العراق بعد الاقتراع: بين تجديد الوجوه وإستعادة الثقة..!

طه حسن الأركوازي

ها قد أنتهى السباق الانتخابي ، وتم أعلان النتائج الأولية التي وضعت العراق مُجدداً أمام لحظة أختبار جديدة قد لا تكون الأولى لكنها قد تكون الأهم منذ عام 2003 ، فالعراقيون الذين ذهبوا إلى صناديق الاقتراع في الحادي عشر من تشرين الثاني 2025 ، لم يصوّتوا هذه المرة لأشخاصٍ بقدر ما صوّتوا لأملٍ مفقود ،

ولحلمٍ مؤجل بدولةٍ تُنصف أبناءها وتضع مصلحة الوطن فوق الحسابات الحزبية والمناطقية ، أنتخاباتٌ شهدت حضوراً مُتفاوتاً ، وحِراكاً سياسياً صاخباً ، لكن خلف الضجيج ظلّ السؤال قائماً ، هل ستلد هذه النتائج واقعاً مختلفاً ، أم أنها مجرّد إعادة تدويرٍ لمشهدٍ يعرفه العراقيون جيداً .؟

لقد خاض أكثر من سبعة آلاف مرشح غمار المنافسة على 329 مقعداً في مجلس النواب ، في أجواءٍ بدت مألوفة من حيث الشعارات الفضفاضة والوعود المؤجلة ، لكنها مختلفة من حيث المزاج العام الذي طغى عليه الحذر واللامبالاة .

المواطن العراقي دخل هذه الدورة مُثقلاً بتجاربٍ أنتخابية لم تُثمر سوى مزيدٍ من الانقسام والتناحر ، فبات يرى في الصندوق وسيلةً لتثبيت النفوذ أكثر مما هو أداةٌ للتغيير ، فالمال السياسي تمدد في مفاصل العملية الانتخابية حتى أصبح أحد معايير القوة والتأثير ، في حين أنكمشت البرامج الوطنية وتراجعت الكفاءة أمام سطوة الإنفاق والدعم غير المشروع .

وفي هذا المشهد الملتبس ، تبرز حقيقة مؤلمة مفادها أن الديمقراطية في العراق ما زالت تُمارس في شكلها لا في جوهرها ، فالتجارب المُتكررة أظهرت أن تشكيل الحكومات لا يتم وفق الإرادة الشعبية الخالصة ، بل عبر تفاهمات ما بعد النتائج ، حيث تُدار السلطة في غرف التوازنات لا في فضاء الانتخابات ،

وقد حذّر عدد من المراقبين الدوليين ، من بينهم الباحث “ريناد منصور” من معهد “تشاتام هاوس”، من أن الانتخابات العراقية باتت أداةً لإعادة توزيع النفوذ بين النُخب أكثر من كونها أختباراً لمبدأ التداول السلمي للسلطة .

لكن رغم ذلك لا يمكن إنكار أن كُل دورة أنتخابية تمثل فرصة جديدة لتصحيح المسار ، فالأمم التي تتعثر ليست تلك التي تخطئ ، بل تلك التي لا تتعلم من أخطائها ، ومن هنا تبرز الحاجة المُلحة إلى أن تتحول نتائج هذه الانتخابات إلى نقطة أنطلاق لإعادة بناء الثقة المفقودة بين المواطن والدولة ، من خلال حكومة وطنية خدمية تضع مصلحة العراق فوق كُل أعتبار ، وتكسر حلقة التوافقات والمحاصصة التي أرهقت الوطن وأفقدته توازنه لعقود .

لقد أثبتت التجارب السابقة أن الوعود الانتخابية تفقد معناها إذا لم تتحول إلى برامج تنفيذية واقعية ، فالشعارات لا تبني وطناً ، والمناصب لا تخلق نهضة ما لم تُدار بكفاءة ونزاهة وإخلاص ، فالعراق اليوم بحاجة إلى رؤية أقتصادية واضحة تُعظم موارده وتعيد الاعتبار لقطاعات الزراعة والصناعة والتجارة والسياحة ، وتفتح أبواب التنمية الحقيقية بعيداً عن الاعتماد الأحادي على النفط ، كما أن المرحلة المقبلة تتطلب إرادةً سياسية جادة في مكافحة الفساد ، ليس بالشعارات بل بالمُحاسبة الفعلية وإرساء مبدأ العدالة والمساواة أمام القانون .

وها هي النتائج الأولية تُعلن ، حاملةً معها آمالاً كثيرة وتحدياتٍ أكبر ، نبارك للفائزين جميعاً ، ونتمنى أن تكون هذه الدورة بداية لمرحلةٍ مختلفة ، تُطوى فيها صفحات الماضي المليء بالاضطراب والتجاذب ، وتُكتب فيها سطور جديدة عنوانها الوطن لا الكتلة ، والمواطن لا المقعد ، فالعراق يستحق أكثر من إدارة أزمات ، إنه بحاجة إلى مشروعٍ وطني جامع يُعيد إليه مكانته وهيبته ، ويصون سيادته من التجاذبات الداخلية والخارجية .

كفى فساداً ..
كفى محاصصة ..
كفى عبثاً بسيادة العراق ..
كفى عبثاً بمقدرات العراق ..

لقد أنهك العراق هذا الدوران المُستمر في الحلقة ذاتها ، ولم يعد يحتمل مزيداً من المساومات التي تُبدد طاقاته وتُهدر ثرواته ، الإصلاح الحقيقي يبدأ حين يتوقف السياسيون عن النظر إلى الدولة كغنيمة ، ويبدأون في التعامل معها كمسؤولية تاريخية ، فالمال قد يصنع نفوذاً ، لكنه لا يصنع وطناً، والسياسة قد تمنح سلطة ، لكنها لا تمنح شرعيةً ما لم تستمدّها من الناس ومن ضميرهم الجمعي .

أخيراً وليس أخراً .. العراق اليوم يقف أمام مفترق طرق ، فإما أن يختار مسار الدولة القادرة التي تُدار بالعقل والحكمة والعدالة ، وإما أن يبقى أسير مصالح حزبية وفئوية ضيقة تُبدد مستقبله جيلاً بعد جيل ، الأمل ما زال قائماً لكنه ينتظر من يُنقذه من دائرة الشعارات إلى ميدان العمل الجاد ، فالأوطان لا تُبنى بالوعود ، بل بالصدق في القول ، والإخلاص في الفعل ، وبإيمانٍ عميقٍ بأن العراق أكبر من الجميع وأغلى من كُل مكسبٍ مؤقت …!