خور عبد الله والحقول المشتركة: بين السيادة الوطنية وموازين القوى الدولية..

ضياء المهندس

في لحظة إقليمية شديدة التعقيد، يتصاعد الحديث في الأوساط السياسية عن دعمٍ أمريكي محتمل للعراق في ملف خور عبد الله، وإعادة النظر في ترسيم الحدود البحرية، وفتح ملفات الحقول المشتركة مع الكويت وإيران، وصولًا إلى حقل الدرة الغازي.
هذه الطروحات لا يمكن قراءتها بمعزل عن التحولات في ميزان القوى الإقليمي، ولا عن موقع العراق في الاستراتيجية الأمريكية الأوسع تجاه إيران والخليج.
أولًا: خور عبد الله… عقدة القانون والسيادة
ملف خور عبد الله يرتبط بقرارات دولية أعقبت عام 1991، وأصبح جزءًا من منظومة قانونية ثبتت الحدود بين العراق والكويت.
أي تحرك لإعادة النظر فيه لا يعني مجرد موقف سياسي، بل يستدعي مسارًا قانونيًا دوليًا دقيقًا، يتطلب اتفاقًا ثنائيًا أو تحكيمًا دوليًا.
الدعم الأمريكي – إن وُجد – سيكون دعمًا تفاوضيًا في المحافل الدولية، وليس إعادة رسم أحادية للخرائط. فواشنطن، مهما كانت مصالحها، تتحرك ضمن توازنات مجلس الأمن وحسابات الاستقرار الخليجي.
ثانيًا: الرميلة… الحقل الذي لا ينام
يمتد حقل الرميلة عبر الحدود العراقية–الكويتية، ويُعد من أكبر حقول النفط في العالم.
الجدل حوله قديم، ويتعلق بآليات الاستخراج عبر الحدود وإمكانية الاستنزاف المشترك.
لكن في الإطار القانوني المعترف به دوليًا، يُدار كل جزء ضمن سيادة دولته.
وأي ادعاء بتجاوزات يتطلب أدلة فنية جيولوجية وتحكيمًا متخصصًا، لا خطابًا سياسيًا فقط.
هنا تبرز فرضية “المقايضة الكبرى”:
هل يمكن للعراق أن يمنح امتيازات أوسع لشركات أمريكية في الجنوب مقابل دعم سياسي في إعادة التفاوض حول الحقول المشتركة؟
سياسيًا، هذا ممكن ضمن منطق المصالح.
لكن قانونيًا، لا يكفي لتغيير خرائط معترف بها دوليًا.
ثالثًا: مجنون… التوازن الحساس مع إيران
يقع حقل مجنون قرب الحدود الإيرانية، وهو من أكبر الاحتياطيات النفطية العراقية.
أي حديث عن استنزاف عابر للحدود يدخل فورًا في سياق التوتر العراقي–الإيراني، وهو ملف يتجاوز الاقتصاد إلى معادلات الأمن القومي.
أي تحرك هنا دون حساب دقيق قد يفتح باب تصعيد إقليمي لا يحتمله العراق في ظرفه الحالي.
رابعًا: حقل الدرة… الغاز في قلب الصراع
يمثل حقل الدرة (آرش) أهمية استراتيجية كبرى باحتياطيات غازية ضخمة تُقدَّر بعشرات التريليونات من الأقدام المكعبة.
النزاع عليه ثلاثي بين الكويت والسعودية وإيران، والعراق يسعى إلى تثبيت موقعه القانوني في أي ترتيبات مستقبلية.
إذا تمكن العراق من تعزيز موقعه في هذا الملف، فسيكون ذلك تحولًا في معادلة الطاقة، خاصة في ظل الحاجة الأوروبية والعالمية لمصادر غاز بديلة.
و السؤال :هل تمنح واشنطن “ضوءًا أخضر”؟
الولايات المتحدة تنظر إلى العراق من زاويتين أساسيتين:

  • ممر استراتيجي في مواجهة إيران.
  • خزان طاقة يمكن أن يوازن أسواق النفط والغاز.
    لكن دعمها لأي تحرك عراقي لن يكون مجانيًا.
    قد يرتبط ذلك بتوسيع دور الشركات الأمريكية في تطوير حقول الجنوب، أو بإعادة هيكلة بعض العقود النفطية، أو بضمانات سياسية تتعلق بالاستقرار الداخلي.
    غير أن واشنطن، في الوقت ذاته، لا ترغب في زعزعة استقرار الخليج أو خلق أزمة مفتوحة مع الكويت، حليفتها الاستراتيجية.
    و المعادلة الصعبة حين يقف
    العراق أمام معادلة دقيقة:
    استعادة الحقوق – إن ثبتت قانونيًا – تتطلب مسارًا مؤسساتيًا لا تصادميًا.
    الدخول في مقايضات نفطية قد يمنح دعمًا سياسيًا، لكنه يفتح باب تبعية اقتصادية جديدة.
    وأي تحرك غير محسوب قد يضع بغداد في قلب صراع إقليمي مفتوح.
    وتبقى قضية خور عبد الله والحقول المشتركة ليست مجرد ملف حدودي أو نفطي، بل اختبار لقدرة العراق على إدارة سيادته ضمن نظام دولي معقد.
    الرهان الحقيقي لا يكمن في “الضوء الأخضر” من هذه الدولة أو تلك،
    بل في بناء استراتيجية وطنية متكاملة تقوم على:
    _ القوة القانونية،
    _ الدبلوماسية المتوازنة،
    _ والقدرة الاقتصادية الذاتية.
    فالدول لا تستعيد حقوقها بالشعارات،
    بل بالمؤسسات، والخرائط الدقيقة، وحسن إدارة المصالح.

البروفسور د ضياء واجد المهندس
رئيس مجلس الخبراء العراقي