رياض سعد
كأن الزمن نفسه أصيب بالحمّى، أو كأن ساعةً خفيّةً في أعماقه قد توقفت فجأةً دون أن تستأذن أحدًا… ؛ كانت ساعته البيولوجية — تلك التي تضبط إيقاع الحياة في جسد الإنسان — قد تعطلت، فأصبح الزمن عنده كتلةً ضبابيةً بلا بداية ولا نهاية .
كان السرير يطفو في منتصف الغرفة كجزيرة منكسرة، ورحمن يستلقي عليه كغريق لا يملك إلا أن يتشبث بقطعة خشب آيلة للغرق… ؛ لم يعد يعرف إن كان ما يراه من النافذة نهاراً أم ليلاً، فالزمن في جسده المتهالك توقف عن الجريان، صار الوقت جرعات كيماوية تتساقط في عروقه كالرصاص المذاب، وساعات من التقلب على فراش يابس كأنه مرصوف بالسيوف أو مطرز بالشوك وشظايا الزجاج المتكسر …
كان رحمن قبل أن يزور جسده ذلك الضيف الثقيل — الذي لا يطرق الباب بل يقتحمه كجيش من النمل الأبيض يأكل العظام من الداخل — إنساناً مختلفاً… ؛ ليس نشيطاً بالمعنى المتعارف عليه، بل كان نشاطه وميضاً خجولاً في ليل طويل من الإرهاق المزمن… ؛ لكنه الآن ينظر إلى تلك الأيام وكأنها كانت فردوساً مفقوداً، أيام كان يستطيع أن يتمشى في شوارع بيروت تحت شمسها الذهبية، متناسياً جسده منشغلاً بروحه وفكره .
يتذكر جيداً تلك الرحلة إلى بيروت، قبل أن تنقلب الحياة رأساً على عقب…
ففي أحد الأيام، وبينما كان رحمن مسافرًا إلى بيروت للسياحة والاستجمام — كما اعتاد في بعض رحلاته النادرة — التقى بصديقه سليم…
كان سليم مختلفًا عنه تمامًا؛ رجلًا يعتني بجسده عنايةً دقيقة، يراقب صحته كما يراقب التاجر صندوق نقوده، لكنه في المقابل كان مهمِلًا لروحه وفكره …
أما رحمن فكان على العكس منه تمامًا… ؛ كان يقرأ كثيرًا، يفكر كثيرًا، يطيل التأمل في معنى الأشياء، لكنه يهمل جسده كما يهمل شاعرٌ جسده حين يغرق في القصيدة …
قال سليم ذات صباح وهو يرتدي معطفه :
سأذهب إلى المستشفى الأمريكي لإجراء بعض الفحوصات العامة… ؛ أحب أن أطمئن على صحتي بين حينٍ وآخر …
نظر إليه رحمن مبتسمًا، ثم قال بنبرةٍ عفوية :
… خذني معك… ؛ ربما يجدر بي أنا أيضًا أن أجري بعض الفحوصات
هزّ سليم رأسه موافقًا :لا بأس… لنذهب معًا …
وصلا إلى المستشفى …
المكان كان نظيفًا إلى حدٍّ يجعل المرء يشعر أن المرض نفسه يخجل من الظهور فيه… ؛ أروقة بيضاء، وأطباء بوجوهٍ هادئة، وأجهزة تومض بأضواء باردة ….
أجريا الفحوصات …
جاءت نتائج سليم عادية… ؛ لم يكن يعاني سوى من التهابات بسيطة في الكليتين وبعض الرمل فيهما… , أمرٌ عابرٌ لا يستحق القلق .
لكن الطبيب طلب سليم على انفراد … ؛نظر إليه الطبيب طويلًا قبل أن يقول بصوتٍ خفيض : رحمن صديقك؟
قال سليم : نعم .
تنهد الطبيب قليلًا، ثم قال :
صديقك مصاب بسرطان المثانة… ؛ في المرحلة الثانية… ؛ إن لم يتدارك الأمر سريعًا فقد تكون حياته في خطر …
في تلك اللحظة، شعر سليم أن الأرض قد انسحبت من تحت قدميه … ؛تجمّعت الدموع في عينيه دون أن يستأذنها …
خرج من الغرفة وهو يحمل السر كمن يحمل قنبلةً موقوتة في صدره …
سأل رحمن الطبيب لاحقًا ببراءة :
في نتيجة الفحوصات كتبوا أن لدي مشكلة في المثانة… ؛ ماذا يعني ذلك؟
أجابه الطبيب بتردد :من الأفضل أن تراجع طبيب اختصاص في المسالك البولية.
لكن سليم أسرع بالكلام قبل أن يتفاقم القلق في قلب صديقه :
… لا شيء مهم… ؛ مجرد أملاح أو رمل في المثانة… ؛ ربما التهاب بسيط
ابتسم رحمن مطمئنًا … ؛ واقتنع بالكذبة الجميلة .
عادا إلى بغداد، وهناك انفجرت الحقيقة في وجه العائلة كقنبلة موقوتة… ؛ اذ صار البيت ندبة كبيرة تئن، والأصوات تتصاعد كالبخور الأسود: صراخ، عويل، بكاء، ثم صمت ثقيل كالرصاص… ؛ ومنذ تلك اللحظة، بدأت رحلة رحمن في متاهة لا مخرج منها: عيادات تزدحم بالوجوه الشاحبة، مختبرات تفوح منها رائحة الكحول والموت، مستشفيات حكومية ممراتها تشبه أنفاق القبور، وصيدليات يدفع فيها المال مقابل علب صغيرة تَعِد بالحياة وتُهدي الموت بطيئاً…
كان يسافر إلى نيودلهي بين الحين والآخر، هناك حيث المدن تغص بالبشر والآلهة تتسول في الشوارع… ؛ كان يدخل غرف العلاج الكيماوي فيُعلِّقون في ذراعه قنينة من نور معتم، تشع في جسده إشعاعات نووية تقتل الخلايا المتمردة وتقتل معها الخلايا المسالمة ايضا … ؛ كان يشعر وكأن جسده ساحة حرب تدمر بالكامل حتى لا يبقى فيها حجر على حجر …
أما في البيت، فقد صار السرير سجنه الوحيد… ؛ كان لا يغادر غرفته إلا نادراً، حين تضطره حاجة الحمام أن يجر جسده كجريح يزحف من معركة خاسرة…
كان يتقلب على الفراش كخبز على مقلاة ملتهبة: ينام على جنبه الأيمن فيصرخ الأيمن، فيتحول إلى الأيسر فيصرخ الأيسر، ثم ينام على بطنه فيتذكر أنه لا يحتمل وزناً على صدره، وأخيراً يستلقي على ظهره فيشعر أن عموده الفقري يتحول إلى قطع زجاج مكسور … ؛و كأن فراشه مصنوعٌ من شوكٍ لا يُرى …
كان ينهض بصعوبة يعصرها الألم، يتوكأ على يديه تارة وعلى عصاه تارة اخرى … ؛ و هو الذي كان يركض كالغزال في شوارع بيروت… ؛ عندها ينشد قائلا :
كأني وقد جاوَزْتُ تسعين حِجَّةً ***خلَعْتُ بها يوماً عِذَارَ لِجامِي
عَلى الراحَتَينِ مَرَّةً وَعَلى العَصا ***أَنوءُ ثَلاثاً بَعدَهُنَّ قِيامي
كان يأكل الطعام وكأنه يمضغ الزجاج، يدفع اللقمة في فمه كمن يدفن ميتاً…
كان يريد النوم لكن النوم صار حلماً بعيداً و ضيفًا نادرًا ، وإذا غفا غفوة خفيفة هاجمته الكوابيس كذئاب جائعة، فراش الموت يهزّه بعنف، وجوه غريبة تطل من الظلام وتهمس: لقد حان وقت الرحيل … ؛ لقد حان وقت الرحيل …
نعم , كان يرى نفسه يسقط في هاوية بلا قاع … ؛أو يرى ظلالًا سوداء تلاحقه كأنها رسل الموت … ؛يستيقظ مذعورًا … ؛ينظر إلى السقف طويلًا … ؛كأن السقف مرآةٌ يرى فيها النهاية القادمة .
في لحظات نادرة من الصفاء والعزلة التامة ، كان يسمع الموسيقى الحزينة، الأغاني التي تبكي فراق الأحبة، وكان يطرب لصوت النساء الثكالى وهن يندبن موتاهن، كأنه يستعد لدوره القادم في هذه المرثية الكونية…, كان يشعر أن تلك المراثي موجهة إليه ؛ وصار ينعي نفسه كل يوم قبل أن يموت، يبكي على جسده الذي يتفتت كتمثال من رمال، على روحه التي تتسرب من بين أصابعه كالماء …
صار رحمن الميت الحي، الشاهد على موته البطيء… ؛ كان يزحف على يديه وركبتيه حين لا تراه العيون، من شدة الألم في عظامه التي صارت هشة كالزجاج بعد أن أكلها العلاج الكيماوي…؛ من كثرة التشنجات التي كانت تلويه كأفعى عملاقة، من وهن العمود الفقري الذي لم يعد يحتمل وزنه …
وروحٌ تقف كل ليلةٍ على حافة الوجود … ؛تنظر إلى العدم ؛وتتساءل بصمت :
هل الحياة حلمٌ قصير،أم أن الموت هو اليقظة الحقيقية؟
كان رحمن قد اكتشف فجأةً الحقيقة التي يتأخر البشر في فهمها … ؛أن الإنسان لا يموت حين يتوقف قلبه … ؛بل يموت حين يبدأ في رؤية حياته من الخارج … ؛كأنه غريبٌ عنها…
وفي إحدى الليالي، بينما كان يتألم في صمت، سمع صوتاً من الداخل، صوتاً يشبه صوته لكنه كان أكثر نقاءً: ألستَ أنت من كان يهمل جسده في سبيل الروح؟!
انظر، ها هو جسدك ينتقم منك الآن، يريد منك أن تعترف به، أن تحبه، أن تحس به… ؛ عندها أدرك رحمن أن السرطان لم يكن مجرد مرض، بل كان صرخة جسده المهمل الأخيرة … ؛ محاولة يائسة ليقول: أنا هنا أيضاً، أنا لست وعاءً هامشياً، أنا أنت …
ومع هذا الإدراك، بدأ رحمن يتصالح مع جسده المتألم، يربت على يده المنتفخة من المحاليل، يداعب قدميه المتورمتين، يهمس له: سامحني يا صديقي، لقد أهملتك طويلاً، والآن نحن هنا معاً ننتظر النهاية…
ومنذ تلك اللحظة، صار الألم أقل قسوة، صار كطفل يبكي ليلفت الانتباه، وحين حصل على الاهتمام، هدأ قليلاً …
لكن النهاية كانت قادمة لا محالة، كقطار يأتي في موعده مهما تأخر… ؛ وفي صباح أحد الأيام، بينما كانت الشمس تخترق الستائر بخجل، توقف صدر رحمن عن الحركة، وارتمى جسده في سريره كجندي عائد من حرب طويلة، منهك لكنه أخيراً في سلام …
غادر رحمن الحياة بهدوء، تاركاً خلفه سريراً من رماد، وغرفة تنتظر ناكباً جديداً… وفي زاوية من زوايا الغرفة، كان هناك ظل خفيف يهمس: “ربما في المرة القادمة، سأعتني بجسدي كما أعتني بروحي، فأنا لست روحاً محمولة على جسد، بل أنا الكل، أنا الواحد الذي لا يتجزأ…