جديد

الفجر الشيعي: من الاعتماد على واشنطن إلى البحث عن توازن مع طهران

✍️: خالد الغريباوي

يشير صمود إيران في مواجهة ضغوط عسكرية واسعة إلى لحظة مفصلية في إعادة تشكيل بنية النظام الإقليمي، حيث تتقاطع إعادة توزيع القوة مع مراجعة عميقة للتحالفات التقليدية. وفي هذا السياق يتبلور ما يمكن تسميته بـ”الفجر الشيعي” بوصفه انعكاساً لتغير إدراك دول مجلس التعاون الخليجي لمكانتها داخل الاستراتيجية الأمريكية، بعد أن تراجع موقع الخليج في سلم الأولويات لصالح اعتبارات أخرى، وفي مقدمتها أمن إسرائيل ومكانتها التي أصبحت تحظى بأولوية عليا في الحسابات الاستراتيجية الأمريكية.

هذا التحول ترافق مع متغيرات دولية أوسع، أبرزها صعود آسيا، وتراجع الاعتماد النسبي على نفط الخليج، ما أدى إلى تقليص الالتزام الأمني المباشر تجاه المنطقة. ونتيجة لذلك، بدأ يتشكل وعي خليجي جديد يدرك أن الضمانات التقليدية لم تعد كافية، وأن التحالفات القائمة على الاعتماد الأحادي لم تعد توفر الاستقرار المطلوب.

في المقابل، فرض صمود إيران معادلة ردع جديدة تقوم على توازن الكلفة بدل الحسم العسكري، الأمر الذي دفع دول الخليج إلى إعادة تقييم مقاربتها الأمنية. ومع تصاعد أولوية أمن إسرائيل في الاستراتيجية الأمريكية، برز تصور استراتيجي مغاير يرى أن بقاء النظام الإيراني قد يشكل عنصراً توازُنياً مهماً في معادلة الأمن الخليجي، في مواجهة احتمالات التوسع الإسرائيلي ومحاولات فرض هيمنة صلبة على المنطقة. فوجود قوة إقليمية موازنة يحد من اختلال ميزان القوى، ويمنح دول الخليج هامشاً أوسع للمناورة السياسية.

وبذلك يتحول مفهوم الأمن الخليجي من الاعتماد على المظلة الخارجية إلى البحث عن ترتيبات إقليمية أكثر توازناً، تشمل الحوار وبناء الثقة والتعاون الاقتصادي. وفي هذا الإطار، يصبح “الفجر الشيعي” تعبيراً عن انتقال تدريجي من التحالفات العمودية إلى توازن إقليمي يقوم على الندية، ومن أمن مستورد إلى أمن يُبنى داخل المنطقة نفسها.

إن هذه التحولات تشير إلى مرحلة جديدة يعاد فيها تعريف موقع الخليج ضمن معادلة إقليمية متعددة الأقطاب، حيث يتراجع الدور الخارجي لصالح توازن داخلي بين القوى الإقليمية، وتبرز إيران كأحد أعمدة هذا التوازن، في ظل إدراك متزايد بأن الاستقرار طويل الأمد يتطلب شراكات متوازنة لا تبعية أحادية.