رسالة إلى الفائزين في الانتخابات النيابية..!

كندي الزهيري

“إنها الأمانة التي أبَتها الجبال…” ها قد أسدل الستار على موسم الانتخابات، وهدأت الضوضاء التي كانت تعلو في كل شارعٍ وساحةٍ ومنبر، وانطفأت الأضواء التي كانت تُغري الوجوه بالوعود، وها أنتم الآن – أيها الفائزون – تقفون على أعتاب مرحلةٍ جديدة، لا تُقاس بخطواتٍ نحو البرلمان، بل بخطواتٍ نحو امتحان الله والتاريخ والضمير. لقد منحكم الشعب ثقته، لا لتعلو عليه، بل لتكونوا صوته حين يُخنق، وكرامته حين تُهان،

وعدله حين يُظلم. لقد عرضتم أنفسكم طلاباً للأمانة، فوهبكم إيّاها، وهي أثقل مما يتخيل الطامحون،

وأقدس مما يتصوّر الساعون إلى المجد السياسي.  “إنا عرضنا الأمانة على السماوات والأرض والجبال فأبين أن يحملنها وأشفقن منها…” فهل تدركون، يا من حملتموها، ما أنتم مقبلون عليه؟

إنها ليست أمانة مالٍ أو جاهٍ أو شعار، بل أمانة وطنٍ مجروحٍ يتنفس على أنقاض الصبر، وأمانة أجيالٍ تنظر إليكم كأنكم آخر خيطٍ يربطها بالأمل. أيها السادة النواب… لا تُغريكم القباب المزخرفة ولا المجد السياسي، فكل ما تحتها زائل، إلا ما يُكتب في سجلّ الأمانة. أنتم اليوم تُحاسَبون على الوعد قبل الفعل، وعلى النية قبل القرار، وعلى الصمت قبل الكلام.

فإن صُنتم الأمانة أعانكم الله عليها، وإن خنتموها سلّط الله عليكم غضبه، ولو بعد حين. لا تجعلوا البرلمان ميدانَ مصالحٍ وأهواء، بل محراباً للحقّ والكرامة، فالشعب لم ينتخبكم لتزيدوا عدد الكراسي، بل لتقللوا عدد الهموم.

واذكروا أن كل توقيعٍ منكم على ورقةٍ ظالمة، وكل سكوتٍ عن فسادٍ صريح، هو سهمٌ في صدر العراق. كم من نائبٍ رفع شعار الوطن، فلما جلس على الكرسي نسي الوطن!
وكم من سياسيٍّ تحدّث عن الكرامة، فلما ابتُلي بالمصلحة خانها! فاحذروا أن تكونوا مرآةً لخيبةٍ جديدة، فإن هذا الشعب تعب من الخيبات، وضاق من الوجوه المتكررة التي تتبدّل أسماؤها ولا تتبدّل أفعالها.

إن الكرسي الذي تجلسون عليه، يا من اختاركم الناس، صنعه تعبُ الفقراء، ودموعُ الأمهات، ودماءُ الشهداء. فلا تجعلوه سلعةً في سوق التحالفات، بل مقعداً يليق بمن يعرف معنى القسم أمام الله.

واعلموا أن الزمن لا يُنصف من يخون، وأن ذاكرة الشعوب أطول من أعمار السياسيين. فكونوا كما وعدتم، لا كما اعتدتم. كونوا صوتاً للعراق لا صدى لمصالحٍ عابرة. غداً، حين تُطفأ الأضواء، وتخلو المقاعد، وتُغلق الأبواب، سيبقى سؤال واحد يلاحقكم:

هل كنتم أوفياء للأمانة؟