د. فاضل حسن شريف
و انبرى حسان بن ثابت، شاعر رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم يستأذنه في تخليد ذكرى هذه الحادثة في شعره، فقال: يناديهم يوم الغدير نبيّهم * بخم و أسمع بالرّسول مناديا فقال: فمن مولاكم و نبيّكم؟ * فقالوا، و لم يبدوا هناك التعاميا إلهك مولانا و أنت نبيّنا * و لم تلق منا في الولاية عاصيا فقال له: قم يا عليّ فإنّني * رضيتك من بعدي إماما و هاديا فمن كنت مولاه فهذا وليه * فكونوا له أتباع صدق و واليا هناك دعا: اللّهم وال وليه * و كن للذي عادى عليا معاديا. نقل هذه الأبيات جمع من كبار علماء أهل السنة، منهم: الحافظ أبو نعيم الأصفهاني، و الحافظ أبو سعيد السجستاني، و الخوارزمي المالكي، و الحافظ أبو عبد اللّه المرزباني، و الكنجي الشافعي، و جلال الدين السيوطي، و سبط بن الجوزي، و صدر الدين الحموي، و غيرهم.
يقول العلامة السيد الطباطبائي عن روايات نزول آية التبليغ تخالف روايات آل البيت: وفي الدر المنثور، وفتح القدير، وغيرهما عن ابن مردويه والضياء في المختارة عن ابن عباس: أن رسول الله صلى الله عليه وآله سئل: أي آية أنزلت من السماء أشد عليك؟ فقال:كنت بمنى أيام موسم فاجتمع مشركو العرب ـ وإفناء الناس في الموسم فأنزل علي جبرئيل فقال: “يا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ ما أُنْزِلَ إِلَيْكَ” (المائدة 67) (الآية). قال: فقمت عند العقبة فناديت: يا أيها الناس من ينصرني على أن أبلغ رسالة ربي وله الجنة؟ أيها الناس قولوا: لا إله إلا الله وأنا رسول الله إليكم تفلحوا وتنجحوا ولكم الجنة. قال: فما بقي رجل ولا امرأة ولا صبي ـ إلا يرمون بالتراب والحجارة، ويبزقون في وجهي ويقولون: كذاب صابئ ـ فعرض علي عارض فقال: يا محمد ـ إن كنت رسول الله فقد آن لك أن تدعو عليهم كما دعا نوح على قومه بالهلاك، فقال النبي صلى الله عليه وآله: اللهم اهد قومي فإنهم لا يعلمون. فجاء العباس عمه فأنقذه منهم وجردهم عنه. أقول: الآية بتمامها لا ينطبق على هذه القصة على ما عرفت تفصيل القول فيه. اللهم إلا أن تحمل الرواية على نزول قطعة من الآية وهي قوله: “يا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ ما أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّك” (المائدة 67) في ذلك اليوم، وظاهر الرواية يأباه، ونظيرها ما يأتي. وفي الدر المنثور، وفتح القدير: أخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن مجاهد قال: لما نزلت “بَلِّغْ ما أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ” (المائدة 67) قال: يا رب إنما أنا واحد كيف أصنع؟ يجتمع علي الناس فنزلت “وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَما بَلَّغْتَ رِسالَتَهُ” (المائدة 67). وفيها عن الحسن: أن رسول الله صلى الله عليه وآله قال: إن الله بعثني برسالته فضقت بها ذرعا، وعرفت أن الناس مكذبي فوعدني لأبلغن أو ليعذبني فأنزل: “يا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ ما أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ” (المائدة 67). أقول: الروايتان على ما فيهما من القطع والإرسال فيهما ما في سابقتهما، ونظيرتهما في هذا التشويش بعض ما ورد: في أن رسول الله صلى الله عليه وآله كان يحترس برجال فلما نزلت الآية فرقهم وقال عليه السلام إن ربي وعدني أن يعصمني.
