السقوط الاخلاقي في المجتمع العراقي (القسم الثاني)

سلمان رشيد الهلالي

كما في ذكرنا في القسم الاول من هذا الموضوع : بان هناك فسادا اخلاقيا قد ضرب ارجاء المجتمع العراقي بعد السقوط عام 2003 بسبب تخلخل القيم والانفتاح المفاجىء بالاتصالات والانترنت وهيمنة القيم المادية وغيرها . الا ان هناك عملية (افساد) متعمدة حصلت من قوى طائفية (اعلامية خليجية) هدفها الرئيسي المجتمع العراقي بعامة , واهل الوسط والجنوب الشيعي بخاصة . وهذا السيناريو قد بدأ بعد الانتصار على داعش عام 2017 واسقاط اخر ورقة ارهابية في العراق , والتحول من الحرب الاجرامية المباشرة نحو الحرب الناعمة والاقتتال الشيعي – الشيعي .

وقد يعترض احدهم : ان هذا الراي فيه نوعا من المبالغة ونظرية المؤامرة , وان مايحصل في العراق حالة طبيعية للفوضى والتسيب والانفتاح المفاجىء . وانا بدوري اطرح عليه هذا السؤال : ماهو تفسيرك للتركيز الاعلامي على الوسط والجنوب من تلك القوى الطائفية ؟ وماسبب الظهور المفاجىء لشخصيات تافهة وساقطة من اهل الوسط والجنوب وخاصة من البنات والنساء ؟ وماهو تفسيرك لانتهاء الارهاب المفاجىء عام 2017 وتوقف العمليات الارهابية ؟؟

السبب لانهم وجدوا ان هذه الورقة الارهابية قد فشلت تماما بعد تاسيس الحشد كقوة امنية فاعلة , بل ان الحشد والفصائل والميليشيات – كما يسمونها – قد زادت من نفوذها وشعبيتها , لانها كانت الوحيدة مع حلفائها في ايران يقاومون الارهاب , لذا وبأمر مباشر من ادارة الرئيس الامريكي (ترامب) في رئاسته الاولى انذاك – كما يقال – اوقفت الدول الخليجية الراعية للارهاب من عملياتها الاجرامية المباشرة , وانتقلت للسيناريو الاخر – كما قلنا – وهو الحرب الناعمة والاعلامية والتحريض السياسي على الدولة العراقية , والترويج للسقوط الاخلاقي والفتنة الشيعية – الشيعية التي تجسدت في تظاهرات 2019 واحداث 2022 . وتركز عملهم واعلامهم على اسقاط الروادع والمكابح الثلاث وهى (الدين والدولة والهوية) :

1 – القيم الدينية : فكلنا يعرف ان الدين يشكل احدى اهم القيم الاخلاقية في المجتمع العراقي . وعندما تسال الانسان العامي البسيط : عن سبب القيام بعمل ايجابي ما ؟ او العكس عن سبب امتناعه عن القيام بعمل سلبي معين ؟ فانه يجيبك بان السبب هو القيم الدينية , من حيث طلب الحسنات من جانب , او الخشية من العقاب من جانب اخر . وبالطبع لانستطيع القول ان القيم الدينية تشكل حاجزا صلدا وحقيقيا ضد الانحراف الاخلاقي , الا انه لايمنع من القول انه يشكل حاجزا مقبولا او الحد الادني على الاقل . لذا فقد عملت القوى الطائفية على تهوين منظومة الدين , ولانقصد به الدين الاسلامي بعامة , وانما المذهب الشيعي فقط , واسقاط اي قيمة رمزية له من التاريخ والمرجعية والطقوس وغيرها . فيما ان المذاهب الاخرى من السنة والمتصوفة وغيرها اصبحت في مأمن من الهجوم والسخرية والنقد . وسبق ان فهمنا خطأ ان النيل من الدين وتحرير الاجيال الجديدة منه سيولد جيلا واعيا واخلاقيا ومدنيا , الا اننا وجدنا العكس من ذلك , حيث صنعنا جيلا ساقطا خاويا مستلبا وخاليا من القيم والاخلاق , يتبع التافهين في الاعلام من قبيل احمد البشير وعلي فاضل ومجيد الاجرب وغيره . وكما قيل (اذا غابت الالهة ستظهر الاشباح) .

2 – الدولة : تعد الدولة احدى اهم المكابح القانونية لردع المخالفين والمجرمين . ورغم ان الدولة في العراق هي بالاصل هشة ومستضعفة , لانها غريبة عن بنية المجتمع العشائرية الاصلية , وتلقت ضربات قوية من الارهاب والاحزاب والبرزاني والدونية والبعثيين , والقوى التقليدية لما قبل الدولة كالطائفية والاثنية والعشائر وغيرها , وتسير بشكل بطىء نحو التكامل والانتشار , الا انه – وكما قلنا – قد تلقت ضربات اقوى في الوسط والجنوب بعد القضاء على داعش , واحداث تظاهرات 2019 , ولم تعد هيبتها وسيطرتها الا بعد تولي السوداني رئاسة الوزراء الذي عمل جاهدا على اعادة الثقة بالدولة من خلال الاعمار وفرض القانون وغيرها

3 – الهوية الاجتماعية : تلقت الهوية الاجتماعية للاغلبية الشيعية في العراق ضربات ساحقة من الاعلام والقوى الطائفية والقومية والدونية , وذلك من اجل خلخلة التضامن الاجتماعي في الوسط والجنوب . فالهوية عامل اساسي في الحفاظ على القيم الاخلاقية بين الجماعات , وفقدانها يجعل الناس تعيش حربا اهلية غير معلنة من الغل والحقد والكراهية والسقوط , وتصنع اناسا مثل (الكلاب) واحدا ينهش لحم الاخر . ولاحاجة الى القول ان التركيز في الهجوم على الهويات انصب فقط على الهوية الشيعية في العراق , لانها تشكل اساس المجتمع العراقي وبنيته الاصلية والحقيقية والتاريخية , الا انها تميزت ايضا بانها تضم بين صفوفها الاف المثقفين والاعلاميين والادباء والكتاب الدونية والمخصيين والمرتزقة الذين لديهم الاستعداد للعمل مع تلك القوى الطائفية في الخليج مثل اياد الزاملي رشيد الخيون واحمد السعداوي وحميد الكفائي وعقيل عباس واحمد الابيض وغيرهم , ولديهم القدرة على السخرية والهجوم والنيل من الهوية لعدة اسباب لاداعي لذكرها من جديد , لان سبق وذكرناها في منشورات سابقة , فيما اصبحت الهوية الكردية والسنية في مأمن من الهجوم والنقد والسخرية , لذا تجد ان التضامن الاجتماعي عندهم اقوى من الجماعة الشيعية , وبالتالي فان الحفاظ على القيم الاخلاقية يكون عندهم افضل , والسقوط الاخلاقي يكون عندهم اقل من الجماعة الشيعية .

ان فقدان الهوية عند جماعة معينة سيؤدي حتما الى فقدان القيم الاخلاقية وتلاشيها , والسبب هو ان فقدان الهوية سيؤدي الى سهولة انسياب القيم السلبية والمشاريع التخريبية الاخرى للمجتمع , لان من ليس عنده هوية فانه سيكون هوية الاخرين , ومن ليس عنده مشروع سيكون مشروع الاخرين , ومن ليس عنده هدف سيكون هدف الاخرين , وبما ان المشاريع والاهداف المعلنة صراحة (والمبيتة ضمنا) للمجتمع العراقي هي التدمير والارهاب والطائفية والتخوين والتحريض والفتن والحقد والغل والسقوط الاخلاقي , فان من السهولة بمكان ادراجها وانسيابها في بنية المجتمع . كما ان فقدان الهوية يؤدي حتما الى فقدان الشعور بالجماعة والتضامن الاجتماعي وتوحيدهم وضرورة حمايتهم وتعزيز قيمهم واخلاقهم وحصانة مجتمعهم من الانحراف والتردي والسقوط الاخلاقي , لان ذلك سيشكل ضررا عليهم , وبالعكس ايضا ان الشعور بالهوية سيشكل عاملا مهما لتعزيز القيم الايجابية والتضامن والحفاظ على سمعة الجماعة وقوتها . ومصداق ذلك حصل عندنا في العراق في مسار الهوية الشيعية الذي ادى تلاشيها واضعافها الى انسياب القيم السلبية والسقوط الاخلاقي .

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *