الحركة العمالية في اليوم العالمي للعمال
فواد الكنجي
يحتفل العالم في الأول من أيار من كل عام بعيد العمال العالمي؛ وهو يوم الذي جسد تاريخه بنضال العمال ضد الطبقة المستبدة التي احتكرت لحقوقهم الإنسانية المتعلقة بساعات العمل وضمان مستحقاتهم المتعلقة بالرواتب.. والتقاعد.. والضمان الصحي؛ ولهذا تعرضت.. وتتعرض (الحركات العمالية) المناضلة والنقابيون المدافعون عن الحقوق العمالية المشروعة لشتى أنواع من القمع.. والاضطهاد.. والتشويه.. والإقصاء؛ لتصبح هذه المظاهر في ظل الأنظمة المستبدة والرأسمالية أداة في يد الطبقة المسيطرة اقتصاديا تستخدمها للحفاظ على علاقات الإنتاج القائمة؛ ولهذا تقابل أي حركة عمالية تسعى إلى تعديل ميزان القوى أو فرض حقوق عادلة بمقاومة شديدة؛ لأنها تهدد جوهر النظام الامبريالي القمعي الرأسمالية الذي يسعى لتعظيم الربح على حساب (العمل) و(الطبقة العاملة)؛ ولهذا احتشدت في (النصف الثاني من القرن التاسع عشر) المنظمات العمالية في العديد من (دول الغرب) و(الولايات المتحدة)؛ إلى التظاهرات خرجت كرد فعل على شروط العمل القاسية التي كانت سائدة في اغلب دول العالم – لاسيما الصناعية منها – حيث كانت أجور (العمال) قليلة.. وساعات عمل طويلة.. مع استغلال للحاجة وإذلال للإنسانية من قبل أصحاب رؤوس الأموال المحتكرين، فهذه الصورة كانت ابرز ملامح المشهد الذي يسود علاقات بين (أرباب الأعمال من الطبقة الرأسمالية) و(الطبقة العاملة)؛ لذلك احتشدوا (العمال) بالتظاهرات؛ وكان الهدف هو الطلب بتقليل ساعات العمل التي كانت تتجاوز عن عشرة ساعات إلى ثماني ساعات عمل؛ وهم يعملون في ظل أجواء التصنيع القاسية؛ وهذا ما جعل (العمال) يطالبون بحقوقهم.
وفي تلك الآونة اندلاع ثورات واسعة ضد (الإقطاع) – الذي كان سائدا في (أمريكا) واغلب (الدول الأوروبية) – عرفت بــ(ثورات 1848)؛ التي نتج عنها ميلاد (رابطة العمال الدولية) والتي عرفت بـ(الأممية الأولى)؛ وهي جمعية جامعة لجميع المنظمات الاشتراكية المطالبة بحقوق العمال، وانطلقت من التجمع العمالي في (لندن)؛ وفي عام 1876 تم حل رابطة (الأممية الأولى) بسبب خلافات أيدلوجية لتظهر (الأممية الثانية – في عام 1889 ) باعتبارها جماعة موحدة من (الأحزاب الاشتراكية والعمالية).
العمال يطالبون بتقليل ساعات العمل وأرباب الأعمال يجهضون مطاليبهم
فـ(الأممية الثانية)؛ هذه (الجماعة) هي التي أعلنت (الأول من أيار يوما عالميا للعمال)، غير أن بعض المصادر تؤكد بان اختيار يوم (الأول من أيار) جاء مرتبطا بقضية او مذبحة (هايماركت) التي وقعت في مدينة (شيكاغو – الأمريكية)، حيث نظم (العمال) في كل من مدينة (شيكاغو– الأمريكية) ومدينة (تورنتو– الكندية) إضرابا عن العمل شارك فيه أكثر من 300 ألف عامل، طالبوا بتحديد ساعات العمل بـ(ثماني ساعات عمل.. و ثماني ساعات نوم.. و ثماني ساعات فراغ للراحة والاستمتاع)، حيث خرج عدد من (العمال) في مظاهرة لمدة يوم واحد وثماني ساعات متواصلة وتم شن هجوم عليهم بالقنابل من قبل بعض من (جهات مجهولة) في ميدان (هاي ماركت) في مدينة (شيكاغو) وذلك في (1 أيار عام 1886) بعد إن احتشد المظاهرين التي نظمها (العمال) مطالبين بتقليل ساعات العمل وخفضها إلى (ثمان ساعات)؛ مما دفع أرباب الأعمال إلى سلوك أي طريق يجهض هذه المطالب، وسرعان ما تحولت المظاهرات إلى أعمال عنف؛ بعد أن تم من قبل مجهولين إلقاء قنبلة يدوية أدت إلى مصرع بعض رجال الأمن والمدنيين، وبذلك تم اعتقال الناشط العمالي (اوغست سبايز) وثلاث عمال آخرين إلى المحكمة بتهمة كونهم هم وراء هذا الحدث الدموي؛ ومن ثم تم الحكم عليهم بـ(الإعدام) رغم عدم وجود إي دليل بالإدانة، من ثم تبين لاحقا أن احد رجال الشرطة هو من قام بإلقاء القنبلة على الحشود، وقد تم الإبلاغ عن قيام الشرطة بإطلاق النار وفقدان إحدى عشر شخصا في المظاهرة التي انتهت بأعمال شغب في (4 أيار 1886) .
الطبقة العاملة لا تتحول إلى قوة تاريخية قادرة على التغيير إلا عندما ترتقي من الوعي العفوي إلى الوعي الطبقي المنظم
ومن هنا نؤكد بان الحديث عن حقوق (العمال)؛ لا يقف عند حدود (الشعارات)؛ بل هو منهاج عمل والتزامات قانونية وأخلاقية مفروضة على الدول والحكومات وهو مقياس نجاحها أو فشلها، لتصبح ولتشكل إرادة (العمال) وسواعدهم وعطاءهم الشامخ لأوطانهم شواهد فخر تسمو بمسيرة أوطانهم أين كانت وأينما كانوا لتشمل جميع مناحي الحياة، وكما قال (لينين):
(( .. أن الطبقة العاملة لا تتحول إلى قوة تاريخية قادرة على التغيير إلا عندما ترتقي من الوعي العفوي إلى الوعي الطبقي المنظم..)).
فـ(العامل) الذي يدرك حقوقه.. ويفهم موقعه في عملية الإنتاج.. ويعي أن معاناته ليست فردية بل هي نتيجة لبنية اقتصادية قائمة على الاستغلال؛ وهذا المنطلق هو ما تخشاه (القوى الرأسمالية)؛ ولهذا يصب جم غضبهم ويشنون الهجوم المنظم على (النقابيين الشرفاء) و(العمال الواعين)، لأن (الوعي العمالي) يبدد ويزيل ويفكك خطاب الهيمنة؛ لان (العمال) حين يدركون بأن أجرهم متدني.. وان شروط العمل سيئ.. وغياب الأمان فأنهم – لا محال – يبدءون في مساءلة هذه السياسات ومقاومتها، لذلك فان (الرأسمالية) تخشى قوة (العمال المنظمين) في (نقابات) و(حركات عمالية)؛ بكونهم قادرين على فرض مطالبهم الجماعية؛ وهذا الأمر يخلق نموذجا يتشبث به (العمال)؛ وهذا ما يؤدي إلى تصاعد الحركة الاجتماعية في اتجاه (العدالة) وصعود (الحركة العمالية) الواعية؛ ليتم طرح بدائل حقيقية للنظم العمل المستبدة؛ ليس فقط على مستوى المطالب الاقتصادية بل أيضا على مستوى السلطة السياسية وطبيعة الدولة نفسها.
القوى الرأسمالية والأنظمة المستبدة تدرك بان أخطر ما يهددها هو وعي الطبقة العاملة
ولهذا فان (القوى الرأسمالية) و(الأنظمة المستبدة) تدرك جيدا بان أخطر ما يهددها ليس (الفقر) وحده بل (وعي الفقراء)، لذلك تعمل هذه القوى الغاشمة وبشكل منهجي على ضرب كل نشاط ومنهج لـ(الوعي)؛ عبر القمع.. وعبر تشويه سمعة النقابات.. وعبر نشر ثقافة الفردية.. والخضوع وشراء الذمم والاستسلام؛ ولكن نسو هؤلاء المستغلين بان كلما تعمق الاستغلال تهيأت الشروط الموضوعية لـ(نهضة الوعي) و(المقاومة)، لتبرز الحقيقة بأن (الطبقة العاملة) بحكم موقعها في (الإنتاج) و(الصناعة)؛ هي القوة الوحيدة القادرة على قيادة تحول اجتماعي حقيقي نحو مجتمع أكثر عدالة؛ لان انتصار (الطبقة العاملة) ليس انتصارا لفئة ضد أخرى؛ بل هو انتصار لقيم أوسع؛ لان (الديمقراطية الحقيقية) لا تقتصر على الشكل السياسي؛ بل تمتد إلى المجال الاقتصادي والعدالة الاجتماعية؛ التي تضمن توزيعا منصفا للثروة.. والعدل؛ الذي يضع الإنسان وكرامته في قلب (عملية التنمية)؛ لان الدفاع عن (النقابيين) الشرفاء و(العمال) الواعين ليس مجرد تضامن فئوي بل هو دفاع عن مستقبل المجتمع بأسره؛ لأن المعركة من أجل حقوق العمل هي في جوهرها معركة من أجل إنسانية الإنسان .
لأن (الحركات العمالية) في (اليوم العالمي للعمال) تناضل بشكل متواصل من اجل تطوير قطاع (العمل) و(العمال) وتحقيق إنجازات نوعية على مختلف اصعد الحياة:
أولا… من حيث فرص العمل.
ثانيا… تعزيز قدرات الاقتصاد لجميع الدول.
ثالثا… دعم مسيرة التنمية الشاملة.
رابعا… تطوير معايير العمل الدولية والوطنية.
خامسا… الارتقاء بالحقوق العمالية.
سادسا… تحسين شروط وظروف العمل.
وانطلاقا من رسالة (الحركات العمالية)؛ فان كل هذه (الحركات العمالية) تلتزم بعمق قضايا العمل وسعيها لتحقيق العدالة الاجتماعية من خلال تعزيز الحماية الاجتماعية الشاملة لجميع العاملين بمن فيهم العاملين في القطاعات:
أولا… الاقتصاد غير المنظم.
ثانيا… العاملون لحسابهم الخاص.
ثالثا… العاملون عبر المنصات الرقمية.
ليتم الضمان الأمن الوظيفي.. وتكافؤ الفرص.. والعيش الكريم؛ وذلك من اجل دعم الحوار الاجتماعي الفعال بين أطراف الإنتاج الثلاثة كمرتكز أساسي لبناء سياسات تشغيل عادلة وتوسيع المشاركة المجتمعية في وضع الاستراتيجيات الوطنية تتكامل فيها الرؤى من أجل النهوض بأسواق العالمية والمحلية.
الحركات العمالية ملتزمة بدعم قضايا العمل وتعمل على تمكين العمال لضمان مواكبة التحولات التكنولوجية
لذلك فان (الحركات العمالية) في جميع دول العالم ملتزمة بدعم قضايا العادلة لـ(العمال) وتعمل على تمكينهم لضمان جاهزيتهم لمواكبة (التحولات التكنولوجية) و(ثورة التكنولوجيا والاتصالات المعاصرة) من خلال التدريب وإعادة التأهيل المستمر بما يضمن قدرتهم على التكيف مع أنماط العمل الجديدة؛ وتأمين انتقال عادل نحو اقتصاديات المستقبل.. وتعزيز صحة.. وسلامة العمال، لاسيما في ظل المخاطر المهنية الناشئة المرتبطة بأنماط العمل الجديدة وتعزيز بيئة العمل الداعمة والمتوازنة.
كما أن (الحركات العمالية) تعمل على حشد الجهود لمناصرة قضايا (العمال) في المحافل الدولية، وتناشد (المجتمع الدولي) بتحمل مسؤولياته القانونية والأخلاقية لحمايتهم وضمان حقوقهم في العيش بحرية وكرامة في دولهم، ورغم كل الجهود التي تبذلها والشعارات التي تطلقها فان (الحركات العمالية) في شتى أنحاء العالم تعي وتدرك ما تعانيه (طبقة العمال) في كل مواقع العمل، لان (العمال) كانوا وما زالوا الحلقة الأضعف ولم يتم إنصافهم إلى يومنا هذا؛ رغم كل الجهود والمناشدات في ضمان العيش الكريم.. وحق التعليم.. والصحة، إلا أن بسبب ما يمر به العالم من حروب ونزاعات دولية وإقليمية ومحلية هنا وهناك؛ فان الآثار المترتبة عن ذلك يتم تعطيل الحياة الاقتصادية وضعف عجلة الإنتاج والتي يتحمل وزرها الأكبر (العمال) المكافحون من اجل لقمة عيش وحياة أفضل.
حكومات اغلب دول العالم تتجاهل ما تعانيه الطبقات الكادحة لتتحول إلى ضحايا للتجويع والتهميش
فان ما يتعرض له (العمال) أو(الطبقة العمالية) في مختلف دول العالم من التقهقر والانحدار بمواجهة أزمات اقتصادية خانقه واستفحالها؛ فان أعلب حكومات دول العالم وخاصة الشرقية منها؛ لا تنظر إلا بعين واحده وهي الجباية المالية.. واسترضاء الفئات الغنية والمتنفذة وأصحاب السلطة؛ متجاوزين الحقائق العلمية والإحصائية حول المعاناة القاسية التي يمر بها الكادحين في ظل تفاقم البطالة.. وانتشار الفقر.. والجوع.. والتي يرزح تحت ثقلها أبناء (الطبقات الكادحة) التي تمثل الغالبية الساحقة من أبناء المجتمعات الذين يعيشون تحت خط الفقر؛ وقد تغولت اغلب حكومات دول العالم على حقوق (العمال) وسلبتها؛ لذلك فان النسبة العظمى منهم ما زالوا يفتقدون لحق العلاج.. وحق التعليم.. وحتى في أجورهم وهي الأقل بين كل الطبقات العاملة في دوائر الدول الحكومية وبفارق كبير جدا؛ ورغم المعاناة السابقة والحياة القاسية التي يتعرض لها (العمال)؛ فان اغلب حكومات العالم تتجاهل ما تعانيه هذه الطبقة من الفقر والعوز، لتتحول (الطبقات الكادحة) إلى ضحايا للتجويع والتهميش، في حين تزداد الثروات لدى قوى الفساد والتحالفات المشبوهة بين قوى رأس المال والسلطة.. وقوى الظلم والاستغلال من غلاة الرأسماليين.. وأصحاب السلطة.. وأرباب الاحتكارات.. والمتحكمين في قوت الكادحين والفقراء.
عيد العمال يجب ألا يكون فقط مناسبة للاحتفال الرمزي، بل منصة لإعادة تعريف العلاقة بين الدولة والعامل وبين التنمية والعدالة و بين الاقتصاد والكرامة
لذلك عملت (الحركات العمالية) إلى إعادة بناء (النقابات العمالية والمهنية) على أسس ديمقراطية حقيقية بعيدا عن التسيير الفوقي على إصلاح قوانين العمل والتأمينات بما يضمن الحماية للعامل في القطاعين العام والخاص
وربط مفاهيم على نحو الأتي:
الإنتاج بالكرامة.
والربح بالعدالة.
والحرية بالتنمية المستدامة.
ليتم من خلال هذه المفاهيم صياغة مشروع (اقتصادي – اجتماعي) عادل يعيد توزيع الثروة.. ويكرس حقوق (العمال) و(الفلاحين).. ليتم تعزيز الحماية الاجتماعية الشاملة لجميع العاملين بمن فيهم:
العاملون في الاقتصاد غير المنظم.
العاملون لحسابهم الخاص.
العاملون عبر المنصات الرقمية.
ليتم الضمان الأمن الوظيفي.. وتكافؤ الفرص,, والعيش الكريم، مع دعم الحوار الاجتماعي الفعال بين أطراف الإنتاج الثلاثة كمرتكز أساسي لبناء سياسات تشغيل عادلة، وتوسيع المشاركة المجتمعية في وضع الاستراتيجيات الوطنية؛ تتكامل فيها الرؤى من أجل النهوض بأسواق العمل من اجل تمكين العمال لضمان جاهزيتهم لمواكبة (التحولات التكنولوجية) من خلال التدريب وإعادة التأهيل المستمر، لان في ظل تحولات الكبرى التي يشهدها عالمنا اليوم؛ فان ما فرضتها (الثورة الرقمية) المتسرعة و(التطورات تكنولوجية) غير مسبوقة؛ أوجدت أنماطا جديدة من التشغيل والعمل، وطرحت تحديات غير تقليدية تتطلب استجابة شاملة ومتكاملة من جميع الشركاء الاجتماعيين لضمان التوازن بين :
اولا… التحول الرقمي.
ثانيا… العدالة الاجتماعية.
وبما يضمن قدرتهم على التكيف مع أنماط العمل الجديدة.. وتأمين انتقال عادل نحو اقتصاديات المستقبل.. مع تعزيز صحة وسلامة (العمال)، لاسيما في ظل المخاطر المهنية الناشئة المرتبطة بأنماط العمل الجديدة، وتعزيز بيئة العمل الداعمة والمتوازنة.
ومن هنا نقول:
بان (عيد العمال) يجب ألا يكون فقط مناسبة للاحتفال الرمزي، بل منصة لإعادة تعريف العلاقة بين (الدولة) و(العامل) و بين (التنمية) و(العدالة) وبين (الاقتصاد) و(الكرامة).
لان في ظل الأزمات يصبح (العمل) واجبا على الفاعلين السياسيين.. والاجتماعيين.. والاقتصاديين؛ ليتم إعادة الاعتبار لمفهوم (الاقتصاد الإنساني) الذي يضع الإنسان – العامل – في قلب السياسات لا على هامشها.
وهنا نتذكر كلمة (كارل ماركس) و(فردريك انجليز) التي جاءت في (البيان الشيوعي الأول) والصادر عام 1848 حين رفعوا شعار :
(( يا عمال العالم اتحدوا))، أحد أهم الشعارات السياسية وشعار (عيد العمال)؛ ليكون اتحاد (العمال) قوة لتغيير.. والبناء.. والإنتاج .