يشكل مضيق هرمز واحداً من أكثر الممرات البحرية حساسية في العالم، إذ يمر عبره جزء كبير من صادرات النفط والغاز العالمية، مما يجعل أي توتر فيه يتجاوز حدود الصراع الإقليمي ليصبح قضية دولية تمس الاقتصاد العالمي وأمن الطاقة. ولذلك، فإن أي مواجهة بين الولايات المتحدة وإيران في هذا المضيق لا يمكن فهمها بوصفها مجرد خلاف عسكري أو سياسي، بل باعتبارها جزءاً من صراع استراتيجي طويل تتداخل فيه المصالح الاقتصادية والعسكرية والجيوسياسية.
منذ قيام الجمهورية الإسلامية عام 1979، دخلت العلاقات الأمريكية الإيرانية مرحلة من العداء المستمر. ورغم تغير الإدارات الأمريكية وتبدل الحكومات الإيرانية، بقيت طبيعة الصراع قائمة على مبدأ الردع المتبادل، حيث تحاول كل دولة منع الأخرى من فرض هيمنتها الكاملة على المنطقة. وفي هذا السياق، أصبح مضيق هرمز أحد أهم أوراق الضغط الإيرانية، بينما تعتبره الولايات المتحدة ممراً دولياً يجب أن يبقى مفتوحاً أمام الملاحة.
يرى فريق من الباحثين أن الولايات المتحدة لا تسعى بالضرورة إلى احتلال إيران أو خوض حرب شاملة معها، وإنما تعتمد على استراتيجية تقوم على إنهاك الخصم وإضعاف قدراته الاقتصادية والعسكرية. وتتجلى هذه الاستراتيجية في العقوبات الاقتصادية الواسعة، والضغوط الدبلوماسية، والقيود على تصدير النفط، واستهداف شبكات التمويل، إلى جانب بناء تحالفات إقليمية تعزز النفوذ الأمريكي وتحد من قدرة إيران على توسيع نفوذها.
ويعتقد أصحاب هذا الرأي أن واشنطن تدرك أن أي حرب واسعة مع إيران ستكون باهظة الثمن، ليس فقط بسبب حجم إيران الجغرافي وعدد سكانها وقدراتها العسكرية، وإنما أيضاً بسبب انعكاساتها على الاقتصاد العالمي وأسعار الطاقة. لذلك فإن سياسة الضغط المستمر تبدو، من وجهة نظرهم، أكثر جدوى وأقل كلفة من المواجهة العسكرية المباشرة.
في المقابل، يذهب آخرون إلى أن السياسة الأمريكية تتجاوز مجرد الاحتواء، وأنها تقوم عملياً على إضعاف البنية الاقتصادية والسياسية للدول المنافسة، بحيث تصبح أقل قدرة على تحدي النفوذ الأمريكي. ويستشهد هؤلاء بالعقوبات الاقتصادية الطويلة، والضغوط السياسية، والدعم المقدم لبعض القوى الإقليمية، معتبرين أن النتيجة النهائية لهذه السياسات هي إضعاف الدولة المستهدفة حتى وإن لم يكن الهدف المعلن هو إسقاطها.
لكن هذا التفسير لا يحظى بإجماع بين المختصين. فهناك من يرى أن الهدف الأمريكي الأساسي يتمثل في منع امتلاك إيران قدرات عسكرية متقدمة يمكن أن تغير ميزان القوى في المنطقة، إضافة إلى حماية حرية الملاحة البحرية وحلفاء الولايات المتحدة، وليس بالضرورة “التدمير والتخريب” بوصفهما غاية قائمة بذاتها. ومن ثم فإن توصيف الاستراتيجية الأمريكية يعتمد إلى حد كبير على الزاوية التي ينظر منها الباحث إلى طبيعة النظام الدولي ومفهوم المصالح القومية.
أما إيران، فقد بنت استراتيجيتها على مبدأ الصمود طويل الأمد. فبدلاً من الدخول في مواجهة تقليدية مع الولايات المتحدة، ركزت على تطوير قدرات صاروخية، واستخدام وسائل ردع غير تقليدية، وتعزيز نفوذها الإقليمي عبر شبكة من العلاقات والتحالفات. كما اعتمدت على خطاب سياسي يقدم الصراع مع الولايات المتحدة باعتباره قضية سيادة واستقلال ورفضاً للهيمنة الخارجية، وهو خطاب يجد قبولاً لدى شريحة من الإيرانيين، خصوصاً في أوقات التوتر الخارجي.
وفي مضيق هرمز تحديداً، تدرك إيران أن هذا الممر يمثل نقطة قوة استراتيجية. فهي تعلم أن مجرد التلويح بإمكانية تعطيل الملاحة فيه يثير قلق الأسواق العالمية، ولذلك تستخدم هذه الورقة في إطار سياسة الردع أكثر من استخدامها كخيار عملي دائم، لأن إغلاق المضيق سيضر أيضاً بالمصالح الإيرانية وباقتصادات دول عديدة، وقد يؤدي إلى ردود فعل دولية واسعة.
أما السؤال الأكثر تعقيداً فهو: هل لا يزال النظام الإيراني يحظى بشرعية داخل المجتمع الإيراني؟
الإجابة العلمية لا يمكن أن تكون بنعم أو لا بشكل مطلق، لأن المجتمع الإيراني متنوع سياسياً وثقافياً واجتماعياً، ولا توجد انتخابات أو استطلاعات مستقلة تماماً يمكنها قياس الرأي العام بدقة في جميع الظروف.
لا شك أن إيران شهدت خلال السنوات الأخيرة احتجاجات واسعة لأسباب اقتصادية وسياسية واجتماعية، وشارك فيها مواطنون من شرائح مختلفة، وهو ما يشير إلى وجود درجة معتبرة من السخط تجاه أداء الدولة في ملفات متعددة، مثل الاقتصاد، والتضخم، والحريات العامة، ومستوى المعيشة. كما أن نسب المشاركة في بعض الانتخابات شهدت تراجعاً مقارنة بسنوات سابقة، وهو ما فسره بعض المحللين على أنه تعبير عن تراجع الثقة لدى جزء من المواطنين.
وفي المقابل، لا توجد أدلة موثوقة تدعم القول إن النظام فقد كل قاعدته الشعبية. فما زالت هناك فئات تؤيده لأسباب متعددة، منها القناعة الأيديولوجية، أو الاعتبارات الدينية، أو القومية، أو الاعتقاد بأن النظام يمثل حصناً أمام التدخلات الخارجية. كما ترتبط بعض الشرائح بمؤسسات الدولة أو ترى أن استقرار البلاد أولوية حتى مع وجود انتقادات للأوضاع الداخلية.
لذلك، فإن اختزال المشهد بالقول إن “الأقلية فقط تدافع عن النظام” لا يعكس التعقيد الحقيقي للمجتمع الإيراني. كما أن الادعاء بأن أغلبية الإيرانيين تؤيد النظام بلا تحفظ لا يتوافق أيضاً مع المؤشرات المتاحة. والأقرب إلى الواقع أن المجتمع الإيراني يشهد انقساماً واضحاً، مع وجود طيف واسع من المواقف يتراوح بين التأييد، والمعارضة، والمواقف الوسطية التي تنتقد أداء الحكومة دون أن تؤيد تغيير النظام بالقوة.
ومن المهم أيضاً ملاحظة أن الضغوط الخارجية والعقوبات قد تؤدي أحياناً إلى نتائج متناقضة. ففي بعض الحالات تضعف ثقة المواطنين بالحكومة، وفي حالات أخرى تدفع جزءاً من المجتمع إلى الالتفاف حول الدولة باعتبارها تواجه تهديداً خارجياً. وهذه ظاهرة معروفة في العلوم السياسية، ولا تقتصر على إيران وحدها.
أما بالنسبة للمستقبل، فإن استمرار الأزمة في مضيق هرمز سيظل مرتبطاً بعدة عوامل، أهمها مسار العلاقات الأمريكية الإيرانية، ومستقبل البرنامج النووي الإيراني، ودور القوى الإقليمية، وحاجة الاقتصاد العالمي إلى استقرار أسواق الطاقة. ومن المرجح أن تستمر سياسة الردع المتبادل، لأن كلفة الحرب الشاملة تبقى مرتفعة على جميع الأطراف.
وفي ضوء ذلك، تبدو الرؤية الأكثر دقة هي أن الولايات المتحدة تتبع سياسة مركبة تجمع بين الردع العسكري، والضغط الاقتصادي، والاحتواء السياسي، بهدف الحد من النفوذ الإيراني وتقليل قدرته على التأثير الإقليمي، بينما تسعى إيران إلى الحفاظ على قدرتها على الردع وإثبات أنها لاعب لا يمكن تجاوزه في معادلات الشرق الأوسط. أما وصف السياسة الأمريكية بأنها تقوم حصراً على “التدمير والتخريب”، أو القول إن النظام الإيراني لا يحظى إلا بدعم أقلية ضئيلة، فهما طرحان يتضمنان تعميماً لا تؤيده الأدلة بشكل قاطع.
وفي النهاية، تكشف أزمة مضيق هرمز أن الصراع بين واشنطن وطهران ليس مجرد نزاع على ممر مائي، بل هو انعكاس لتنافس أوسع على النفوذ الإقليمي، وأمن الطاقة، وتوازن القوى في النظام الدولي. ومن المرجح أن يستمر هذا التنافس عبر أدوات الضغط والردع والمفاوضات أكثر من تحوله إلى مواجهة عسكرية مفتوحة، لأن جميع الأطراف تدرك أن الحرب الشاملة قد تحقق مكاسب محدودة، لكنها ستخلف خسائر استراتيجية واقتصادية هائلة على المنطقة والعالم.
علي جاسم ياسين