حسين شكران الأكوش العقيلي
مدخل:
وسط ضجيج الحملات الانتخابية وتبدّل المواقف الحكومية، يظهر ملف خور عبد الله كأحد أكثر القضايا إرباكاً في وجدان الشعب العراقي. هل تم التفريط بسيادتنا؟ أم أننا أمام فصل جديد من فصول التواطؤ المؤسسي المغلّف بصيغ (قانونية) تفقد معناها في غياب الشفافية؟
إنها ليست قضية بيع أو تنازل مالي، بل هي معركة ذاكرة وسيادة ومسؤولية تاريخية، لا بد أن تُفتح على مصراعيها أمام أعين العراقيين.
الاتفاقية وغياب الإرادة الشعبية
في عام 1993، وبتوقيع رسمي عراقي تحت مظلة الأمم المتحدة، رُسمت الحدود البحرية مع الكويت، شملت جزءاً من خور عبد الله. تلك الاتفاقية اكتسبت شرعية دولية، لكنها افتقدت الشرعية الوطنية لسبب جوهري: لم تمرّ عبر استفتاء شعبي، ولم يُعرض مضمونها على الرأي العام العراقي.
بل الأدهى، أن الحكومات المتعاقبة اكتفت بالمصادقة دون مراجعة النتائج المترتبة، مما يجعلنا نواجه سؤالاً قانونياً خطيراً:
هل القرارات التي تمسّ السيادة يجوز تمريرها دون تفويض شعبي؟
في الفقه الدستوري، السيادة ليست سلعة تفاوض، بل مسؤولية لا تسقط بالتقادم.
الصمت السياسي: تواطؤ لا يُبرر
التعاطي الرسمي مع الملف اتسم بالصمت والتجاهل. لم تُشكّل لجنة وطنية مستقلة، ولم يُفتح تحقيق قضائي، ولم تصدر أي جهة حكومية تبريراً مفصّلاً يحترم حق الشعب في المعرفة.
هذا الصمت الرسمي يُعَدُّ إقراراً ضمنياً بالتفريط أو التستر، ويُثير الريبة في دوافع الجهات التي تعمّدت إغلاق الملف، أو تأجيل البتّ فيه إلى ما بعد انتهاء المواسم الانتخابية.
دعوة لإعادة الاعتبار القانوني والشعبي
لقد آن الأوان لتحويل هذه القضية من مادة للتراشق الإعلامي إلى حملة وطنية للمحاسبة والمراجعة. ومن هنا، أطرح المطالب التالية بوصفها مبادرة قانونية وشعبية:
– تشكيل لجنة وطنية مستقلة للتحقيق في كل مراحل الاتفاق والتصديق والتنفيذ.
– مراجعة الاتفاقية البحرية من منظور السيادة والحق التاريخي، وليس من زاوية التسويات الدبلوماسية.
– فتح جلسات برلمانية علنية لعرض حيثيات الملف على الشعب العراقي.
– إطلاق حملة إعلامية ووطنية تستعيد خور عبد الله كرمز للسيادة لا كموضوع موسمي.
خاتمة:
خور عبد الله ليس مجرد مجرى مائي على حدودنا الجنوبية، بل هو امتحان أخلاقي لضمير الدولة، ومسؤولية قانونية لا يمكن التنصل منها بالصمت.
ولابد من كشف الحقيقة للشعب ، وملاحقة كل من تسبّب أو تواطأ في تغييب هذا الملف، تحت أي مسمى أو ظرف.
لقد آن أوان الإفصاح، لأن من لا يحمي سيادته، لا يملك الحق في تمثيل شعبه.