رياض سعد
دخل حمدي غرفته هارباً من جحيم المسؤوليات و أعباء البيت التي تنتظره خلف الباب، تسلل إلى عزلته كما يتسلل الجريح إلى كهفه يلعق جراحه… ؛ مفلس , جيبه فارغ كقلب أمٍّ ثكلى، ومحفظته تخلو حتى من وهم النقود… ؛ آوى إلى صمته ثلاثة أيام كاملة، كمن يُغلق على نفسه فصلًا كاملًا من الخيبة , لا يؤانس جوعه إلا كِسَرُ خبز يابس يبلُّها بالماء، كأنما يعاقب نفسه على ذنب لم يقترفه سوى أنه وُلد في الجانب المظلم من الحياة …!!
كان الصمت كثيفًا، يتدلّى من السقف كعنكبوتٍ عجوز، ثم جاء ذلك الصوت … , اذ قطعت الصمت طرقاتٌ صغيرة على الباب لكنها عنيدة … ؛ كأنها دقات قلب طفل يطلب الحياة… ؛ ثم ارتفع صوت ابنته الصغرى يخترق سكون الغرفة كسكين حاد يقطع وشاح الليل: “بابا… بابا… بابا… افتح الباب! أريد نقوداً للحلويات… ؛ كل الأطفال يشترون حلويات إلا أنا… ؛ مضى أسبوع كامل لم أذق فيه طعم الحلوى… أرجوك افتح الباب …!!
أطفأ حمدي النور، فغرق في ظلام يليق بحاله… , لا ليُخفي نفسه عنها، بل ليُخفي نفسه عن نفسه ؛ و تظاهر بالنوم , كأن النوم حيلةٌ أخلاقية، أو عذرٌ يُغفر به العجز، تجمد في مكانه كتمثال من حجر، لكن الطرقات لم تتوقف… ؛ فالطفل حين يشتهي أمراً لا يعترف بمنطق العوائق، ولا يستوعب معنى الاستحالة، خاصة حين يرى ما تشتهيه نفسه في أيدي الآخرين، قريباً من عينيه، بعيداً عن يديه …
نعم , الاطفال لا يفهمون فلسفة الحرمان؛ يرون الرغبة حقًا، وما دام الآخرون ينالونه، فلا سبب يمنعهم…!!
في تلك اللحظة، شعر أن الباب لم يعد خشبًا يفصل بين غرفتين، بل حدًّا فاصلاً بين عالمين: عالمٍ يطلب، وعالمٍ يعجز. بين براءةٍ تصرخ، وكرامةٍ تنكسر بصمت …
في عتمة الغرفة، تأمل حمدي مشهده المأساوي طويلاً… ؛ و شعر بشيء يتكسر في أعماقه، بشيء أعمق من الجوع، وأشد إيلاماً من الحرمان… ؛ لم يشعر في حياته كلها بأمر أقبح ولا أشنع ولا أبشع من شعوره بالفقر… ؛ إنه ليس مجرد غياب للمال، بل حضور دائم للعجز… ؛ الفقر وحش خرافي حقيقي، يلتهم الإنسان من الداخل، يهدر كرامته قطعة قطعة، يشوه ملامح روحه قبل ملامح وجهه، يذله أمام نفسه قبل أن يذله أمام الآخرين …
الفقر يحوّل المرء إلى قزم لا يُرى… ؛ يمرّ بين الجموع فلا يراه أحد، يتكلم فلا يسمعه أحد، يتألم فلا يشعر به أحد… ؛ فالفقير حقير في نظر الجميع … ؛ لا استثناء في هذه القاعدة القاسية التي كتبتها قوانين الاجتماع البشري بمداد من دمع ودم .
نعم , اكتشف أن الفقر ليس نقصًا في المال فحسب، بل هو حالة نفسية تُعيد تشكيل الإنسان من الداخل… ؛ إنه لا يسرق الخبز من فمك فقط، بل يسرق لغتك، قدرتك على التبرير، وحتى حقك في الحزن… ؛ الفقير لا يُسمح له أن يكون معقّدًا؛ يُختزل في حاجته، ويُختصر في عجزه …
لكن الأشد إيلاماً من كل ذلك، هو ذلك الصوت البريء خلف الباب… ؛ تلك الطفلة التي لا تفهم لماذا يختلف عالمها عن عالم الآخرين… ؛ لماذا تمتد يدها إلى الفراغ بينما تمتلئ أيدي رفيقاتها بالحلوى الملونة؟!
جلس حمدي في ظلامه، وأحسّ لأول مرة أن الفقر ليس غياب المال فحسب، بل هو غياب القدرة على أن تكون أباً كاملاً، إنساناً كاملاً، حضوراً كاملاً في حياة من تحب… ؛ الفقر الحقيقي هو أن تختبئ من طفلتك خلف باب مغلق، لا لشيء إلا لأنك لا تملك ثمن قطعة حلوى …
وعندئذ، نهض …
لم يفتح الباب بحثاً عن نقود ليست معه، بل فتحه بحثاً عن شيء آخر… ؛ حمل طفلته بين ذراعيه، ضمها إلى صدره ضمة طويلة، وهمس في أذنها بصوت مبحوح: غداً يا صغيرتي… غداً سأشتري لك كل حلويات العالم …
لم تفهم الطفلة لماذا غداً وليس الآن، لكنها فهمت شيئاً آخر عندما كبرت : دفء حضن أبيها، وصدق وعده، وحباً لا يحتاج إلى نقود ليكون عظيماً …
عادت إلى لعبها البسيطة وهي تلعب على مضض ؛ بينما وقف حمدي على عتبة غرفته ينظر إلى السماء، متسائلاً في صمت: أي عالم هذا الذي يجعل من لقمة الحلوى بوابة للكرامة؟!
وأي نظام هذا الذي يحوّل الآباء إلى أقزام في عيون أطفالهم لا لذنب اقترفوه، سوى أنهم فقراء؟!
ثم أدرك شيئاً عميقاً: أن القزم الحقيقي ليس من يفقده المالُ طوله، بل من يفقد إنسانيته… ؛ وأن الفقر قد يسرق منك الكثير، لكنه لا يستطيع أن يسرق منك قدرتك على أن تحب، وأن تعد، وأن تكون حاضراً حين يطلبك قلب صغير لا يفهم من الحياة إلا أن بابا هو البطل الذي يصنع المستحيل…
وفي تلك الليلة، نام حمدي على أرض غرفته الصلبة، و تذكّر كيف كان يضحك مع أصدقائه قديمًا، كيف كان يُخطّط، يحلم، يؤمن بأن المستقبل مساحة مفتوحة… ؛ أما الآن، فقد صار المستقبل جدارًا آخر، لا باب فيه …!!