جديد

الغاز العراقي بين التعطيل الأمريكي والطموحات الصهيونية: هل تُجمَّد موارد غرب الفرات لصالح مشروع “إسرائيل الكبرى”؟

ضياء ابو معارج الدراجي

مقدمة:
يمتلك العراق ثروات طبيعية هائلة، من بينها احتياطات ضخمة من الغاز الطبيعي لا تزال غير مستغلة، وخاصة في مناطقه الغربية مثل محافظة الأنبار و الشرقية مثل ديالى. رغم أهمية هذه الثروات لإعادة بناء الاقتصاد العراقي وتحقيق الاستقلال الطاقي، إلا أن مشاريع تطويرها إما تم تأجيلها أو تعطيلها بالكامل، وسط تساؤلات شعبية ونخبوية عن أسباب هذا الجمود المستمر.

من بين أبرز الفرضيات المطروحة: دور الولايات المتحدة في تعطيل الاستثمار، وربما وجود نوايا إسرائيلية لحفظ هذه الموارد لصالح “إسرائيل الكبرى” إذا ما أتيحت الفرصة في المستقبل لاحتلال غرب الفرات.

أولًا: ثروات العراق الغازية – كنز معطّل

العراق يحتل المرتبة 11 عالميًا في احتياطي الغاز الطبيعي، مع أكثر من 132 تريليون قدم مكعب، أغلبها غير مستثمر حتى اليوم. مناطق غرب الفرات (الأنبار وديالى) تحديدًا تحتوي على أهم الحقول غير المطورة، أبرزها:

1-حقل عكاز في الأنبار: يُقدّر احتياطه بـ5.6 تريليون قدم مكعب.
2-حقل المنصورية في ديالى: يُقدّر احتياطه بـ4.5 تريليون قدم مكعب.
3-احتياطات ضخمة من الفوسفات والكبريت والمعادن النادرة في البادية الغربية.

ورغم توقيع عقود مع شركات كورية وصينية وروسية في السنوات الماضية، لم تُنفذ أي مشاريع فعلية، إما لأسباب أمنية، أو لضغوط سياسية خارجية.

ثانيًا: الدور الأمريكي – تحكّم غير مباشر وتعطيل استراتيجي

رغم أن الولايات المتحدة لا تُعلن رسميًا معارضتها لتطوير الغاز في غرب العراق، إلا أن سلوكها السياسي يُظهر أنها:

1. تمارس ضغوطًا على بغداد لمنع الشراكات مع الصين وروسيا

كل محاولة من العراق لعقد اتفاقيات مع شركات صينية أو روسية لتطوير الحقول الغازية قوبلت بتعطيل مباشر أو غير مباشر.

واشنطن تخشى من توسع نفوذ بكين وموسكو في قلب الشرق الأوسط، وتعتبر العراق ساحة حساسة لهذا الصراع الجيوسياسي.

2. تُبقي العراق معتمدًا على الغاز الإيراني

العراق يستورد نحو 40% من طاقته الغازية من إيران.

أمريكا تمنح استثناءات دورية لهذا الاستيراد، ما يجعل القرار الطاقي العراقي مرتهنًا للقرار الأمريكي.

أي تطوير للغاز المحلي يعني فك هذا الارتباط، وهو ما لا تريده واشنطن في الوقت الحالي،لانها تسخدمه كورقة ضغط سياسية على الحكومتين العراقية والايرانية في نفس الوقت، ولا تريد خسارة هذه الورقة.

3. تُضخّم العامل الأمني لتبرير تجميد المشاريع

تُصنّف مناطق الأنبار وديالى كمناطق “غير مستقرة”، رغم تحسن الأوضاع نسبيًا.

يُستخدم هذا التصنيف كذريعة لوقف الاستثمارات الطاقية، رغم أن مناطق أخرى أكثر خطورة تُستثمر فيها دوليًا.

ثالثًا: فرضية “إسرائيل الكبرى” وحفظ الثروات للأجيال الصهيونية

تُشير نظرية “إسرائيل الكبرى” إلى خريطة توراتية تمتد من النيل إلى الفرات، وتشمل بذلك أجزاء من العراق، وخاصة مناطق غرب الفرات. ورغم عدم وجود إعلان رسمي إسرائيلي بهذا المعنى، فإن هناك من يرى أن:

إسرائيل قد تستفيد لاحقًا من انهيار الدول حولها لتوسيع نفوذها الجغرافي أو الاقتصادي.

تجميد استخراج الثروات في مناطق مثل الأنبار يُبقيها محفوظة كرصيد جيواقتصادي مستقبلي.

وبالتالي:

يُرجَّح أن بعض القوى الدولية، بما فيها الولايات المتحدة، تُحافظ على هذه الموارد في وضعية “كنز مؤجل” لاستخدامها في حال تبدّلت الخرائط أو تحققت مشاريع الهيمنة الإقليمية.

في هذا السياق، فإن منع استثمار موارد الأنبار اليوم، قد لا يكون فقط خدمة لمصالح آنية، بل استثمار مستقبلي غير مباشر لصالح من يُمكن أن يرث هذه الأرض لاحقًا.

رابعًا: ماذا يعني تعطيل هذه الموارد للعراق؟

1-خسائر اقتصادية سنوية بمليارات الدولارات بسبب حرق الغاز واستيراده من الخارج.
2-تأخير في التنمية الإقليمية في محافظات الغرب العراقي، ما يخلق فراغًا تنمويًا وأمنيًا دائمًا.
3-ضعف السيادة الوطنية نتيجة اعتماد الطاقة على الخارج.
4-إطالة عمر الهيمنة الأجنبية (أمريكية أو خليجية) على القرار الطاقي العراقي.

خامسًا: هل هناك سبيل للخروج من هذا الحصار غير المعلن؟

يمكن للعراق كسر هذه الحلقة عبر:

1. إرادة سياسية موحدة داخلية لا تخضع للمحاصصة أو الضغوط.
2. تنويع الشركاء الدوليين من خلال التفاوض مع شركات لا تخضع للنفوذ الأمريكي المباشر (مثلاً الهندية أو الماليزية).
3. استغلال أوراق التفاوض مع أمريكا والغرب لتشغيل هذه الحقول ضمن اتفاقات متوازنة تحفظ للعراق سيادته.
4. تنمية محلية للأمن والبنية التحتية في غرب العراق لضمان بيئة استثمارية مستقرة.

خاتمة:

الغاز العراقي، وبالأخص في غرب الفرات، ليس مجرد ملف اقتصادي، بل ساحة صراع استراتيجي بين القوى الكبرى، في مقدمتها الولايات المتحدة، وربما في خلفيتها أطماع بعيدة المدى ترتبط بخريطة “إسرائيل الكبرى”. تعطيل استثمار هذه الثروات لا يبدو بريئًا، بل يُدار بحسابات دقيقة، تُراعي المستقبل الجيواستراتيجي للمنطقة، وقد تُفضي في حال غياب الوعي العراقي إلى ضياع الكنز تحت ركام الجغرافيا السياسية.

ضياء ابو معارج الدراجي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *