إعداد وتحليل وتقديم صباح البغدادي
من لم يقرأ كتب التاريخ بعمق، ولم يغوص في مذكرات الجواسيس والسياسيين، ولم يشاهد الأفلام الوثائقية التي تكشف دهاليز الخداع السياسي والجاسوسية، فإنه سيظل يراوح مكانه، يصدق كل ما يُقدَّم له على طبق من ذهب. عقله الباطن يصبح وعاءً فارغاً، يُصبّ فيه الإعلام الحكومي والرسمي كل ما يريد، فيتحول الإنسان تدريجياً إلى مجرد حاوية للرواية الرسمية، لا يملك من أمره شيئاً سوى التصديق والتكرار.هذا بالضبط ما تريده الحكومات، وما تسعى إليه أجهزتها الاستخبارية بكل دقة وإحكام وبمعنى اخر اكثر وضوحا وصراحة : أن يصبح الرأي العام قطيعاً هادئاً، لا يفكر، ولا يسأل، ولا يعترض. قطيع يتقبل الرواية الرسمية كحقيقة مطلقة، ويرفض أي سؤال يُشكك فيها باعتباره “نظرية مؤامرة” أو “تخويناً” . ففي عالم يسيطر فيه “الأخ الأكبر” ليس بالقوة العسكرية فقط، بل بالسيطرة على السردية والوعي الجمعي، يصبح الجهل بالتاريخ والجاسوسية ليس مجرد نقص معرفي، بل خطر وجودي. لأن من لا يعرف كيف تُصنع الأكاذيب الكبرى، سيظل يعيش داخلها دون أن يدري.وهذا بالضبط ما نعيشه اليوم في زمن التوتر الإقليمي والمفاوضات السرية والتسريبات المدروسة: واقع يتطلب منا أن نقرأ بين السطور، لا أن نكتفي بسطحها.
ومع انتهاء المفاوضات الثالثة في جنيف غير المباشرة بين الولايات المتحدة وإيران اليوم الخميس 27 فبراير 2026 وتأجيلها إلى الأسبوع القادم لغرض مناقشة القضايا الخلافية من قبل رؤساء السلطة خامنئي / ترامب وكقراءة استباقية نحن نرى بان هناك لعبة خفية تجري في الظل ، أخطر وأهم من الجلسات الرسمية نفسها. ونحن لا نتحدث هنا عن شائعات أو تخمينات، بل عن واقع استخباراتي , جنيف مكان مثالي للتجسس: المدينة مليئة بالدبلوماسيين والجواسيس من كل دول العالم. الموساد (والـCIA أيضاً) لديهم شبكات واسعة هناك. مراقبة الوفد الإيراني (خاصة المناقشات الداخلية بين أعضائه) ليست صعبة تقنياً (عن طريق التنصت الإلكتروني، تجنيد مصادر، أو حتى مراقبة بشرية). ولان جهاز الموساد الإسرائيلي (وربما بالتعاون وثيق مع الـCIA وحتى مع المخابرات السويسرية ) يقوم حالياً بعملية مراقبة مكثفة ومتقدمة على الوفد الإيراني بأكمله في جنيف ؟ ولكن كيف يحدث هذا التجسس ؟
- المراقبة البشرية: عناصر من الموساد (أو وكلاء محليين) يتابعون تحركات أعضاء الوفد الإيراني خارج جلسات التفاوض، سواء في الفندق الذي يقيمون فيه أو أثناء تنقلهم داخل جنيف .
- التنصت الإلكتروني: مراقبة الاتصالات، الرسائل، وحتى المناقشات الداخلية بين أعضاء الوفد الإيراني (خاصة بين المتشددين والبراغماتيين).
- التسلل التقني: استخدام أدوات متقدمة لاختراق الأجهزة الإلكترونية أو الشبكات المستخدمة في الوفد.
- ولذا فإن ذلك يعطي الجانب الأمريكي (وإسرائيل) ميزة تفاوضية كبيرة. ترامب وفريقه يحتاجون إلى هذه المعلومات ليقرروا : هل يضغطون أكثر أم يقبلون بتنازل؟ أم يذهبون إلى خيار الضربة العسكرية حتى وان كانت محدودة حسب ما يدعونه ؟إسرائيل تعتبر الملف النووي الإيراني “تهديداً وجودياً” لها، لذا من الطبيعي أن تكون مشاركة استخباراتياً بقوة في جنيف، حتى لو كانت المفاوضات غير مباشرة.الولايات المتحدة وإسرائيل تتبادلان المعلومات الاستخباراتية بشكل يومي وعميق (اتفاقيات استخباراتية استراتيجية). التسريبات السابقة (مثل وثائق الأرشيف النووي الإيراني التي سربها نتنياهو في 2018) تثبت أن الموساد قادر على الوصول إلى معلومات داخلية إيرانية تعتبر حساسة حجا ومع هذا تم اختراقها بل تم الاستيلاء على الأرشيف النووي بالكامل.
- الجانب الأمريكي يريد بدوره أن يعرف بدقة قدر الإمكان أين هي بالتحديد “نقاط الضعف” الإيرانية (مستوى الخوف، الخلافات الداخلية، القدرة على التحمل).ترامب قد يستخدم هذه المعلومات ليُشدد الضغط أو يقبل بتنازل محدود.إيران تعلم أنها مراقبة، لذا قد تتعمد إرسال رسائل مضللة (مثل إظهار صلابة أكثر مما هي عليه فعلياً).
ومن المرجح جداً لنا أن يكون جهاز الموساد الإسرائيلي (وبالتعاون الوثيق مع الاستخبارات الأمريكية) قد نفذ عملية مراقبة شاملة ومتعددة الطبقات على الوفد الإيراني في جنيف. هذه العملية لا تقتصر على المراقبة الخارجية، بل تشمل على الأرجح:
- اختراق القنصلية العمانية (مكان انعقاد الجلسات) من خلال أطقم الخدم أو موظفي الصيانة.
- السيطرة على الفندق الذي يقيم فيه الوفد الإيراني، سواء عبر استبدال بعض أطقم الخدمة بمحترفين، أو تجنيد بعضهم، أو زرع أجهزة تجسس متقدمة جداً لا تُكتشف إلا بأجهزة مضادة متخصصة لا تمتلكها إيران.
- تأجير غرف أو أجنحة متلاصقة مباشرة بجانب أجنحة الوفد الإيراني، لالتقاط الأصوات والمناقشات الداخلية بين أعضائه.
هذه الطرق ليست خيالاً، بل أساليب قياسية في عالم الاستخبارات، خاصة عندما يكون الملف وجودياً بالنسبة لإسرائيل.النتيجة الاستراتيجية: إذا كان الموساد يمتلك بالفعل صورة واضحة عن المناقشات الداخلية للوفد الإيراني (مستوى الخوف، الخلافات بين المتشددين والبراغماتيين، مدى استعدادهم للتنازل)، فهذا يعطي الجانب الأمريكي ميزة تفاوضية هائلة، وقد يُسرّع قرار الضربة العسكرية إذا أظهرت المراقبة أن إيران تُماطل فقط لكسب الوقت.هذا الحدس ليس مجرد تخمين، بل تحليل استخباراتي منطقي مبني على تاريخ الموساد وطبيعة هذه المفاوضات.وغالباً ما تكون “اللعبة الحقيقية” خلف الكواليس وليست في غرفة التفاوض نفسها.
ولان هذه الأساليب بالنسبة لنا ممكنة جداً، بل مرجحة في مثل هذه المفاوضات عالية المستوى. جنيف مدينة “مفتوحة” استخباراتياً، وكل الأطراف (أمريكا، إسرائيل، إيران، عُمان) تعلم أن التجسس مستمر. الموساد يمتلك خبرة هائلة في هذا المجال، وغالباً ما يعمل بالتنسيق مع الـCIA في مثل هذه العمليات.
ما الهدف الاستراتيجي من هذا التجسس؟ الغاية ليست مجرد جمع معلومات عامة، بل الحصول على صورة دقيقة ومباشرة عن:
- مستوى الجدية الإيرانية في التنازل أو المماطلة .
- درجة الخوف داخل الوفد من ضربة عسكرية أمريكية محتملة.
- الانقسامات الداخلية بين المتشددين (الذين يرفضون أي تنازل) والبراغماتيين (الذين يميلون للتنازل المحسوب لتجنيب إيران الدمار).
هذه المعلومات الحساسة تُنقل مباشرة إلى الجانب الأمريكي، وإدارة البيت الأبيض ومجلس الأمن القومي المصغر الإسرائيلي ومما يمنح ترامب وفريقه ميزة تفاوضية كبيرة : يعرفون متى يضغطون بقوة، ومتى يقبلون بتنازل محدود، ومتى يقررون الضربة العسكرية.النظرة الاستراتيجية الاستباقية:إذا كان الموساد يمتلك بالفعل صورة واضحة عن حالة الوفد الإيراني (وهو أمر مرجح جداً)، فهذا يعني أن الولايات المتحدة تدخل الجولة الحالية في جنيف وهي تملك “خريطة داخلية” للخصم. وهذا مما قد يفسر جزئياً الثقة العالية التي يبديها ترامب حالياً، وكذلك الضغط المتزايد على إيران.في المقابل، إيران تعلم جيداً أنها مراقبة، لذا قد تتعمد إرسال إشارات مضللة (مثل إظهار صلابة أكثر مما هي عليه فعلياً) لخداع الطرف الآخر.الخلاصة:التجسس على الوفد الإيراني في جنيف ليس مجرد عملية استخباراتية روتينية، بل هو اللعبة الحقيقية التي تجري خلف الكواليس. الموساد لا يراقب ويستمع فقط أن سنحت له الفرصة .. بل هو يعمل جاهدا ويُغيّر معادلة التفاوض لصالحه حتى قبل أن تبدأ الجلسة الرسمية.
ومع ذلك، لا ينبغي علينا أن نغفل الجانب الآخر من المعادلة، وهو مدى الإجراءات الأمنية الصارمة التي يتوجب على الطاقم الأمني المرافق للوفد الإيراني اتخاذها لمواجهة عمليات التجسس المتوقعة. ففي عالم الاستخبارات الحديثة، لا يكفي الوعي بالتهديد، بل يتطلب الأمر سرعة بديهية استثنائية ونظاماً أمنياً متعدد الطبقات.يجب على الطاقم الأمني الإيراني أن يعتمد على أحدث أجهزة كشف التجسس المتوفرة لديه — مهما بلغت تطور تقنيات الإخفاء — ويفضل أن يكون ذلك بدعم فني من حلفائه الاستراتيجيين (الصين، روسيا، وكوريا الشمالية). كما يتعين عليه إجراء فحوصات دورية ومفاجئة للتأكد من عدم اختراق أي فرد في الوفد أو عائلاتهم، سواء من خلال الضغط النفسي أو الابتزاز. ومن أخطر الثغرات التي يجب مراقبتها بعناية فائقة هي الاتصالات العائلية المفاجئة — مثل ادعاء مرض الزوجة أو الوالد أو الابن — التي قد تُستخدم كوسيلة لسحب معلومات، حتى لو كانت تبدو بريئة.بل إن المراقبة يجب أن تمتد إلى الجوانب النفسية والجسدية لأعضاء الوفد: هل هم مرتاحون أم متوترون؟ هل يظهر عليهم الإرهاق أم القلق؟ هل تغيرت لغة جسدهم أو نبرة أصواتهم؟ فكل هذه الجزيئات الصغيرة، مهما بدت ضعيفة، تُترجم لدى الأجهزة الاستخباراتية إلى قيمة استراتيجية عالية لا يُستهان بها.في النهاية، المعركة الحقيقية في جنيف ليست فقط في قاعة التفاوض، بل في الغرف المجاورة، وفي أجهزة التنصت، وفي أعين الخدم، وفي كل لحظة يقضيها الوفد خارج الاجتماعات الرسمية. من يفوز في هذه المعركة الخفية قد يفوز بالجولة كلها.
وفي هذا الختام فان عالم يُصنع فيه الرأي العام كما تُصنع الأسلحة، يبقى الجهل بالتاريخ والجاسوسية ليس مجرد نقص معرفي، بل جريمة بحق الوعي الجمعي. الحكومات لا تحتاج إلى دبابات لتسيطر على الشارع ؛ تكفيها شاشة واحدة، ورواية واحدة، وصمت جماعي مطيع كالقطيع . من لم يتعلم كيف تُنسج الأكاذيب الكبرى، سيظل يعيش داخلها دون أن يدري أنه سجين وسيظل أسير الرواية الحكومية المظللة . ومن ظن أن الحقيقة تُقدَّم له على طبق من ذهب، فهو أول من سيُقدَّم قرباناً لها عندما تُكشف. اليوم، ونحن نراقب مفاوضات جنيف، وننتظر قراراً قد يُغيّر وجه المنطقة، نحن هنا لسنا فقط مجرد متفرجين بل نحن أمام اختبار: هل سنبقى قطيعاً يصدّق ما يُصب في عقله، أم سنبدأ – ولو متأخرين – بقراءة ما بين السطور ، وهذا ليس مجرد حدس من قبلنا، بل انه قراءة استباقية استخباراتية دقيقة مبنية على معرفة بأساليب الموساد وطبيعة المفاوضات في جنيف. ويبقى علينا البحث عن الحقيقة الغائبة قبل أن تُصبح لنا وللرأي العام كارثة لا تُمحى؟ الأخ الأكبر لا يحتاج إلى مراقبتنا دائماً.. يكفيه أن نُقنع أنفسنا بأننا أحرار. لكن الحرية تبدأ بسؤال واحد:
“ماذا يُخفى عني الآن؟” والإجابة لن تأتي من الشاشات.. بل من داخلنا، إن أردنا يوماً أن نستعيدها.