ويستمر العلامة الطباطبائي قدس سره في توضيح الآية (المائدة 3): فذهل عن أن المراد باليأس إن كان هو اليأس المستند إلى ظهور الإسلام وقوته وهو ما كان بفتح مكة أو بنزول آيات البراءة لم يصح أن يقال يوم عرفة من السنة العاشرة: “الْيَوْمَ يَئِسَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ دِينِكُمْ” (المائدة 3) وقد كانوا يئسوا قبل ذلك بسنة أو سنتين، وإنما اللفظ الوافي له أن يقال: قد يئسوا كما عبر به القائل نفسه في كلامه في توضيح المعنى أو يقال: إنهم آيسون. وذهل عن أن هذا التدرج الذي ذكره في محرمات الطعام، وقاس تحريمها بتحريم الخمر إن أريد به التدرج من حيث تحريم بعض الأفراد بعد بعض فقد عرفت أن الآية لا تشتمل على أزيد مما تشتمل عليه آيات التحريم السابقة نزولا على هذه الآية أعني آيات البقرة والأنعام والنحل، وأن المنخنقة والموقوذة (إلخ) من أفراد ما ذكر فيها. وإن أريد به التدرج من حيث البيان الإجمالي والتفصيلي خوفا من امتناع الناس من القبول ففي غير محله، فإن ما ذكر بالتصريح في السور السابقة على المائدة أعني الميتة والدم ولحم الخنزير وما أهل لغير الله به أغلب مصداقا، وأكثر ابتلاء، وأوقع في قلوب الناس من أمثال المنخنقة والموقوذة وغيرها، وهي أمور نادرة التحقق وشاذة الوجود، فما بال تلك الأربعة وهي أهم وأوقع وأكثر يصرح بتحريمها من غير خوف من ذلك ثم يتقي من ذكرها ما لا يعبأ بأمره بالإضافة إليها فيتدرج في بيان حرمتها، ويخاف من التصريح بها. على أن ذلك لو سلم لم يكن إكمالا للدين، وهل يصح أن يسمى تشريع الأحكام دينا وإبلاغها وبيانها إكمالا للدين؟ ولو سلم فإنما ذلك إكمال لبعض الدين وإتمام لبعض النعمة لا للكل والجميع، وقد قال تعالى: “الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي” (المائدة 3) فأطلق القول من غير تقييد. على أنه تعالى قد بين أحكاما كثيرة في أيام كثيرة، فما بال هذا الحكم في هذا اليوم خص بالمزية فسماه الله أو سمى بيانه تفصيلا بإشمال الدين وإتمام النعمة. أو أن المراد بإكمال الدين إكماله بسد باب التشريع بعد هذه الآية المبينة لتفصيل محرمات الطعام، فما شأن الأحكام النازلة ما بين نزول المائدة ورحلة النبي صلى الله عليه وآله؟ بل ما شأن سائر الأحكام النازلة بعد هذه الآية في سورة المائدة؟ تأمل فيه. وبعد ذلك كله ما معنى قوله تعالى: “وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلامَ دِيناً” (المائدة 3) وتقديره: اليوم رضيت (إلخ) لو كان المراد بالكلام الامتنان بما ذكر في الآية من المحرمات يوم عرفة من السنة العاشرة؟ وما وجه اختصاص هذا اليوم بأن الله سبحانه رضي فيه الإسلام دينا، ولا أمر يختص به اليوم مما يناسب هذا الرضا؟. وبعد ذلك كله يرد على هذا الوجه أكثر الإشكالات الواردة على الوجوه السابقة أو ما يقرب منها مما تقدم بيانه ولا نطيل بالإعادة. أو أن المراد باليوم واحد من الأيام التي بين عرفة وبين ورود النبي صلى الله عليه وآله المدينة على بعض الوجوه المذكورة في معنى يأس الكفار ومعنى إكمال الدين. وفيه من الإشكال ما يرد على غيره على التفصيل المتقدم. فهذا شطر من البحث عن الآية بحسب السير فيما قيل أو يمكن أن يقال في توجيه معناها، ولنبحث عنها من طريق آخر يناسب طريق البحث الخاص بهذا الكتاب.
عن الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل للشيخ ناصر مكارم الشيرازي: و فيما يلي قرائن أخرى إضافة إلى ما ذكر في دعم و تأييد تفسير الآية 3 من سورة المائدة: أ- لقد ذكرت تفاسير الرازي و روح المعاني و المنار في تفسير هذه الآية أنّ النّبي صلّى اللّه عليه و آله و سلّم لم يعش أكثر من واحد و ثمانين يوما بعد نزول هذه الآية، و هذا أمر يثير الانتباه في حد ذاته، إذ حين نرى أنّ وفاة النّبي صلّى اللّه عليه و آله و سلّم كانت في اليوم الثّاني عشر من ربيع الأوّل (بحسب الروايات الواردة في مصادر جمهور السنّة، و حتى في بعض روايات الشيعة، كالتي ذكرها الكليني في كتابه المعروف بالكافي) نستنتج أن نزول الآية كان بالضبط في يوم الثامن عشر من ذي الحجّة الحرام، و هو يوم غدير خم. إنّ هذا الحساب يكون صحيحا إذا لم ندخل يوم وفاة النّبي صلّى اللّه عليه و آله و سلّم و يوم غدير خم في الحساب، و أن يكون في ثلاثة أشهر متتاليات مشهرات عدد أيّام كل منهما (29) يوما، و نظرا لأن أي حدث تاريخي لم يحصل قبل و بعد يوم غدير خم، فمن المرجح أن يكون المراد باليوم المذكور في الآية هو يوم غدير خم. ب- ذكرت روايات كثيرة نقلتها مصادر السنّة و الشيعة أنّ هذه الآية الكريمة نزلت في يوم غدير خم، و بعد أن أبلغ النّبي صلّى اللّه عليه و آله و سلّم المسلمين بولاية علي بن أبي طالب عليه السّلام، و من هذه الروايات: 1- ما نقله العالم السنّي المشهور ابن جرير الطبري في كتاب الولاية عن زيد بن أرقم الصحابي المعروف، أنّ هذه الآية نزلت في يوم غدير خم بشأن علي بن أبي طالب عليه السّلام. 2- و نقل الحافظ أبو نعيم الأصفهاني في كتاب ما نزل من القرآن بحق علي عليه السّلام عن أبي سعيد الخدري و هو صحابي معروف أنّ النّبي صلّى اللّه عليه و آله و سلّم أعطى في يوم غدير خم عليا منصب الولاية. و إنّ الناس في ذلك اليوم لم يكادوا ليتفرقوا حتى نزلت آية: “الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ” (المائدة 3) فقال النّبي صلّى اللّه عليه و آله و سلّم و في تلك اللحظة (اللّه أكبر على إكمال الدين و إتمام النعمة و رضى الرب برسالتي و بالولاية لعلي عليه السّلام من بعدي) ثمّ قال صلّى اللّه عليه و آله و سلّم: (من كنت مولاه فعلي مولاه، اللّهم و ال من والاه و عاد من عاداه، و انصر من نصره و اخذل من خذله).
ويستطرد الشيخ الشيرازي قائلا: 3- و روى الخطيب البغدادي في تاريخه عن أبي هريرة عن النّبي صلّى اللّه عليه و آله و سلّم أنّ آية “الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ” (المائدة 3) نزلت عقيب حادثة غدير خم و العهد بالولاية لعلي عليه السّلام و قول عمر بن الخطاب: (بخ بخ لك يا ابن أبي طالب، أصبحت مولاي و مولى كل مسلم). و جاء في كتاب الغدير إضافة إلى الروايات الثلاث المذكورة، ثلاث عشرة رواية أخرى في هذا المجال. ورود في كتاب «إحقاق الحق» نقلا عن الجزء الثّاني من تفسير ابن كثير من الصفحة 14 و عن كتاب مقتل الخوارزمي في الصفحة 47 عن النّبي صلّى اللّه عليه و آله و سلّم أنّ هذه الآية نزلت في واقعة غدير خم. و نرى في تفسير البرهان و تفسير نور الثقلين عشر روايات من طرق مختلفة حول نزول الآية في حق علي عليه السّلام أو في يوم غدير خم، و نقل كل هذه الروايات يحتاج إلى رسالة منفردة. و قد ذكر العلّامة السيد عبد الحسين شرف الدين في كتابه المراجعات أن الروايات الصحيحة المنقولة عن الإمامين الباقر و الصّادق عليهما السّلام تقول بنزول هذه الآية في يوم غدير خم و إنّ جمهور السنّة أيضا قد نقلوا ستة أحاديث بأسانيد مختلفة عن النّبي صلّى اللّه عليه و آله و سلّم تصرح كلها بنزول الآية في واقعة غدير خم. يتّضح ممّا تقدم أنّ الروايات و الأخبار التي أكّدت نزول الآية- موضوع البحث- في واقعة غدير خم ليست من نوع أخبار الآحاد لكي يمكن تجاهلها، عن طريق اعتبار الضعف في بعض أسانيدها، بل هي أخبار إن لم تكن في حكم المتواتر فهي على أقل تقدير من الأخبار المستفيضة التي تناقلتها المصادر الإسلامية المشهورة. و مع ذلك فإنّنا نرى بعضا من العلماء المتعصبين من أهل السنّة كالآلوسي في تفسير روح المعاني الذي تجاهل الأخبار الواردة في هذا المجال لمجرّد ضعف سند واحد منها، و قد وصم هؤلاء هذه الرواية بأنّها موضوعة أو غير صحيحة، لأنّها لم تكن لتلائم أذواقهم الشخصية، و قد مرّ بعضهم في تفسيره لهذه الآية مرور الكرام و لم يلمح إليها بشيء، كما في تفسير المنار، و لعل صاحب المنار وجد نفسه في مأزق حيال هذه الروايات فهو إن وصمها بالضعف خالف بذلك منطق العدل و الإنصاف، و إن قبلها عمل شيئا خلافا لميله و ذوقه.