ناجي الغزي
في الشرق الأوسط، لا تدور الحرب في الميادين وحدها، بل في العقول، والخرائط، والممرات التجارية، ومجالس الأمن، والشاشات التي تُراقب كل شيء. ما يجري اليوم على أرض إيران ليس مجرد مواجهة عسكرية، بل إعادة تشكل للزمن القادم. إسرائيل تقصف، وإيران ترد، وأمريكا تلوّح بتوسيع دائرة الحرب، فيما الصين تراقب، وروسيا توازن، وباكستان تميل حيث مالت بكين، وكوريا الشمالية تبتسم في الظل. لكن خلف كل هذا، هناك سؤال يُطارد الجميع: هل ما يجري هو صراع حدود أم صراع وجود؟
*إسرائيل ومشروع التفكيك*
لم تبدأ إسرائيل هذه الحرب كمن يبحث عن ردع نووي فقط، بل كمن يؤمن أيديولوجياً، أن لديه مهمة تاريخية، تُسندها نصوص دينية وتغذيها أطماع استراتيجية. فحكومة اليمين الديني في تل أبيب لا ترى في إيران مجرد تهديد أمني، بل كياناً ينبغي إنهاء مشروعه من جذوره.
وهذا ما يفسّر سر رفض إسرائيل لأي مفاوضات أمريكية-إيرانية. لأنها تدرك أن المفاوضات لا تُعيد البرنامج النووي الإيراني إلى الوراء، بل تعطي إيران شرعية ما، وتُبقيها قوة إقليمية عصية على الإخضاع.
بالنسبة لإسرائيل، لا معنى لمفاوضات تُبقي طهران واقفة. ومثلما استُخدم الاتفاق البحري مع لبنان لتفكيك حزب الله سياسياً واقتصادياً، فإن أي اتفاق مع إيران في نظرها، يجب أن يكون خطوة أولى في مشروع تفكيك شامل للجمهورية الإسلامية نفسها.
إسرائيل كدولة مارقة و وحشية في سياستها، لا تنتظر تبريراً أو شرعية دولية لتفسير سلوكها تجاه إيران، لأن اللحظة الراهنة من وجهة نظرها مثالية بامتياز، بل قد تكون الفرصة التاريخية الأخيرة لتحقيق أهدافها القصوى، وذلك استناداً إلى معطيات فاعلة ومتكاملة في مدار رؤيتها الاستراتيجية. ويمكن تفصيل هذه المعطيات كالتالي:
*البيئة الإقليمية مفككة ومرتبكة:* من منظور تل أبيب، فإن العالم العربي يعيش أسوأ حالاته: سوريا محطمة ومقسمة النفوذ، وتحتل اجزاء من اراضيها. والعراق مثقل بالأزمات والصراعات ومتذبذب القرار، ولبنان تعيش فراغ سياسي وانهيار اقتصادي، ودول الخليج منقسمة بين التطبيع والخشية، ومصر تعاني ضعف اقتصادي وعجز استراتيجي داخلي، وتركيا لا تزال تعاني من تصدعاتها الاقتصادية وجراحها الإقليمية، ولا تمثّل تهديداً حقيقياً على إسرائيل، لا حالياً ولا في المستقبل المنظور.
ورغم هذه الرؤية الشاملة للتصور الاسرائيلي لمحددات المنطقة: لكن تكتيك “الضربة الخاطفة” الذي مارستها إسرائيل في اليومين الأولين فشلت. ولم تنهار إيران كما رسم لها. ولم تتصدّع جبهتها الداخلية كما خطط لها. ولم تتفتت مؤسساتها كما كانت تتوقع. ومن هنا بدأت عقدة الحرب: لكون إسرائيل لا تملك الوقت الكافي لحرب استنزاف، وليس لها رؤية واضحة للخروج من أزمة الحرب، بدون تحقيق انجاز ملموس، ولذلك تحتاج لضربة أمريكية قوية تكسر الداخل الإيراني، وتوظفه كنصر لها.
*إيران: الصمود قبل التفاوض*
في طهران، لا تُرفض المفاوضات عناداً، بل لأنّ شروطها الآن غير متوازنة. إيران تُدرك أن التفاوض مع أمريكا اليوم، بوجود إسرائيل على طاولة القرار، لن يكون إلا تفكيكاً تدريجياً لمقومات الدولة، من النووي إلى الباليستي، إلى الجبهة الداخلية.
لكن في الوقت ذاته، إيران تُراهن على أن تستطيع امتصاص الضربة الكبرى، أو على الأقل تجنب الانهيار الداخلي. وبعدها، سيكون لديها ما تتفاوض عليه. سيكون في يدها ورقة “الباليستي”، وسيكون لدى واشنطن وجوقتها من الحلفاء ما يكفي من الإحباط والتردد لتقبل بشروط جديدة.
هنا، تُعيد إيران قراءة مشهد المواجهة، ليس على أساس القوة الميدانية فقط، بل على أساس الزمن الاستراتيجي. فمع كل يوم تصمد فيه طهران- تقترب موسكو وبكين من لحظة النفاد الاستراتيجي لصبرهما، وتفقد واشنطن تفوق المبادرة، وتدخل في حسابات خسائر أكبر، وتتساقط مبررات الحرب الأخلاقية والإعلامية تدريجياً.
هكذا، إيران لا تفاوض الآن، لكنها تُعدّ للجلوس على الطاولة بيدٍ لا تزال ممسكة بالسلاح، وبقلبٍ لم يرتجف من الصواريخ.
*الصين: المبادرة على حافة النار*
في بكين، لا تصدر التصريحات النارية، ولكن تُبنى الاستراتيجيات على مهل. القيادة الصينية تعرف أن إيران ليست مجرد دولة، بل هي قلب نابض في شريان مشروعها الأعظم: مبادرة الحزام والطريق. مشروع جغرافي-اقتصادي بحجم إمبراطورية، خصصت له الصين مئات المليارات من الدولارات، ووضعت فيه إيران في مركز حساس، يربط بين بحر الصين والمحيط الهندي والبحر المتوسط.
تتابع الصين الحرب من بعيد، لكنها ليست غافلة. أقمارها الاصطناعية تُستخدم لتعزيز دقة الضربات الإيرانية. بعض أجهزتها الإلكترونية وصلت عبر طرق ملتوية إلى الحرس الثوري. هناك همس في الدوائر الأمنية الصينية أن سقوط النظام الإيراني يعني كشف العمق الغربي لبكين، من المتوسط إلى أفغانستان، وهذا لم يكن يوماً خياراً مقبولاً.
لكن التنين الصيني يفضل الحرب الباردة، أو الحرب بالوكالة. لا يُريد أن يدخل المواجهة المباشرة او حرباً مفتوحة، بل تفضل أن تبقى واشنطن غارقة، وإيران صامدة، والطاقة مرتفعة الأسعار، وهي تربح من كل هذا.
*روسيا الحائرة*
في موسكو، لا تزال صدمة أوكرانيا تُثقل خطوات الكرملين. بوتين يعلم أن الدعم الصريح لطهران قد يفتح عليه جبهة أخرى مع الغرب، وهو لا يملك ترف فتح الجبهات. لكنه في الوقت نفسه، يرى في إيران حليفاً موثوقاً، يقاتل نيابة عنه، في الوقت الذي تُستنزف فيه أمريكا في الشرق الأقصى.
لكن المراقب العميق يعرف شيئاً آخر: روسيا لا تُعطي حلفاءها أكثر مما تضمن أنه لن يُكلفها الكثير. لهذا لم ترسل S-400 ولا S-500 إلى طهران. وربما لن تفعل. فروسيا لا تُراهن بالكامل على أحد، بل تفضّل أن تُمسك العصا من المنتصف، تدين العدوان الإسرائيلي، وتشيد بصمود إيران، لكنها لا تُغامر بعزل نفسها دولياً أكثر مما هي معزولة.
هكذا تفكر روسيا، من منطق الغنيمة لا الوفاء. وإذا كان النظام الدولي سيتشكل من جديد، فهي تُريد أن تكون فيه لاعباً محورياً لا حليفاً تابعاً.
*باكستان: الدولة المترددة*
إسلام آباد، لا تنظر إلى إيران كحليف ديني كما يظن البعض. فالعقيدة لم تحمِ غزة حين احترقت، ولم تحمِ اليمن حين تُركت للنيران. ولكن الحسابات هذه المرة مختلفة، لأن الصين دخلت في المعادلة.
فباكستان، بوابة الممر الاقتصادي الصيني، تعرف جيداً أن أمن إيران هو شرط مسبق لأمن استثماراتها المستقبلية. لهذا ورغم علاقاتها الوثيقة مع الخليج، اختارت أن تلعب في الظلال. بدأت تقدم معدات دفاع جوي لطهران، ونقلت تقنيات استخباراتية عبر الحدود، وشغلت بعض موانئها لتمرير الدعم الإيراني.
ورغم أن هذا الدعم ليس علنياً، إلا أنه يُشير إلى تحوّل في الموقف الباكستاني، الذي بات يقرأ الخريطة ليس من مكة ولا من واشنطن، بل من بكين. ويبدو أن إسلام آباد اختارت، لأول مرة، أن تضع بعض بيضها في سلة طهران، بشرط ألا تُكسر السلة أمام العيون.
*كوريا الشمالية: الزئبق المتقلب على نار الاشتباك*
بيونغ يانغ، بعيدة جغرافياً عن الخليج، لكنها قريبة جداً من وجدان الصراع العالمي. كوريا الشمالية لا تملك رفاهية إرسال جيوشها إلى الشرق الأوسط، لكنها خبيرة في اللعب على حواف النيران.
صواريخها وتقنياتها الباليستية التي وصلت إيران في سنوات سابقة، لا تزال تعطي طهران القدرة على الردع. ومع تصاعد الحرب، قد تُعيد كوريا الشمالية تفعيل خطوط الدعم، سواء عبر وسطاء أو مباشرة. وربما تُرسل معدات تشويش أو أنظمة ملاحة بدائية لكنها فعالة.
المفارقة أن كوريا ترى في المواجهة الإيرانية فرصة لإبقاء واشنطن منشغلة بعيداً عن شبه الجزيرة الكورية. لهذا، فكلما اشتدت النار في طهران، ارتاحت بيونغ يانغ قليلاً، وربما ضحكت بسخرية على تأجيل ملفها النووي من جديد.
*معركة النظام العالمي الجديد*
لم تكن الحرب الإسرائيلية على إيران مجرد ردع أو عقاب، بل هي اختبار شامل لمنظومة ما بعد الحرب الباردة. الشرق الأوسط يُعاد رسمه الآن، لا على خرائط سايكس بيكو، بل على خرائط الغاز والنفط والممرات البحرية، وعلى خرائط الشركات العابرة، والمصانع العائمة في جنوب آسيا.
الصين لا تريد سقوط إيران، لأنها لا تريد سقوط مبادرتها، و روسيا تُراهن على استنزاف أمريكا ولكن لا تريد المجازفة المباشرة، وباكستان تُغامر بحذر، وتفكر بعين صينية لا إسلامية. وكوريا الشمالية تلعب كما كانت تلعب دائماً- بين الرماد والبركان.
وإيران، في قلب الإعصار، تُقاتل وحدها ميدانياً، لكنها تقف على أرض استراتيجية حقيقية تتداخل فيها مصالح العالم. فإذا سقطت، قد تُفتح بوابة قرن أمريكي – اسرائيلي جديد، وإن صمدت، فقد نكون على أعتاب نظام دولي لا تشكل فيه واشنطن مركز الثقل الوحيد، بل تتعدد به الاقطاب.
وهكذا، يتقرر مصير العالم، من فوق سهول أصفهان، وسواحل بوشهر، وصواريخ تُطلق من قلب العمق، لتكتب خارطة جديدة لا زالت خطوطها تنزف.