الامام الجواد قدوة وأسوة للسيد المدرسي والقرآن الكريم (ح 1)

الكاتب : د. فاضل حسن شريف
—————————————
جاء في کتاب الإمام الجواد عليه السلام قدوة و أسوة المؤلف للسيد محمد تقي المدرسي: وطالما زعمت الأمم السالفة: أن النبي يجب أن يكون له مال وثراء عريض، ويكون سيداً في قومه ورئيساً مهيباً، فأفهمهم أنبياؤهم عليهم السلام أن الله إذا أراد أن ينزَّل رحمته في فرد لا تتوافر فيه هذه الشروط ويجعله نبيًّا، فهل في ذلك من بأس؟ قال تعالى: “أَهُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَةَ رَبِّكَ نَحْنُ قَسَمْنَا بَيْنَهُمْ مَعِيشَتَهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَرَفَعْنَا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ لِيَتَّخِذَ بَعْضُهُمْ بَعْضاً سُخْرِيّاً وَرَحْمَةُ رَبِّكَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ” (الزخرف 22). ولطالما أُعجبت الأمم ودُهشت حينما رأت أن الله قد بعث إليها صبيًّا نبيًّا، ولكن ربنا أبرز لهم أن فعله ذلك إنما كان تعمداً ليعرفهم معنى النبوة، وأنها ليست موهبة عادية تبرز في فرد دون فرد، تبعاً للبيئة والتربية، وإنما هو نبوءٌ عن عادة الخلق، وخرقٌ لسنة الكون، ونداء جديد ليس يشابهه نداء المخلوقات، بأن الله هو القادر وأنه إليه المصير، يقول علي بن أسباط في حديث له عن الإمامة: «رَأَيْتُ أَبَا جَعْفَرٍ عليه السلام قَدْ خَرَجَ عَلَيَّ، فَأَحْدَدْتُ النَّظَرَ إِلَيْهِ وَإِلَى رَأْسِهِ وَإِلَى رِجْلِهِ لِأَصِفَ قَامَتَهُ لِأَصْحَابِنَا بِمِصْرَ، فَخَرَّ سَاجِداً وَقَالَ: إِنَّ اللهَ احْتَجَّ فِي الْإِمَامَةِ بِمِثْلِ مَا احْتَجَّ فِي النُّبُوَّةِ، قَالَ اللهُ تعالى: “وَآتَيْنَاهُ الْحُكْمَ صَبِيّاً” (مريم 12). وَقَالَ اللهُ سبحانه وتعالى: “وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ” (يوسف 22). وَقَالَ: “وَبَلَغَ أَرْبَعِينَ سَنَةً” (الأحقاف 15). فَقَدْ يَجُوزُ أَنْ يُؤْتَى الْحِكْمَةَ وَهُوَ صَبِيٌّ، وَيَجُوزُ أَنْ يُؤْتَى وَهُوَ ابْنُ أَرْبَعِينَ سَنَة». أجل إذا كانت النبوة معجزة الله تعالى، أو كانت آية الابتداع، فسواء- إذاً- أن تظهر في كبير أو صغير.

وما بعد وفاة والده يقول السيد المدرسي حفظه الله: تُوُفِّيَ الإمام الرضا في خراسان مسموماً، ودفن في طوس، واختلفت بسبب موته الأمة الإسلامية، وفقدت الأمة ملامحها التي كانت قد تميَّزت بها في عهد الرضا عليه السلام. فرجعت الخلافة إلى بغداد، وقرَّب المأمون العباسي من يريد وغدر بمن كان قد نصره على أخيه الأمين في نزع الملك عنه، وغيَّر شعاره الذي اتخذه للثورة التي كانت نصف علوية، ورجع إلى لبس السواد، فأصبحت الدولة دولة عباسية مرة أخرى. ومرة كان الإمام يسير في طرقات بغداد العاصمة المزدحمة، وقد اصطف الناس لابن الرضا عليه السلام، رافعين أعناقهم كي يفوزوا بنظرة منه، وكان من الواقفين رجل زيدي المذهب، يحدثنا فيقول: خَرَجْتُ إِلَى بَغْدَادَ فَبَيْنَا أَنَا بِهَا إِذْ رَأَيْتُ النَّاسَ يَتَعَادَوْنَ وَيَتَشَرَّفُونَ وَيَقِفُونَ، فَقُلْتُ: مَا هَذَا؟ فَقَالُوا: ابْنُ الرِّضَا عليه السلام، فَقُلْتُ: وَاللهِ لَأَنْظُرَنَّ إِلَيْهِ، فَطَلَعَ عَلَى بَغْلٍ أَوْ بَغْلَةٍ، فَقُلْتُ: لَعَنَ اللهُ أَصْحَابَ الْإِمَامَةِ حَيْثُ يَقُولُونَ: إِنَّ اللهَ افْتَرَضَ طَاعَةَ هَذَا. فَعَدَلَ إِلَيَّ وَقَالَ: يَا قَاسِمَ بْنَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ: “فَقَالُوا أَبَشَراً مِنَّا وَاحِداً نَتَّبِعُهُ إِنَّا إِذاً لَفِي ضَلالٍ وَسُعُرٍ” (القمر 24). فَقُلْتُ فِي نَفْسِي: سَاحِرٌ وَاللهِ فَعَدَلَ إِلَيَّ فَقَالَ: “أَأُلْقِيَ الذِّكْرُ عَلَيْهِ مِنْ بَيْنِنَا بَلْ هُوَ كَذَّابٌ أَشِرٌ” (القمر 25). قَالَ: فَانْصَرَفْتُ وَقُلْتُ بِالْإِمَامَةِ وَشَهِدْتُ أَنَّهُ حُجَّةُ اللهِ عَلَى خَلْقِهِ وَاعْتَقَدْت به»، أجل إن الاستغراب الذي غمر قلب هذا الرجل من جهة صغر السن كان جوابه في هاتين الآيتين المباركتين واضحاً مستبيناً. وكان الإمام الجواد عليه السلام رابضاً بالمدينة وهو الفتى الحديث في السن، المُقدَّر عند الله والخلق، قد أعطت الشيعة- وهي يومذاك كثرة لا يُستهان بها- أزمَّتها بيده فنهض بتدبيرها خير نهوض، حتى التفَّتْ حوله طائفة من أصحاب أبيه وجده.

وعن محاورة الامام الجواد عليه السلام مع يحيى بن الأكثم يقول آية الله السيد محمد تقي المدرسي: قَالَ يَحْيَى بْنُ أَكْثَمَ لِلْمَأْمُونِ: يَأْذَنُ لِي أَمِيرُ المُؤْمِنِينَ أَنْ أَسْأَلَ أَبَا جَعْفَرٍ عَنْ مَسْأَلَةٍ؟ فَقَالَ لَهُ المَأْمُونُ: اسْتَأْذِنْهُ فِي ذَلِكَ، فَأَقْبَلَ عَلَيْهِ يَحْيَى بْنُ أَكْثَمَ فَقَالَ: أَتَأْذَنُ لِي- جُعِلْتُ فِدَاكَ- فِي مَسْأَلَةٍ؟ فَقَالَ أَبُو جَعْفَرٍ عليه السلام: سَلْ إِنْ شِئْتَ. قَالَ يَحْيَى: مَا تَقُولُ جُعِلْتُ فِدَاكَ فِي مُحْرِمٍ قَتَلَ صَيْداً؟ فَقَالَ أَبُو جَعْفَرٍ عليه السلام: – قَتَلَهُ فِي حِلٍّ أَوْ حَرَمٍ؟ – عَالِماً كَانَ المُحْرِمُ أَوْ جَاهِلًا؟ – قَتَلَهُ عَمْداً أَوْ خَطَأً؟ – حُرًّا كَانَ المُحْرِمُ أَوْ عَبْداً؟ – صغِيراً كَانَ أَوْ كَبِيراً؟ – مُبْتَدِئاً بِالْقَتْلِ أَوْ مُعِيداً؟ – مِنْ ذَوَاتِ الطَّيْرِ كَانَ الصَّيْدُ أَمْ مِنْ غَيْرِهَا؟ – مِنْ صِغَارِ الصَّيْدِ أَمْ مِنْ كِبَارِهَا؟ – مُصِرًّا عَلَى مَا فَعَلَ أَوْ نَادِماً؟ – فِي اللَّيْلِ كَانَ قَتْلُهُ لِلصَّيْدِ أَمْ فِي النَّهَارِ؟ – مُحْرِماً كَانَ بِالْعُمْرَةِ إِذْ قَتَلَهُ أَوْ بِالحَجِّ كَانَ مُحْرِماً؟ فَتَحَيَّرَ يَحْيَى بْنُ أَكْثَمَ وَبَانَ فِي وَجْهِهِ الْعَجْزُ وَالِانْقِطَاعُ وَلَجْلَجَ حَتَّى عَرَفَ جَمَاعَةُ أَهْلِ المَجْلِسِ أَمْرَهُ، فَقَالَ المَأْمُونُ: الْحَمْدُ للهِ عَلَى هَذِهِ النِّعْمَةِ وَالتَّوْفِيقِ لِي فِي الرَّأْيِ. ثُمَّ نَظَرَ إِلَى أَهْلِ بَيْتِهِ فَقَالَ لَهُمْ: أَعَرَفْتُمُ الْآنَ مَا كُنْتُمْ تُنْكِرُونَهُ، ثُمَّ أَقْبَلَ عَلَى أَبِي جَعْفَرٍ عليه السلام فَقَالَ لَهُ: أَتَخْطُبُ يَا أَبَا جَعْفَرٍ؟ فَقَالَ: نَعَمْ يَا أَمِيرَ المُؤْمِنِينَ. فَقَالَ لَهُ المَأْمُونُ: اخْطُبْ لِنَفْسِكَ- جُعِلْتُ فِدَاكَ- قَدْ رَضِيتُكَ لِنَفْسِي وَأَنَا مُزَوِّجُكَ أُمَّ الْفَضْلِ ابْنَتِي وَإِنْ رَغِمَ قَوْمٌ لِذَلِك. فَقَالَ أَبُو جَعْفَرٍ عليه السلام: الحَمْدُ للهِ إِقْرَاراً بِنِعْمَتِهِ، وَلَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ إِخْلَاصاً لِوَحْدَانِيَّتِهِ، وَصَلَّى اللهُ عَلَى مُحَمَّدٍ سَيِّدِ بَرِيَّتِهِ، وَالْأَصْفِيَاءِ مِنْ عِتْرَتِهِ، أَمَّا بَعْدُ فَقَدْ كَانَ مِنْ فَضْلِ اللهِ عَلَى الْأَنَامِ أَنْ أَغْنَاهُمْ بِالْحَلَالِ عَنِ الْحَرَامِ، وَقَالَ سُبْحَانَهُ: “وَأَنكِحُوا الأَيَامَى مِنْكُمْ وَالصَّالِحِينَ مِنْ عِبَادِكُمْ وَإِمَائِكُمْ إِنْ يَكُونُوا فُقَرَاءَ يُغْنِهِمْ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ” (النور 32).

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *