ربكم بوجه ابيض، وتكون قد فزتم بخير الدينا والاخرة، ففي الدنيا تجدون اثار عملكم وجهودكم قد توجت بشخصيات كفوءة تخدم الامة، وفي الاخرة تجيبون على سؤال الله تعالى: ماذا خلفتم وراءكم، وماهي اثار الشهداء في مسيرتكم العملية عندما كنتم قادة للمجتمع؟.
عندما هلك معاوية بن ابي سفيان بات يلعنه التاريخ والناس جيلا بعد جيل، ليس لانه فتك بالامة وقتل خيرة واشرف صحابة رسول لله (صلى الله عليه واله وسلم)، واغتصب الحق الشرعي لاهل البيت عليهم السلام فحسب، بل لانه ترك للامة اقذر شخصية، واكثرها انحطاطا، فعلينا ان نتعظ من الماضي التي قراناه في التاريخ، فاما ان تكونوا رحمة للامة باختيار الاصلح لها كما فعل الامام الخميني(قدس)، اوتكونوا لعنة على لسان الشهداء والناس اجمعين كما يحصل مع معاوية.