محمد عبد الجبار الشبوط
عقد في عام 1985 المؤتمر الاقليمي لحزب الدعوة الاسلامية في ايران، وكنت انذاك عضوا في اللجنة القيادية لفرع الحزب في سوريا، التي كانت تتألف انذاك من اربعة اعضاء. غير ان ظروفي الصحية لم تكن تسمح لي بالسفر، حيث كنت قد خرجت لتوي من المعتقل في الكويت، وكان التعذيب قد اقعدني اكثر من ثلاثة اشهر في البيت بعد ابعادي من الكويت الى قبرص فسوريا في اواخرعام 1984. ولهذا السبب فقد اعتذرت عن الذهاب الى ايران والمشاركة في المؤتمر، بعد ان كنت شاركت في المؤتمر الاقليمي السابق الذي عقد في عام 1983. وكتعويض عن المشاركة فقد وجهت رسالة الى المؤتمر تضمنت ارائي وافكاري وتصوراتي عن العمل في تلك الفترة، وهي افكار واستنتاجات توصلت اليها بعد خبرة سنوات في العمل في صفوف الدعوة خاصة بعد قيام الثورة الاسلامية في ايران وانتقال حزب الدعوة اليها.
وكانت هذه الفترة شهدت على المستوى الشخصي المتغيرات التالية:
1. مغادرتي الكويت في اواخر عام 1982 الى طهران لتولي مسؤولية اصدار صحيفة “الجهاد” الناطقة باسم حزب الدعوة. وهناك تمكنت من التوصل الى ادراك مغزى الخصوصيات التي يتمتع بها كل مجتمع، بما في ذلك المجتمع العراقي، الامر الذي يتعذر معه تصور امكان استنساخ التجربة الايرانية في العراق.
2. تولي مسؤولية فرع الحزب في الكويت، بعد عودتي اليها في اوائل عام 1983، وانشقاق اللجنة القيادية فيها عن الحزب بزعامة احد الدعاة، وكان مقدمة لتورط المجموعة المنشقة بنشاط معين في الكويت الحق افدح الضرر بالدعوة، خاصة، والجالية العراقية عامة، في الكويت.
3. اعتقالي في الكويت في ديسمبر من عام 1984 ثم ابعادي كما قلت الى سوريا. وكان سبب الاعتقال الذي واجهني به المحققون هو اني ضابط ارتباط بين فرع منظمة الجهاد في الكويت وفرعها في ايران. وكانت المنظمة قد اعلنت مسؤوليتها عن اختطاف طائرة كويتية قبيل اعتقالي. واعتقد ان المحققين كانوا يمتلكون معلومات مشوشة عني ولم يعرفوا كيف يصححوها، فقد كنت فعلا عضو ارتباط، ولكن ليس في منظمة الجهاد، وانما في حزب الدعوة الاسلامية، ولم اشأ بطبيعة الحال ان اصحح هذه المعلومات لدى المحققين الذين لم يتمكنوا من انتزاع معلومة واحدة مني والحمد لله.
4. دخولي عضوية اللجنة القيادية لفرع الحزب في سوريا وتولي العديد من المسؤوليات التنظيمية فيه. وهو موقع اتيح لي من خلاله ان اتعرف على حالة الحزب الداخلية في سوريا، ثم قيامي بتقديم افكار ومقترحات لتطوير هذه الحالة.
وشهدت نفس الفترة على المستوى العام تطورات مهمة على صعيد الحرب العراقية-الايرانية انتهت الى ما ذكرته في الرسالة من تصورات حول الحرب وموقفنا منها.
وسلمت الرسالة الى عضو اللجنة القيادية لفرع سوريا والمكلف بالارتباط انذاك مع القيادة في طهران، وطلبت منه ان يسلمها الى إدارة المؤتمر مع طلب قراءتها امام المشاركين فيه من الدعاة الميامين والرد عليها.
لا اعرف ماذا فعل المؤتمر بالرسالة، فلم اتلق أي رد مكتوب او شفهي من ادارة المؤتمر او قيادة الدعوة، كما ان الاخ المذكور لم يخبرني بما حصل فيها سوى قوله ان مقاطع قُرِأَتْ من الرسالة وانها لم تعجب الحاضرين! ولهذا فأنا اعتبر ان الدعاة الميامين، اعضاء المؤتمر الاقليمي انذاك، لم يطلعوا على رسالتي اليهم.
لا استطيع الحكم على الافكار التي وردت في الرسالة، فذلك متروك للنقاد واصحاب الرأي، لكني استطيع ان اقول ان قناعتي بهذه الافكار استمرت وتعمقت وتطورت طيلة السنوات التالية لكتابة الرسالة والتي امضيتها في حزب الدعوة والتي انتهت بخروجي رسميا منه في اوائل عام 1990، بعد حوالي 26 سنة امضيتها في صفوف هذا الحزب، بعد هجرتي الى بريطانيا قادما من لبنان التي كنت قد امضيت فيها سنتين (منذ نيسان 1988 الى نيسان من عام 1990). وكنت قد غادرت سوريا في نيسان من عام 1988 في اطار ترتيب مع قيادة حزب الدعوة يقضي بمغادرة احد اعضاء قيادة الفرع وانا سوريا الى بلدان اخرى بعد مشاكل حصلت في تنظيم سوريا، ليس هنا محل الحديث عنها.
في اواخر عام 1989 واوائل عام 1990 كانت الافكار التي وردت في الرسالة قد تطورت على شكل منظومة مترابطة من الافكار والخطوط السياسية يمكن ايجازها بالعناوين التالية:
اولا، الفهم الحضاري للاسلام، وهي محاولة لتقديم الاسلام بعيدا عن التعصب الديني والتطرف السياسي.
ثانيا، الاليات الديمقراطية، على اساس القناعة بانها وسيلة لتنظيم وادارة الحياة السياسية في المجتمع بما تنطوي عليه من صراعات وتسويات، وبدون ان يعني ذلك التخلي عن المعطيات الاسلامية الخاصة في الشأن السياسي.
ثالثا، الخصوصية العراقية، بمعنى الايمان بوجود خصائص تخص المجتمع العراقي يتعين مراعاتها في المشروع السياسي الاسلامي.
رابعا، الانفتاح السياسي على اساس الصلابة المبدأية والمرونة الواقعية.
خامسا، تكامل العامل الداخلي مع العامل الدولي في احداث التغيير السياسي في العراق.
وقد نشرت بعض هذه الافكار في جريدة “البديل الاسلامي” التي كانت تصدر في بيروت وكنت رئيسا لتحريرها، وخاصة المقال الشهير عن الموقف الاسلامي من الديمقراطية.
ويتعين علي ان اقول انني كنت استهدف من وراء طرح هذه الافكار المساهمة في تطوير عمل الدعوة الاسلامية خاصة والحركة الاسلامية عامة، بما كنت اعتبره مطالب ضرورية لتحقيق هذا التطور. ولا يعني ان طرح هذه الافكار حقق التطور المطلوب لأن هذا امر مرتبط بعوامل اخرى خارجة عن ارادتي بطبيعة الحال. ولعل البعض يعتبر ان طرح هذه الافكار اساء الى مسيرة الدعوة. ومع انني لا استطيع ان اوافق على هذا الرأي، الا انني اترك الحكم النهائي في هذا الموضوع الى التاريخ الذي سيدون بعض فصوله اشخاص محايدون لا يبغون غير الحقيقة.
وانا لا انكر ان العنصر الاكثر اثارة للجدل في هذه الافكار كان وما يزال هو موضوع العلاقة مع الجمهورية الاسلامية في ايران. وهو موضوع شائك واجهته الحركة الاسلامية العراقية وخاصة حزب الدعوة الاسلامية دون عدة سياسية وفكرية وعملية كافية لحل الاشكاليات الكثيرة التي يثيرها و ينطوي عليها.
وفي وقتها كنت، ومازلت بطبيعة الحال، ارفض اقامة علاقة تنطوي على تبعية بأية صورة كانت بين الجمهورية الاسلامية والحركة الاسلامية العراقية، مع ايماني الكامل بان ايران تشهد منذ الثورة الاسلامية فيها بقيادة الامام الراحل السيد الخميني تجربة رائدة على صعيد تطبيق الشريعة الاسلامية واقامة الدولة الاسلامية في عصرنا الراهن. واعتقد بان الحركات الاسلامية في العالم معنية بهذه التجربة ونجاحها وتطورها. لكن هذه لا يعني ان على هذه الحركات ان تقلد هذه التجربة او ان تكون خاضعة لها. وكنت في حينها اميز، في مسعى متواضع لتقنين العلاقة مع ايران على اساس سليم، بين ثلاثة محاور، هي:
اولا، الثورة، وانا اعتقد ان الثورة الاسلامية ظاهرة عالمية تظم العديد من المفردات، ليست الثورة الاسلامية في ايران سوى احداها مع عدم انكار ان الثورة الاسلامية الايرانية تحمل خصوصية نجاحها في اقامة دولتها الخاصة بها، وهذا في رأي لا يعطيها حقوقا اضافية على بقية اطراف الثورة الاسلامية، فقط وانما يرتب عليها مسؤوليات اضافية ازاء هذه الاطراف ايضا. وخلاصة ما اراه علاقتها بالثورة الاسلامية في ايران هو اننا كلنا شركاء في الظاهرة العالمية الاسلامية. وليست هناك ثورة تابعة لثورة، كما انه لا يمكن تقليد الثورات. فلكل ثورة خصوصياتها وقوانين اشتغالها.
ثانيا، الدولة. الدولة هنا تعني تحديدا الدولة الاسلامية في ايران، وهو الكيان السياسي الدستوري للشعب الايراني الذي اختار ان تقوم على اساس الاسلام كما ينص دستورها الذي اعتبره وثيقة سياسية اسلامية مهمة. اما الاخرون في الحركات الاسلامية فهم ليسوا اتباعا لهذه الحركة، ولا اذرعا خارجية لها، كما قال لي ذات يوم مسؤول كبير في حركة اسلامية عربية مهمة.ان الامر معكوس هنا، حيث ان قيام دولة اسلامية في بلد ما يحملها مسؤولية خاصة ازاء المسلمين في كل مكان. ان تكرار نسق العلاقة الستاليني الذي كان قائما بين الاحزاب الشيوعية والاتحاد السوفيتي السابق على صعيد الظاهرة الاسلامية يضر كثيرا بهذه الظاهرة.
ثالثا، مؤسسة ولاية الفقيه، التي كانت متجسدة في حينها في شخص الامام الخميني الذي يمثل شخصية استثنائية لا يمكن القياس عليه، او الحلول محله.
وقد كتبت مقالا نشر في صحيفة “السفير” اللبنانية في اواخر الثمانينات حول هذه المسألة. ويؤسفني انني لا املك نسخة من المقال الان.
وبعد الغزو العراقي للكويت اتضح ان هناك العديد من الدعاة يؤمنون بهذه الافكار، وهذه ظاهرة تطورت بعد ذلك على شكل اقامة تنظيم يتبنى هذه الافكار وهو التنظيم الذي شاركت بتأسيسه في عام 1991 مع اخوة دعاة اخرين وحمل في البداية اسم “كوادر حزب الدعوة الاسلامية”، ثم اسم “حركة الكوادر الاسلامية”. ويهمني ان ابين الان ان تشكيل هذا التنظيم لم يكن انشقاقا على حزب الدعوة الاسلامية، وانما كان محاولة لتجميع دعاة سابقين في حزب الدعوة في تنظيم جديد يؤمن بالمتبنيات التاريخية للدعوة مضافا اليها الافكار الجديدة التي افرزتها التجربة .
ولربما يتساءل البعض عن السبب الذي دفعني الى نشر هذه الرسالة بعد هذا الزمن. وفي الحقيقة ان الذي دفعني الى ذلك هو قناعتي بأن الرسالة تؤشر لمرحلة مهمة في تاريخ الدعوة والحركة الاسلامية عموما وبالتالي في تاريخ القضية العراقية. هذا فضلا عن انها تقدم لمحات عن تطور علاقتي بحزب الدعوة تلك العلاقة التي شابها الكثير من لحظات التوتر التي لم تكن تخلو ايضا من الظلم والتجني الذي لحقني من قبل العديد من الدعاة تبعا لذلك الظلم الذي كانت القيادة منشأ انتزاعه، بسبب افكاري السياسية والعملية التي لم تكن تعجب بعض المتصدين لقيادة الدعوة في فترات مختلفة. وقد كنت عزفت في الماضي عن التصدي لهذا الظلم وايضاح الحقائق بشأنه، لكني اعتقد الان ان هذا الامر برمته اصبح في ذمة التاريخ، والتاريخ يجب ان يدون من قبل الذين شاركوا في صنع احداثه، وان يعرف من قبل اولئك الذين يجهلونه لهذا السبب او ذاك.
وفوق هذا كله فان الرسالة تقدم دليلا ماديا ملموسا على ان الافكار التي تجسدت في اوائل التسعينات من خلال تأسيس كوادر الدعوة لم تكن في الواقع وليدة الظروف التي نتجت عن الغزو الصدامي للكويت، في اب من عام 1990، وانما هي وليدة مرحلة سبقت شهدت معاناة حقيقة بسبب الظروف التي كانت تحيط بالقضية العراقية عامة،وحزب الدعوة خاصة.
غني عن البيان ان الرسالة لم تكن تحمل عنوان “صرخة في واد!” في عام 1985، انما هو عنوان اطلقته عليها الان، أي بعد حوالي 15 سنة، لأني اؤمن الان مع الاسف ان الرسالة لم تكن في وقتها اكثر من صرخة في واد كانت تعلو فيه اصوات اخرى، ولم يكن بمقدور صرختي في ذلك الحين ان تجد اذانا تسمعها!
والان فاني اقدم للقارئ العزيز نص الرسالة كما كتبته اول مرة، دون اي تعديل او تغيير، آملا ان يكون في هذه الخطوة المتواضعة بعضُ الخدمة للحقيقة والتاريخ.
نص الرسالة
بسم الله الرحمن الرحيم
“يا قومِ ادخُلوا الأرضَ المقدسةَ التي كَتَبَ اللهُ لَكُم
ْ وَ لا تَرتَدّوا على أدبارِكُمْ فَتَنْقَلِبُوا خاسِرين”. المائدة 23
ايها الاخوة المؤتمرون !
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته!
يعلم الله كم انا مشتاق الى حضور مؤتمركم الكريم هذا. ولولا ظروف خارجة عن الارادة لما كنت الاّ بين ظهرانيكم لعلمي ان هذا المؤتمر لابد ان يخرج بنتائج ومقررات سوف يكون لها ابرز الاثر على التوجهات السياسية والجهادية الدعوتية للمرحلة المقبلة، ان شاء الله.
لا يملك حسا اجتماعيا ووعيا سياسيا من لم يلاحظ ان الساحة تشهد مخاضا عسيرا. ان الجميع يطالبون بعمل ما: عمل يضع حدا لمعاناتهم المعيشية واضطهادهم السياسي وغربتهم التي طال امدها؛ عمل يتجاوز في نوعيته الاطروحات النظرية والعملية السائدة حاليا والتي اوقعت العمل الاسلامي العراقي في مطب الدوران في حلقة مسدودة والسير في الطريق المسدود.
ويجب علينا-كدعوة رائدة- الاّ نكون خارج هذا المخاض ومنفصلين عنه، ومتخلفين عن وعي الامة، ووعي الدعاة. ان علينا ان نستوعب عملية المخاض هذه ونقود هذا الوعي.
ان الخطأ الاستراتيجي الذي وقع فيه العمل السياسي الاسلامي العراقي خلال السنوات القليلة الماضية يكمن في الرهان على خيار الحرب باسقاط صدام، وقد كان هذا الخيار في عصره الذهبي في الفترة التي رافقت واعقبت تحرير خرمشهر في عام 1982. وتذكرون ان الامل الكبير كان معقودا على فتح البصرة واقامة السلطة الاسلامية فيها كمقدمة لتحرير كامل اقليمنا الجريح من نير حاكمه الفرعون الصغير. وتذكرون انه بعد حملة تموز 1982 بدا رهان الحرب يسلك خطه البياني النازل حتى انتهى هذه الايام الى “حرب مدن” ثابتة لا تغني ولا تسمن من جوع.
لقد سقط خيار الحرب للاسباب التالية:
1. الموازين الدولية الراهنة التي ترفض اسقاط صدام بهجوم ايراني خارجي. ان المعادلة الدولية التي تحكم الحرب العراقية-الايرانية هذه الايام ” لا نصر لأيران ولا هزيمة للعراق”. ويجب ان نجد ثغرة في هذه المعادلة نعود من خلالها الى ديارنا الحبيبة.
2. القدرة العسكرية-المادية للنظام الفرعوني والمدعومة بشكل مستمر من قبل قوى الاستكبار العالمي للحفاظ على المعادلة السابقة.
3. المقدرة العسكرية الايرانية المحاصرة من قبل اغلب الجهات والتي لا تستطيع اجتياح القدرة العسكرية العراقية واسقاط نظامها السياسي.
ان هذا لا يعني ان علينا ان لا نواصل دعم الموقف الايراني؛ وانما يعني فقط ان علينا ان نبحث عن طريق اخر لأسقاط صدام مع اعتبار الحرب عاملا مساعدا وليس طريقا اساسيا.
ايها الاخوة الدعاة!
اننا نعرف الطريق الثاني على الصعيد النظري. فقد قال الامام الخميني قبل حوالي سنة ونصف ان صدام ساقط، ولا يحتاج سوى الى انتفاضة “صغيرة” في الداخل للاجهاز عليه. كما ان نشراتنا تعيد القول وتكرره بضرورة الكفاح المسلح والعمل من الداخل وتفجيره ضد صدام. اضافة الى ان نشراتنا القديمة كانت قد بينت – في مراحل العمل- ان المرحلة السياسية تعقبها المرحلة الثورية : مرحلة رفع السلاح ومنازلة النظام في عقر داره لأسقاطه:”وما غزي قوم في عقر دارهم الا ذلوا”. وما نحتاج سوى الى تحويل معرفتنا النظرية الى واقع عملي يهز عروش الطغاة.
ان دعوتنا اذا استطاعت ان تفجر الداخل بعملياتها المسلحة المتتالية والمكثفة تستطيع تحقيق النتائج العملية التالية:
1. كسر حاجز الخوف الذي يمنع العراقيين في الداخل من التحرك الجماهيري ضد النظام.
2. تساعد القوات الايرانية في حربها مع النظام.
3. تزلزل النظام داخليا الى الحد الذي يفقد معه السيطرة على البلاد.
4. واخيرا فانها تفتح الثغرة في المعادلة الدولية الراهنة: ان الدول المستكبرة تعيد النظر عادة في دعمها لأي نظام اذا اتضح لها انه لا يمسك بزمام الامور الى ما لا نهاية. انها لا تدعم مثل هذا النظام الى الابد، انما تدعمه الى الورقة ما قبل الاخيرة. فاذا اتضح ان الوضع الداخلي انفجر- او انه قابل للانفجار ضده- فانها تسحب البساط من تحته.(سوموزا في نيكاراغوا، عيدي امين في اوغندا، الشاه في ايران)
واذا سمح لي مؤتمركم الموقر ان اقترح شيئا، فاني اضع النقاط التالية امامكم، باعتبارها مشروع استراتيجية للعمل ارجو ان تحظى منكم بالاهتمام والنقاش الكاملين لبيان مدى صوابيتها او عدمها.
اولا، الحزب المقاتل، و ذلك بتحويل الدعوة وجماهيرها وانصارها الى حزب مقاتل بالمعنى الفني-العملي للكلمة، وبالمعنى النفسي التربوي للكلمة. ويتضمن هذا الشعار الامور التالية على سبيل المثال لا الحصر:
1. اشاعة الاجواء القتالية والجهادية في صفوف الدعوة والدعاة بما في ذلك الاستعداد الكامل –نفسيا وواقعيا- للدخول الى العراق والاقامة في المناطق التي لا تخضع لسلطة النظام (في الشمال وغيره).
2. اعتماد مبدأ التدريب العسكري العام لكل الدعاة ووضعهم على اهبة الاستعداد والتحرك العسكري في الداخل والخارج.
3. تقوم اللجنة الجهادية بوضع خطط فنية عملية للعمل الجهادي ضمن استراتيجية العمل هذه، الهادفة في المحصلة النهائية الى تفجير الداخل واسقاط النظام (او على الاقل تعويم السلطة).
4. توجيه النسبة الاكبر من طاقات و امكانيات الدعوة البشرية والمالية نحو العمل الجهادي بحيث تكون النسبة الاخرى في خدمة العمل الجهادي ايضا. فالاعلام على سبيل المثال يهجر حالة الترف الفكري والسياسي ويتحول الى اعلام مقاتل ايضا.
5. تركيز روح الانضباط الصرامة التنظيمية وعدم التساهل او المساومة او المجاملة في الحياة الداخلية للحزب. لأن الحزب المقاتل ليس شلة من اصدقاء بل ولا حتى “ديوانية” اخوية. انه معسكر يضم جنودا متآخين ومستعدين للشهادة والتضحية.
6. وهذا يستلزم اخيرا مراجعة الوضع الحياتي للدعاة ومعرفة عدد القنوات وحجمها التي تربط الداعية بالحياة الدنيا، والتأكيد على تقليلها الى ادنى حد ممكن لأن الانشداد الواقعي والنفسي بالحياة الدنيا يعيق عن العمل الجهادي.
ثانيا، “الانفتاح السياسي”، وهذا يعني اعتماد الدعوة على اسلوب التحرك السياسي الواسع والمنفتح والسريع والمرن على اساس من “المبدأية الواقعية”. وهذا الانفتاح السياسي يسلتزم الامور التالية:
1.العودة الى روح بيان “التفاهم” الداعية الى الالتقاء والتفاهم مع الاخرين على الحد الادنى المشترك الذي هو اسقاط صدام، وتجاوز ما قد يكون نشأ من انغلاق وعدم رغبة في اللقاء والتعاون.
2. اقامة علاقات سياسية وعسكرية مع الاطراف العراقية التي تشترك معنا في هدف اسقاط صدام في اطار قاعدة ان قوانين التحالف في مرحلة المواجهة والثورة تختلف عن قوانين التحالف مع مرحلة البناء والدولة. ويتضمن هذا تجميد الخلافات مع الفصائل الاسلامية والعلمانية والكردية لما بعد الانتصار. مع ملاحظة ان حجم العلاقة المطلوبة وعمقها وسعتها يختلف باختلاف الطرف المقابل. وتقوم الدعوة بتحديد هذا الحجم.
3. الانفتاح على الدول والمنظمات التي يهمها اسقاط صدام باعتبارنا حركة اسلامية عراقية وليست ذراعا ايرانيا. ان الانفتاح المقصود ليس علاقة اجرائية مع احد ضباط المخابرات مثلا لتسهيل بعض الاجراءات في المطار او غيره؛ انما المقصود علاقة سياسية على اسس مشتركة في مرحلة المواجهة.
5. وضع مسافة واضحة للعلاقة مع ايران. ان على المؤتمر الكريم ان يفكر في صيغة جديدة تتجاوز صيغة “نحن جزء من كل”، او “لا نقيم علاقة مع أي طرف دون علم او موافقة ايران”. لقد ثبت بالتجربة ان هذا اتجاه خاطئ في العمل السياسي: ضره اكثر من نفعه. ان ما بيننا وبين ايران قد يشبه ما بين الاتحاد السوفيتي والاحزاب الشيوعية. فلندرس هذه التجربة ونستخلص دروسها. ليس هذا دعوة للانفصال كما قد يفسره البعض، ولكنه دعوة الى اعادة النظر بالتحالف الموجود، لإقامة “تحالف استقلالي”، تحالف طرفين متساويين، على اسس تحفظ مصالح الطرفين المشتركة دون ان تصادر مصلحة الدعوة في الساحة العراقية.
ثالثا، “الخصوصية العراقية”، اعني بها مجموعة المواصفات والمعالم السياسية والاجتماعية والدولية التي تجعل للحالة العراقية خصوصية معينة يتعين علينا اخذها بنظر الاعتبار في تحركنا السياسي والاعلامي والعسكري، دون ان يعني ذلك الوقوع في مطب “الاقليمية” او “الوطنية” الوضعية. ان هذا الامر مبحث قائم بذاته ويحتاج الى دراسة مفصلة تنوء بحملها هذه الرسالة المتواضعة. ولكني سأكتفي بايراد بعض الاثار العملية لمراعاة الخصوصية العراقية والتي مر ذكر بعضها انفا:
1. يتعين على الدعوة ان ترفع شعارات سياسية تحقق حاجات الساحة العراقية في الداخل والخارج، و لايجوز لها ان تترجم الشعارات الايرانية من اللغة الفارسية الى اللغة العربية وتعتبرها شعاراتها الخاصة. ان شعار “جنك جنك تا بيروزي” مثلا لا يحتمل الشك في صحته على الساحة الايرانية، ولكن ما هي المشاعر التي يثيرها مثل هذا الشعار – سلبا او ايجابا – على الساحة العراقية؟ ان المطلوب شعارات سياسية تحرك الجماهير العراقية وتدفعها الى التمرد والانخراط في العملية الثورية ضد صدام ونظامه.
2. ان المشاريع التي تطرحها ايران _ او غيرها – تكتسب مصداقيتها بمقدار تمثيلها واستيعابها للساحة العراقية، وبمقدار ما تحرك من هذه الساحة، وبمقدار ما تحقق من مصلحة حقيقية للعمل الاسلامي في العراق. كما تكتسب مصداقيتها بمقدار صدق صفتها “العراقية”، وليس أي مقياس اخر. وعليه فان الدعوة معنية بالتقدم بمشاريع عمل سياسية او عسكرية ذات طابع عراقي على الاقل في خارج ايران. ان “المجلس” مع كل الاحترام والتقدير لا ينطبق عليه المعيار العراقي بالقدر المطلوب.
3. على الدعوة ان تحقق قدرا اساسيا من الاستقلالية في التحرك السياسي والعسكري والاعلامي، سواء على الساحة الايرانية او غيرها. ان الاخرين يعتبرون الدعوة حزبا ايرانيا، ويجب معالجة هذا الامر لتأكيد الاستقلالية.
4. ويتفرع من الاستقلالية مسألة التحالفات التي يتعين على الدعوة ان تقيمها مع الحركات والدول كما ذكرت في الفقرات السابقة. ان من الممكن في بعض الحالات مراعاة “الشرط الايراني”، لكن لا يجوز اعتباره الشرط الاساس في كل الحالات.
6.ويتعين على الدعوة ان تحقق حضورا ووجودا في الساحة العراقية والعربية اكبر من حضورها في الساحة الايرانية (من الناحية الاعلامية على الاقل) لنكتسب صوتا اكثر قدرة على الاسماع ولفت الانتباه، باعتبار ان الساحة الايرانية “مخنوقة” من الناحية الاعلامية والسياسية. ومثل هذا الحضور يساهم في ابراز عراقية الدعوة وينفي شبهة ايرانيتها.
اخواني الدعاة!
هذه افكار وملاحظات ارجو مراعاة الجانب الشرعي في الحكم عليها –نقاشا ورفضا او قبولا- على ان يكون الفقيه هو الحاكم الشرعي، فما كان مخالفا للشريعة، فانا اسحبه بدون نقاش، وما كان موافقا، او مباحا فارجو عدم اهماله وتركه.
وفقكم الله؛
“وقل اعملوا فسيرى الله عملكم ورسوله والمؤمنون”.
اخوكم ابو سعدي
حزب الدعوة الاسلامية.. عدو الوطنية العراقية ..
فالكاتب (الدعوجي).. بالنقطة الثالثة يصف الوطنية بالوضيعة؟
وهذا يؤكد بان سبب وضاعة الوضع بالعراق.. لوضاعة حزب الدعوة وعقلية الكاتب.. للعراق..
ففعلا من يتجرد من وطنيته.. كالمراة التي تتجرد من شرفها فتصبح وضيعة..
اليكم النص:
(ثالثا، “الخصوصية العراقية”، اعني بها مجموعة المواصفات والمعالم السياسية والاجتماعية والدولية التي تجعل للحالة العراقية خصوصية معينة يتعين علينا اخذها بنظر الاعتبار في تحركنا السياسي والاعلامي والعسكري، دون ان يعني ذلك الوقوع في مطب “الاقليمية” او “الوطنية” الوضعية. ان هذا الامر مبحث قائم بذاته ويحتاج الى دراسة مفصلة تنوء بحملها هذه الرسالة المتواضعة.)..