قوات الحشد الشعبي: بين التضليل الإعلامي وواقع التهديد المستمر

الكاتب : الدكتور ابو عبد الدليمي
—————————————
قوات الحشد الشعبي: بين التضليل الإعلامي وواقع التهديد المستمر

بقلم: الدكتور ابو عبد الدليمي

صدر مؤخرًا تقرير تحت عنوان “قوات الحشد الشعبي: الواقع المؤسسي والمستقبل” ضمن سلسلة Policy Focus، وشارك في إعداده عدد من الباحثين المعروفين، من بينهم مايكل نايتس. يقدم التقرير توصيفًا مُخلاً بحقيقة الحشد الشعبي، بل ويقترح ما اعتبره “خطوات واقعية” لتكريمه ودمجه، متغافلًا عن السياق الحقيقي لظهوره، ومآلات وجوده في العراق بعد أكثر من عقد من الأزمات.

تشكل الحشد الشعبي في عام 2014 استنادًا إلى فتوى أطلقها المرجع الأعلى السيد علي السيستاني، في ظرف أمني بالغ الخطورة مع اجتياح تنظيم داعش لمساحات واسعة من البلاد. ومع أهمية تلك الفتوى في حينها، إلا أن الحشد ككيان مسلح لم يُنشأ وفق أي إطار قانوني أو دستوري، بل شكّل موازاة خطيرة للمؤسسة العسكرية الرسمية، وسرعان ما تحوّل إلى أداة سياسية وأمنية بيد أطراف خارجية.

ما يثير القلق في التقرير ليس فقط تجاهله لهذه الحقيقة، بل محاولته تسويق صورة “بطولية” للحشد، متحدثًا عن “تضحياته” وكأنها أمر مسلّم به، دون أن يعرّج على الكم الكبير من الانتهاكات التي ارتكبتها فصائل هذا التشكيل في عدد من المحافظات العراقية، والتي وثقتها منظمات حقوقية دولية ومحلية على مدى سنوات. من تهجير قسري، وتعذيب، وابتزاز، وصولًا إلى الاستيلاء على الممتلكات العامة والخاصة، باتت هذه الفصائل، وعلى رأسها كتائب حزب الله والعصائب، مصدر تهديد يومي للمواطن والدولة.

المُدهش في التقرير أيضًا هو تغيّر نبرة مايكل نايتس، الذي كان في السابق من بين أبرز المنتقدين للحشد المؤدلج، والمُرتبط عضوياً بنظام ولاية الفقيه في إيران، ليشارك اليوم في تقرير يُقلّل من خطورته، بل ويقترح احتواءه لا تفكيكه.

الحشد اليوم لم يعد مجرد قوة أمنية “رديفة” كما يُروّج له البعض، بل تحول إلى سلطة موازية تُعيق أي مشروع إصلاحي، وتقوّض هيبة الدولة، وتفرض سطوتها على الشارع بقوة السلاح والمال والنفوذ. والتعامل مع هذا الواقع لا يكون بالتطبيع أو المجاملة السياسية، بل بطرح مشروع جاد لتفكيك هذا الكيان، وتسريح عناصره، ودمج من تنطبق عليهم الشروط القانونية ضمن المؤسسات المدنية وليس الأمنية.

إن الشراكة الحقيقية بين العراق والمجتمع الدولي يجب أن تُبنى على دعم سيادة الدولة، لا على ترسيخ وجود الميليشيات. فالعراق لا يحتاج إلى تكريم الحشد، بل إلى إنهاء حالة السلاح خارج سلطة الدولة، وإعادة الاعتبار للدستور، واستعادة ثقة المواطن بدولته.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *