الكاتب : د. فاضل حسن شريف
—————————————
عن التفسير الوسيط لمحمد سيد طنطاوي: قوله تعالى “صَدُّوكُمْ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ أَن تَعْتَدُوا ۘ وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَىٰ” ﴿المائدة 2﴾ إن وقع صد مثل ذلك الصد الذي وقع عام الحديبية فلا تعتدوا. قال بعضهم: وهذا لا يمنع من الجزاء على الاعتداء بالمثل، لأن النهى عن استئناف الاعتداء على سبيل الانتقام، فإن من يحمله البغض والعداوة على الاعتداء على من يبغضه يكون منتصرا لنفسه لا للحق.
وعن الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل للشيخ ناصر مكارم الشيرازي: قوله عز شأنه “يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا جَاءَكُمُ الْمُؤْمِنَاتُ مُهَاجِرَاتٍ فَامْتَحِنُوهُنَّ ۖ اللَّهُ أَعْلَمُ بِإِيمَانِهِنَّ ۖ فَإِنْ عَلِمْتُمُوهُنَّ مُؤْمِنَاتٍ فَلَا تَرْجِعُوهُنَّ إِلَى الْكُفَّارِ ۖ لَا هُنَّ حِلٌّ لَّهُمْ وَلَا هُمْ يَحِلُّونَ لَهُنَّ ۖ وَآتُوهُم مَّا أَنفَقُوا ۚ وَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ أَن تَنكِحُوهُنَّ إِذَا آتَيْتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ ۚ وَلَا تُمْسِكُوا بِعِصَمِ الْكَوَافِرِ وَاسْأَلُوا مَا أَنفَقْتُمْ وَلْيَسْأَلُوا مَا أَنفَقُوا ۚ ذَٰلِكُمْ حُكْمُ اللَّهِ ۖ يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ ۚ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ” ﴿الممتحنة 10﴾ يقول سبحانه في الأمر اللاحق: “فإن علمتموهنّ مؤمنات فلا ترجعوهنّ إلى الكفّار”. ورغم أنّ البند المثبت في (وثيقة صلح الحديبية) يشير إلى أنّ الأشخاص الذين أسلموا وهاجروا إلى المدينة يجب إرجاعهم إلى مكّة، إلاّ أنّه خاصّ بالرجال ولا يشمل النساء، لذا فإنّ رسول الله لم يرجع أيّة امرأة إلى الكفّار. وإلاّ فرجوع المسلمة إلى الكفّار يمثّل خطراً حقيقيّاً على وضعها الإيماني، وذلك بلحاظ ضعفها وحاجتها إلى الرعاية المستمرّة. في ثالث نقطة التي هي في الحقيقة دليل على الحكم السابق يضيف تعالى: “لا هنّ حلّ لهم ولا هم يحلّون لهنّ”. فالإيمان والكفر لا يجتمعان في مكان واحد، لأنّ عقد الزواج المقدّس لا يمكن أن يربط بين محورين وخطّين متضادّين (خطّ الإيمان) من جهة و(الكفر) من جهة اُخرى، إذ لابدّ أن يكون عقد الزواج يشكّل نوعاً من الوحدة والتجانس والانسجام بين الزوجين، وهذا ما لا يمكن أن يتحقّق نتيجة الإختلاف والتضادّ التي سيكون عليها الزوجان في حالة كون أحدهما مؤمناً والآخر كافراً. ونلاحظ في بداية صدر الإسلام حالات من هذا القبيل لزوجين أحدهما مؤمن والآخر كافر، ولم ينه عنها رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم حيث لم يزل المجتمع الإسلامي قلقاً وغير مستقرّ بعد، إلاّ أنّه عندما تأصّلت جذور العقيدة الإسلامية وترسّخت مبادئها، أعطى أمراً بالإنفصال التامّ بين الزوجين بلحاظ معتقدهما، وخاصّة بعد صلح الحديبية، والآية ـ مورد البحث ـ هي إحدى أدلّة هذا الموضوع. وطبيعي أنّ دفع المهر يكون لمن عقد معاهدة صلح من الكفّار مع المسلمين، كما في صلح الحديبية.
جاء في شبكة المعارف الاسلامية الثقافية عن الحديبية: رحلة دينية سياسية: واختار الرسول صلى الله عليه وآله وسلم عمر بن الخطاب لمهمة سفارة أُخرى لقريش، لأنّه لم يكن قد أراق دم أيّ من المشركين حتى ذلك الوقت، ولكنّه اعتذر عن تحمّل هذه المسؤولية المحفوفة بالمخاطر قائل: “يا رسول اللّه، إنّي أخاف قريشاً على نفسي، وليس بمكة من بني عدي من يمنعني، ولكنّي أدلّك على رجل أعزّ بها منّي عثمان بن عفان”، إلاّ أنّ قريشاً ألقت القبض على عثمان وحبسوه، لعلّهم يتوصلون إلى حلّ فيطلقوه ليبلغ الرسول رأيهم. فلمّا أبطأ عثمان عنهم، وأوجد ذلك قلقاً شديداً في نفوس المسلمين، وخاصة إنّه أُشيع أنّ عثمان قتل، فإنّ المسلمين ثاروا وقرروا الانتقام والقتال، ممّا دعا النبي صلى الله عليه وآله إلى أن يجدّد بيعته مع المسلمين، فبايعوه تحت الشجرة على الاستقامة والثبات والوفاء، وحلفوا ألاّ يتخلّوا عنه أبداً، وأن يدافعوا عن حياض الإسلام حتى النفس الأخير، وسميت هذه البيعة ببيعة الرضوان، التي ذكرها القرآن الكريم بقوله: “لَقَدْ رَضِيَ اللّهُ عَنِ الْمُؤمِنينَ إذْ يُبايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرة فَعَلِمَ ما فِي قُلُوبِهِمْ فَأنْزَلَ السَّكِينَة عَلَيْهِمْ أثَابهُم فَتْحاً قَريباً” (الفتح 18). وبهذا فإنّ موقف المسلمين تحدّد في: إمّا دخول مكة وزيارة بيت اللّه، وإمّا القتال فيما لو تصلب موقف قريش الرافض لذلك. ولكن عثمان بن عفان رجع إليهم وأخبرهم أنّ اليمين التي التزمت بها قريش بمنعهم من دخول مكة هذا العام، هي التي تجعلهم في موقف متصلب رافض، وأنّهم سيرسلون إلى الرسول صلى الله عليه وآله وسلم من يتفاوض معه في هذا الشأن. وكُلّف سهيل بن عمرو بإنهاء هذه المشكلة. ونتج عن التفاوض بين الطرفين عقد صلح شامل وواسع بينهما. وفي الوقت الذي كان المندوب القرشي يتصلب في بعض البنود والمواد، فإنّ النبي صلى الله عليه وآله وسلم كان يتساهل معه ويتنازل عنها، ممّا كان له أثر بعيد. فالتسامح الذي أبداه الرسول صلى الله عليه وآله وسلم في تنظيم وثيقة الصلح، لا يعرف له نظير في تاريخ العالم، لأنّه أظهر بجلاء أنّ رسول اللّه صلى الله عليه وآله وسلم لم يقع فريسة بيد الأهواء والأغراض الشخصية والعواطف والأحاسيس العابرة، فكان يعلم أنّ الحقائق لا تتبدل ولا تتغير بالكتابة والمحو، وهو ما جعله يتسامح مع مفاوض قريش الذي تصلب في مطالبه غير الشرعية، وذلك حفاظاً على أصل الصلح وحرصاً على السلام. وقد حدث خلال ذلك، أنّ طلب المندوب القرشي بأن يمسح الرسول صلى الله عليه وآله وسلم ما كتبه: ﴿بسم اللّه الرّحمن الرّحيم﴾ ويكتب بدلاً منه: “باسمك اللّهمّ”. كما طلب مسح كلمة “رسول اللّه” وإبدالها ب “محمد بن عبد اللّه”. فأجابه الرسول صلى الله عليه وآله وسلم إلى ذلك. الحديبية قرية متوسطة، سميت ببئر هناك عند مسجد الشجرة التي بايع الناس رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم تحتها، وبعض الحديبية في الحل وبعضها في الحرم، وقيل كلها في الحرم، وأهلها ألف وخمس مئة.
حين أعتمر الرسول صلى الله عليه وآله وسلم وأصحابه بعد صلح الحديبية بعام، كان قد رآهم كفار قريش يطوفون بالكعبة، فقالوا مستهزئين بالمسلمين: يطوفون اليوم بالكعبة قوم أنهكتهم حمى يثرب أي المدينة، فقال الرسول صلى الله عليه وآله وسلم: (رحم الله امرئ أراهم من نفسه قوة، واضطبع بردائه) أي أدخل الرداء من تحت إبطه الأيمن، بحيث يبدي منكبه وعضده الأيمن. وعن زيد بن خالد الجهنيّ قال: صلَّى بنا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم صلاة الصبح في الحديبيّة في أثر سماءة كانت من الليل، فلمّا انصرف الناس قال: هل تدرون ماذا قال ربُّكم؟ قالوا: الله ورسوله أعلم، قال: إنَّ ربَّكم يقول: من عبادي مؤمن بي وكافر بالكواكب، وكافر بي ومؤمن بالكواكب، فمن قال: مُطرنا بفضل الله ورحمته فذلك مؤمن بي وكافر بالكواكب، ومن قال: مُطرنا بنوء كذا وكذا، فذلك كافرٌ بي ومؤمن بالكواكب.
أن قريشاً اشترطت على النبي صلى الله عليه وآله وسلم في صلح الحديبية شروطاً قاسية، منها: أن من جاء من محمد صلى الله عليه وآله وسلم إلى قريش لا ترده إلى محمد صلى الله عليه وآله وسلم ومن جاء من قريش إلى محمد صلى الله عليه وآله وسلم بغير إذن وليّه ردّه محمد صلى الله عليه وآله وسلم، وقبل صلى الله عليه وآله وسلم شرطهم هذا لحكمة رآها من توسيع الإسلام كما شاهدناه بعد ذلك وتبرّم بعضهم وما كانوا يفقهون من توقيع المعاهدة حتى جاء أول امتحان للوفاء فما إن وصل مسلم من مكة اسمه أبو جندل بن سهيل يرسف في الحديد فارّاً من أذى قومه وألحّ على الرسول صلى الله عليه وآله وسلم في أن يضمّه إليه حتى سلّمه صلى الله عليه وآله وسلم لقريش وفاءً بعهده، وقال أبو جندل: إنهم سيعذبونني. فقال صلى الله عليه وآله وسلم: (اصبر واحتسب فإن الله جاعل لك ولمن معك من المستضعفين فرجاً ومخرجاً إنا عقدنا بيننا وبين القوم صلحاً وأعطيناهم على ذلك وأعطونا عهد الله فإنا لا نغدر بهم)، ثم وفد على النبي صلى الله عليه وآله وسلم بالمدينة أبو بصير عتبة ابن أسيد فرده وقال له: مثل ما قال لأبي جندل، ثم اجتمع جماعة منهم في الطريق بين مكة وبين المدينة وكانوا يقطعون على وفود مكة مما اضطر أهل مكة أن يقبلوا ويلتحقوا بالرسول صلى الله عليه وآله وسلم ويتنازلوا عن عهدهم. وقال صلى الله عليه وآله وسلم لقريش في فتح مكة: (ماذا تظنون وماذا تقولون؟) قالوا: نظن خيراً، أخ كريم وابن أخ كريم وقد قدرت. فقال صلى الله عليه وآله وسلم: (إني أقول كما قال أخي يوسف لأخوته: “قَالَ لاَ تَثْرَيبَ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ يَغْفِرُ اللّهُ لَكُمْ وَهُوَ أَرْحَمُ الرّاحِمِينَ” (يوسف 92)).