أسماء الجرادي
سنواتٌ طويلة مرّت كُشفت فيها تفاصيل الخداع والمراوغة في السياسة الأمريكية تجاه قضايا منطقتنا، وعلى رأس هذه السياسات كانت إدارة دونالد ترمب، الذي بدأ ولايته بشعارات نارية وتهديدات ضد المقاومة الفلسطينية، تبِعها بتصريحات عدائية تجاه اليمن. لكنه ما لبث أن فشل في تنفيذ تهديداته على الأرض في كلتا الجبهتين، إذ لم تستجب غزة لضغوطه، فعاد ليجمع قوّته وغروره ليشنّ هجمات أعنف على اليمن في محاولة لإجبارها على الاستسلام ووقف عملياتها الداعمة لغزة. وكانت هذه الهجمات امتدادًا لعمليات عسكرية كانت قد بدأت بها إدارة بايدن وبمشاركة بريطانيا، وإسرائيل.
القصف والتهديد في اليمن لم يؤدِّ إلى نتيجة، بل جاءت المفاجآت اليمنية لتقلب الطاولة على ترمب، إذ تصاعدت الضربات من جانب صنعاء، وكادت أن تُغرق حاملة طائرات أمريكية في البحر قبالة اليمن، بعد أن لحقت أضرار بالغة بأربع حاملات طائرات أمريكية من قبل، لتصبح هذه الحوادث وصمة عار في جبين المؤسسة العسكرية الأمريكية. ورغم ذلك، واصل ترمب سياساته التضليلية، فأعلن أن اليمن قد استسلم وأوقف عملياته، في محاولة لإظهار انتصار وهمي أمام الداخل الأمريكي والعالم. ثم ما لبث أن انتقل إلى إيران، وبدأ معها حوارًا بدا في ظاهره سياسيًا، لكنه لم يكن سوى فخٍّ مدروس لطمأنة طهران تمهيدًا لتنفيذ ضربة خاطفة ضدها. وفي خضم هذا المشهد، تآمر مع نتنياهو لتنفيذ سلسلة من الهجمات الغادرة التي استهدفت عددًا من العلماء والقادة الإيرانيين . وكان واضحًا أن الهدف الحقيقي لم يكن فقط إضعاف قدرة إيران، بل الإطاحة برأس النظام المتمثل بالإمام خامنئي، إلا أن مشيئة الله حفظت الإمام وقلبت الموازين لصالح محور المقاومة.
بعد أن جاء الرد الإيراني صادمًا وقويًا وضرب مواقع حساسة في الكيان الصهيوني، عاد ترمب ليستخدم أسلوبه المكرر في إطلاق التهديدات، وهذه المرة بشكل مباشر ضد الإمام خامنئي لعله يستسلم، مؤكدًا أنه يعرف مكانه وقادر على استهدافه. لكنه جهل طبيعة القادة المقاومين الذين لا تُرهبهم التهديدات، فجاء الرد حازمًا وقاطعًا من خامنئي نفسه بقوله: “أمثالنا لا يُهدَّدون.” وتصاعدت الضربات على الكيان المحتل، لتجبر ترمب على استكشاف وسائل أخرى لمساعدة إسرائيل، فجاء التدخل الأمريكي بتنفيذ ضربات ضد إيران، أعلن خلالها ترمب تدمير المفاعلات النووية الإيرانية، مدّعيًا أنه بذلك حقّق أهداف الحرب، ليُعلن بعدها وقف العمليات من جانب إسرائيل. ولكن الرد الإيراني لم يتأخر، والهجمات على إسرائيل لم تتوقف، فجاءت الضربات لتطال أهدافًا أمريكية وصهيونية، ثم توقفت الهجمات المتبادلة. لكن ترمب عاد ليمارس هوايته المفضلة: التهديد والوعيد، محاولًا الإيحاء بأن لديه أوراق قوة لم يستخدمها بعد، وكأنها مجرد لعبة علاقات عامة أمام حلفائه.
ومؤخرًا، التفت ترمب إلى غزة كالثعلب، فبدأ الحديث بعاطفة ظاهرها إنساني، متحدثًا عن المأساة التي يعانيها سكان القطاع من جوع وظلم، بعد أن أرسل إليهم شركات أمريكية بزعم إيصال المساعدات. والحقيقة أن هذه الشركات كانت تعمل بتنسيق مع الكيان الصهيوني على تجميع المدنيين بحجة توزيع المعونات، ليقصفهم الاحتلال بطائراته أو يهاجمهم لاحقًا برصاصات جنوده في مشاهد تتكرر يوميًا. وسقط فيها المئات من الشهداء، فاصبحت هذه الشركات إلى فِخاخ قاتلة، هدفها الإبادة الجماعية لشعب غزة، أملًا منهم في تفريغ القطاع من شبابه ورجاله ليسهل احتلاله.
بعد ذلك، أعلن ترمب عن مبادرة لوقف إطلاق النار في غزة، وتجاوبت حماس مع هذه الورقة، ولكن في الوقت ذاته تضاعفت آلة الحرب الصهيونية من ضرباتها الوحشية ضد المدنيين، وارتكبت المجازر، وكأن وقف إطلاق النار مجرد عنوان مزيف يخفي وراءه مسرحية دامية. وبينما يُغرق الإعلام الناس بأخبار المفاوضات والاتفاق، يتّضح أن هناك خطة خبيثة تُحاك في الخفاء، هدفها القيام باغتيالات أو شنّ هجمات على اليمن، ثم إعلان وقف إطلاق النار في غزة، في محاولة لتجنيب أنفسهم ردّ الفعل اليمني المحتوم. ذلك لأن اليمن كان ولا يزال من الداعمين الرئيسيين لغزة، وقد أعلنها مرارًا أن عملياته العسكرية ستستمر ما دام العدوان على غزة قائمًا. ولذا، فإن ما تريده أمريكا والكيان هو القضاء على قدرة صنعاء، ومن ثم يتم إعلان هدنة في غزة. لكن، وبحسب ما أظهرته الوقائع السابقة، فإن هذه الحسابات خاسرة، وأن أي عدوان على اليمن لن يمر دون رد، حتى وإن توقفت الحرب على غزة، فاليمن سيرد على أي عدوان، وقد يكون هناك عقاب طويل الأمد لكل من يعتدي، من خلال الممرات المائية التي تتحكم بها اليمن. فالشعب اليمني يرى في هذه الحرب معركة وجود وكرامة، ولن تتوقف عملياته إلا بعد الثأر لشهدائه. كما أن الوعي اليوم بات متقدمًا، ولن تنطلي المسرحيات القديمة على أحد، فـ المؤمن لا يُلدغ من جُحر مرتين.
ومن هنا، فإن الرسالة الواضحة هي أنه لا أمان للعدو الصهيوني ما دام محتلا لقلب الأمة، وأن هذه المواجهة لن تنتهي حتى تتحرر كل شبر من أرضنا، ونثأر لكل شهيد سال دمه في سبيل هذه المعركة الوجودية.