ظاهرة الانتحار وطوفان الرزايا والأخطار

الكاتب : احمد الحاج جود الخير
—————————————

بعد احصائية مخيفة بعدد المنتحرين في العراق لعام 2019 كشفت عنها مفوضية حقوق الإنسان خلصت الى أن العراق سجل 725 حالة انتحار في ذلكم العام ، تلتها احصائية ثانية لعام 2021 بلغت أكثر من 772 حالة انتحار يومئذ، وإذا بنا نصحوا عام 2023 على وقع تصنيف العراق بالمرتبة 150 عالمياً،والـ ١٣ عربياً،بـ 3.6 حالة انتحار لكل 100 ألف شخص وفقا لمجلة ceworld!
ولم يختلف الحال ونحن في عام 2025م على وقع أخبار مفجعة كلها لاتفتأ تتحدث عن انتحارات مقلقة بالجملة وبطرق مختلفة أحدها لطالب في السادس الاعدادي أنهى حياته انتحارا شنقا حتى الموت في محافظة ميسان،وبما يدق ناقوس الخطر ويستدعي التدخل المباشر والتشمير عن ساعد الجد للإحاطة بالظاهرة ومن جميع جوانبها .
يقول الباري عزّ وجلّ في محكم التنزيل: (ولا تقتلوا أنفسكم إن الله كان بكم رحيمًا) النساء 29، وقال رسول الله ﷺفي الحديث الصحيح: (من تردى من جبل فقتل نفسه فهو في نار جهنم يتردى خالدًا مخلدًا فيها أبدًا، ومن تحسى سمّاً فقتل نفسه فسمّه في يده يتحسّاه في نار جهنم خالدًا مخلدًا فيها أبدًا، ومن قتل نفسه بحديدة فحديدته في يده يتوجأ بها في بطنه في نار جهنم خالدًا مخلدًا فيها أبدًا).
كما أوصانا ﷺ بأن لا يتمنى أحدنا الموت لضر أصابه، فإن كان لا بد فاعلًا فليقل (اللهم أحيني ما دامت الحياة خيرًا لي، وأمتني ما كانت الوفاة خيرًا لي) وأن الله تعالى يقول لمن ينهي حياته انتحارًا كما جاء في الحديث القدسي: (بادرني عبدي فحرمت عليه الجنة). وعلى التربويين والباحثين النفسيين والاجتماعيين فضلًا عن وسائل الإعلام المقروءة والمرئية والمسموعة أن يأخذوا دورهم في التوعية والإرشاد والتحذير من مغبة الظاهرة التي استفحلت بشكل مخيف داخل مجتمعنا المحافظ لعوامل عدة بعد أن كانت غريبة عليه تماما والى وقت قريب جدا.

جريمة الانتحار وفقا للقانون العراقي
لقد نصت المادة (408) من قانون العقوبات العراقي رقم 111 لسنة 1969 المعدل على عقوبة جريمة التحريض على الانتحار: (يعاقب بالسجن مدة لا تزيد على 7 سنوات من حرض شخصا أو ساعده بأية وسيلة على الانتحار إذا تم الانتحار وتكون العقوبة الحبس إذا لم يتم الانتحار).

أعمار الضحايا وأساليب والانتحار ووسائله
الملاحظ أن غالبية المنتحرين في العراق تتراوح أعمارهم بين 17 – 25 عاماً وهناك ضحايا أصغر من ذلك أو أكبر سنا. تنوعت أساليب انتحارهم بين اطلاق النار من سلاح شخصي، الشنق، إحتساء السم، قطع الوريد، رمي النفس من شاهق الى الأرض أو في مياه النهر والضحية لا يجيد السباحة لضمان إنهاء حياته منتحرا، والحرق ، والأسلوب الأخير تستخدمه الإناث عموما أكثر من الذكور!

حالات يجب أن تؤخذ بنظر الاعتبار
بعض المنتحرين يقدم على فعلته الشنعاء تلك بعد إخباره بأنه مصاب بمرض لا يرجى برؤه ،أو لإدراكه بأن لا أحد سيرعاه أو يحتمله حتى أقرب المقربين اليه أو أنه لا يمتلك تكاليف علاجه، كالسرطان والايدز والزهايمر والباركنسون، وبعضهم يكون دافعه الخشية من افتضاح أمره بقضية ما أخلاقية أو مالية أو وظيفية أو جنائية، و بعضهم بسبب البطالة الخانقة أو هلعا من المستقبل المظلم، أو نتيجة لصدمات عاطفية ووجدانية مختلفة، وبعضهم بسبب الضغوط الدراسية ، فيما ينتحر غيرهم بسبب المخدرات والخمور بغير وعي منهم أو بتأثير أمراض نفسية مستعصية وأبرزها الفوبيا والفصام والاكتئاب الشديد. و هناك دوافع أخرى كالإفلاس وتراكم الديون والخسائر التجارية والمادية الكبيرة المفاجئة على اختلاف مسبّباتها كالقمار والمراهنات والروليت والبلاك جاك والكوتشينة والبوكر وسباق الخيل ونحوها .
وهناك القتل المخطط له سلفاً ليبدو على أنه حالة انتحار وبما يحلو لي تسميتها بجرائم الانتحار “السقراطية” التي ترغم خلالها الضحية على الانتحار بالسم أو بإلقاء نفسها من شاهق ليظن المتابعون لها ،بما فيهم المحققون العدليون في تفاصيلها أنها قد انتحرت اختيارا وما هي كذلك، و بما يمكننا أن نسمّيها أيضاً بجرائم الانتحار “المارلينية أو السعادية” نسبة الى مارلين مونرو، التي قتلت ليدون قتلها على أنه انتحار على خلفية عدة فضائح مع رجال المخابرات كذلك الرئيس الاميركي جون كينيدي ، اضافة الى سعاد حسني ، التي قتلت برميها من شرفة شقة كانت تقيم فيها في لندن بعد اعلانها عن عزمها نشر مذكراتها المليئة بالفضائح مع رجال الحكم وعناصر المخابرات وكبار الساسة ورجال الأعمال ما دفعهم الى قتلها وتدوين الحادث على أنه انتحار ، حيث يقتل المجني عليه بطريقة محكمة تبدو على انها انتحار مع انه اغتيال مع سبق الإصرار والترصد !!
ولا يفوتنا أن نؤكد بأن بعض الحالات في المناطق الشعبية والريفية وبالأخص تلك التي تذهب ضحيتها النساء الصغيرات في السن إنما هي في الحقيقة جرائم قتل متعمد مع سبق الإصرار والترصد تأخذ صفة الانتحار لتعتيم الحقيقة على جرائم يطلق عليها اصطلاحًا “غسل العار” ” جرائم الشرف” حيث تقتل المرأة وتعلق في حبل المشنقة أو تجبر على إحراق نفسها أو القفز من أعلى الجسور في نهري دجلة أو الفرات مع أنها لا تجيد السباحة لتبدو الجريمة وكأنها انتحار بملء إرادة صاحبتها فيما هي ليست كذلك أبداً.

ظاهرة بو عزيزي …
بعد انتحار بو عزيزي في تونس، استشرت ظاهرة الانتحار بين الشباب في العالمين العربي والاسلامي، في كل من مصر والجزائر والسودان وموريتانيا واليمن والعراق ، وباستثناء بو عزيزي فإن انتحارا واحدا لم يحرك الشارع العربي، ولم يهز ضمائر مسؤوليه الميتة، والحقيقة أن الدعوى الى الانتحار لاحداث التغيير، دعوة اطلقها الفيلسوف الروماني سينيكا، وفي مدرسة هذا الفيلسوف المعتوه تخرج القيصر الروماني نيرون، الذي أحرق نصف روما احتفالا بعيد ميلاده وهو يغني ويعزف على القيثارة، لينهي حياته انتحارا بعد ذلك على خطى استاذه – سينيكا- الذي انتحر بدوره في مغطس الحمام !
في كتابه (الانتحار الخطأ الذي لا يغتفر)، يزعم الكاتب كولين ديلن، ان اكثر ايام السنة انتحارا هي ايام الاعياد، وان المثقفين ينتحرون ليلا بينما ينتحر الاميون وقت الظهيرة.. ويضيف الكاتب الفرنسي جان كلود في كتابه (الميتات العنيفة) ان رجال قبائل الاسكيمو ينتحرون باكل التراب، بينما ينتحر الشباب الروسي بحشو المسدسات باطلاقة واحدة نحو الرأس بما يعرف بالروليت الروسي، وينتحر اليابانيون بسيف الساموراي وبطريقة هارا كيري، أما جان بيشلر فيستعرض في كتابه (المنتحرون) عددا كبيرا من المشاهير ممن انهوا حياتهم انتحارا أمثال الفيلسوف اليوناني سقراط، وكليوباترا، وهتلر، والمارشال غورنغ، والكاتب الياباني ميشيما، والكاتب الامريكي ارنست هيمنغواي، والمشير عامر، ومارلين مونرو، وإن كان الأخيران مشكوك في انتحارهما بقدر اغتيالهما !
ومن أغرب ظواهر الانتحار التي شاعت في اوربا مؤخراً ظاهرة الموت الرحيم، لمساعدة مرضى السرطان على انهاء حياتهم انتحارا عن طريق العقاقير الطبية المميتة، ومن أشهر ضحاياها، زوجة المستشار الالماني السابق، هيلموت كول، ويقر المدير الطبي الاسبق في الامم المتحدة، مايكل اوبروين ، بأنه ساعد خمسين مريضا على الانتحار بأحد العقاقير القاتلة ويفخر بأنه عضو مؤسس في منظمة الحق في الموت.
ومن عجائب الانتحار أن الكاتب الامريكي ديك همفري ،كان يفخر بإصداره عام 1996 كتابا بعنوان ” المشهد الأخير” يشرح فيه أفضل وأقصر الطرق للانتحار، حيث تصدر الكتاب قائمة الكتب الأكثر مبيعا في استفتاء صحيفة نيويورك تايمز وقتئذ، ومن اشهر حوادث الانتحار الجماعي، فرق الكاميكاز اليابانية، خلال الحرب العالمية الثانية، وحادثة بوابة السماء، التي قادها الراهب ايل وايت، ومجزرة جونز تاون، التي ذهب ضحيتها 900 شخص، وقادها القس جيمس جونز!
ويرجح مراقبون للشأن العراقي بأن ارتفاع معدلات الانتحار في الآونة الأخيرة يرجع في بعض إرهاصاته إلى جملة أسباب منها الابتزاز الالكتروني ، والتفكك الأسري ، وغياب الروابط العائلية ، وارتفاع معدلات الطلاق ،إضافة إلى الإنترنت وما يبثه من برامج تشجع على الانتحار، بل وبث عمليات انتحار موثقة بالفيديو أولًا بأول كذلك بحثا عن الترند ، فضلًا عن الأفلام السينمائية التي تشجع الشباب على العنف والقتل والمخدرات والانتحار، ناهيك عن ضعف الوازع الديني ، العزوبية ، العوز والفاقة زيادة على منظمات مشبوهة تشجع على الانتحار كـ” جماعة القربان “التي تجري قرعة بيةن اتباعها دوريا لتقديم أحدهم قربانا بشريا ينهي حياته بالانتحار.

قبل أن تنتحر رجاء !!
صديقي اليائس من الحياة مهلا ترفق بنفسك أرجوك ..لاتتركنا هكذا على حين غرة وترحل ..أمكث هاهنا بالقرب منا ما تبقى لك من عمر لنحيا سوية ، أخي في الدين ونظيري في الخلق ، أرجوك فكر 1000 مرة قبل أن تقدم على إنهاء حياتك اختيارا ولاتفجعنا ،لا تستسلم لحوادث الدنيا هكذا بسهولة أتوسل اليك فما لحوادث الدنيا بقاء كما يقول الامام الشافعي ، مضيفا ” وَكُن رَجُلاً عَلى الأَهوالِ جَلداً..وَشيمَتُكَ السَماحَةُ وَالوَفاءُ” ، فمازال هنالك ثمة بارقة أمل وبصيص من نور في نهاية النفق المظلم مهما ادلهمت الخطوب وتزاحمت المحن وتكسرت النصال على النصال على قول المتنبي ، فلا تبتئس وكلنا نعاني ، لا تقنط وكلنا معرضون للكوارث والأحزان والمشاكل الاجتماعية والإخفاقات الحياتية والضغوط النفسية والوظيفية أو الدراسية فضلا على كم لا يحصى من الأخطار، أولا لأن الانتحار حرام،وثانيا لأنه سيلحق بك وبأهلك العار لبقية حياتهم فيقال “هذا بيت المنتحر ..هذه شقيقة المنتحر ..هذه أم المنتحر ..هذا عم المنتحر ، خال المنتحر ، والد المنتحر ، زوجة المنتحر ” وهكذا دواليك وحسب قول كهذا أن ينكأ جرحا لن يندمل و أن يجدد وعلى قول الرصافي ” للمحزون حزنا فيجزع ” والحياة حلوة نظرة خضرة وهي دار ابتلاء لا دار بقاء ، وبالتالي فإنها لا تستحق مفارقتها هكذا عبثا بروح اليائسين ، وأخلاق المحبطين ،وبفورة العابثين قبل أن نترك فيها بصمة جميلة أيا كانت ومهما صغرت تستحق أن نذكر من جرائها كلما شوهدت وبعد رحيلنا عن الدنيا بكل خير،ولله در أمير الشعراء احمد شوقي القائل :
وكن رجلاً إن أتوا بعده …يقولون : مرَّ وهذا الأثرْ!
اودعناكم اغاتي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *