ما المطلوب من القوى الوطنية العراقية لإنهاء حكم الميليشيات وتحقيق التغيير السياسي؟

الكاتب : الدكتور ابو عبد الدليمي
—————————————
في ظل التطورات الإقليمية والدولية: ما المطلوب من القوى الوطنية العراقية لإنهاء حكم الميليشيات وتحقيق التغيير السياسي؟

بقلم : الدكتور ابو عبد الدليمي

تشهد المنطقة في المرحلة الراهنة تحولات جوهرية تمثل فرصة تاريخية لإعادة رسم ملامح المشهد السياسي في العراق والمنطقة. فمن تعثر المفاوضات الأمريكية-الإيرانية، وتراجع نفوذ طهران في عواصم عربية عدة، إلى مؤشرات انتهاء أدوار بعض وكلائها كالحوثيين في اليمن وحزب الله في لبنان، وتحرير أجزاء واسعة من سوريا من قبضة النفوذ الإيراني—تفتح هذه المتغيرات الإقليمية أفقاً جديداً أمام القوى الوطنية العراقية لإعادة إحياء مشروع التحرر من سلطة الميليشيات، واستعادة الدولة المختطفة.

وفي الداخل العراقي، تتعمق الأزمة السياسية والأمنية، خصوصاً بعد فشل زيارة الوفد الحكومي إلى الولايات المتحدة، وعجزه عن تقديم رؤية وطنية مستقلة تُعيد ثقة المجتمع الدولي. كما أن طرح مشروع “تحرير العراق” من قبل النائب الأمريكي جو ولسن، يعكس تنامياً ملحوظاً للاهتمام الدولي بالشأن العراقي، ويمثل نافذة يمكن توظيفها لصالح قضية التغيير.

إلا أن هذه الفرصة ستُهدر إذا لم ترتقِ القوى الوطنية العراقية إلى مستوى الحدث، وتنتقل من موقع التشتت والردّات الفردية، إلى تشكيل مشروع وطني شامل.

أولاً: إدراك الواقع – لا انتخابات نزيهة في ظل سطوة الميليشيات

تؤكد الوقائع أن أي انتخابات تُجرى في ظل النفوذ الميليشياوي، وغياب القضاء المستقل، وضعف الضمانات الدولية، ستكون إعادة إنتاج لمنظومة الحكم الفاسدة. كما أن كل تجربة وطنية سابقة واجهت التهديد أو الاغتيال على يد أحزاب وقوى مسلحة موالية لإيران، وهو ما يجعل خيار المشاركة الانتخابية دون إصلاحات جذرية مغامرة غير محسوبة.

ثانياً: ما هو مطلوب من القوى الوطنية العراقية – في الداخل والخارج

1. توحيد الجهود وتشكيل كيان سياسي وطني جامع

على القوى الوطنية أن تبادر فوراً إلى تشكيل جبهة سياسية موحدة، تعمل على بلورة رؤية مشتركة، وخطاب واضح، ومشروع شامل لبناء الدولة على أساس السيادة، والعدالة، والمواطنة. يجب أن يكون هذا الكيان عابراً للطوائف والمناطق، ويرفض مبدأ المحاصصة الطائفية والعرقية.

2. التحرك الدولي المؤسسي

الانفتاح على المجتمع الدولي، والبرلمانات الغربية، والمنظمات الحقوقية العالمية، بهدف:
• فضح جرائم الميليشيات بحق المدنيين والناشطين.
• طرح مشروع سياسي وطني بديل يحظى بدعم المجتمع الدولي.
• الضغط لربط المساعدات الدولية للعراق بإصلاحات سياسية وأمنية حقيقية، ونزع سلاح الجماعات المسلحة.

3. بناء ذراع إعلامية موحدة

إطلاق منصة إعلامية وطنية مستقلة وفعّالة ناطقة بالعربية والإنجليزية، تسلط الضوء على معاناة الشعب العراقي، وتُظهر حقيقة ما يجري من قمع واستبداد، وتُقدّم خطاباً وطنياً جامعاً بديلاً عن خطاب الميليشيات والطائفية.

4. دعم النضال المدني الشعبي
• مساندة الحراك الشعبي السلمي، وتوفير الغطاء السياسي والإعلامي له.
• دعم حركات العصيان المدني والإضرابات كوسائل مشروعة لمواجهة سلطة الأمر الواقع.
• توثيق الانتهاكات ضد الناشطين وتقديمها للمؤسسات الدولية، بهدف كسر جدار الصمت الدولي.

5. إعداد ملفات قانونية دولية

تشكيل فرق قانونية تعمل على إعداد ملفات عن:
• جرائم الاغتيال السياسي.
• عمليات التهجير والتعذيب والخطف خارج القانون.
• ملفات الفساد المنظم المرتبط بقيادات سياسية وميليشياوية.
تُقدَّم هذه الملفات إلى محكمة الجنايات الدولية وهيئات العقوبات الدولية (مثل مكتب الأوفاك الأمريكي والاتحاد الأوروبي).

6. استثمار التغيرات الإقليمية والدولية
• الاستفادة من ضعف الدور الإيراني في اليمن وسوريا ولبنان، وتحول المزاج الدولي تجاه طهران، لطرح العراق كحالة نموذجية لتحرير الدولة من نفوذ الحرس الثوري.
• التنسيق مع نخب فكرية وإعلامية عربية مؤثرة لتعزيز الدعم الشعبي والإعلامي الإقليمي للقضية العراقية.

العراق بحاجة لمشروع تحرر وطني

إن اللحظة التاريخية التي نعيشها تتطلب جرأة، وتنظيماً، ووحدة هدف. التغيير لن يأتي من صناديق اقتراع مُسيطر عليها، بل من مشروع وطني شعبي مدعوم دولياً، يصر على إعادة بناء العراق دولةً مدنيةً، ذات سيادة، خالية من الميليشيات، ويحكمها القانون لا السلاح.

هذا هو التحدي، وهذه هي الفرصة.

د. ابو عبد الدليمي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *