المتوفي الطيب (تتوفاهم الملائكة طيبين يقولون سلام عليكم)

الكاتب : د. فاضل حسن شريف
—————————————
عن تفسير مجمع البيان للشيخ الطبرسي: قوله عز وجل “الَّذِينَ تَتَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ طَيِّبِينَ يَقُولُونَ سَلَامٌ عَلَيْكُمُ ادْخُلُوا الْجَنَّةَ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ” (النحل 32) “الَّذِينَ تَتَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ طَيِّبِينَ” أي: طيبي الأعمال طاهري القلوب من دنس الشرك وقيل: معناه: طيبة نفوسهم بالمصير إليه لعلمهم بما لهم عنده من الثواب وقيل: طيبين أي: صالحين بأعمالهم الجميلة وقيل: بطيب وفاتهم فلا يكون صعوبة فيها “يَقُولُونَ سَلَامٌ عَلَيْكُمُ” أي: تقول الملائكة سلام عليكم أي: سلامة لكم من كل سوء “ادْخُلُوا الْجَنَّةَ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ” قيل: إنهم لما بشروهم بالسلامة صارت الجنة كأنها دارهم وهم فيها فقولهم “ادخلوا الجنة” بمعنى حصلت لكم الجنة وقيل: إنما يقولون ذلك عند خروجهم من قبورهم. وجاء في التفسير المبين للشيخ محمد جواد مغنية: قوله عز وجل “الَّذِينَ تَتَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ طَيِّبِينَ يَقُولُونَ سَلَامٌ عَلَيْكُمُ ادْخُلُوا الْجَنَّةَ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ” (النحل 32) “الَّذِينَ تَتَوَفَّاهُمُ الْمَلائِكَةُ طَيِّبِينَ” في مقاصدهم، وطيبين في أفعالهم وأقوالهم، وبالخاتمة يقاس الإنسان، والسعيد من فارق هذه الحياة واللَّه راض عنه، ويشهد له بأنه من الطيبين الأخيار “يَقُولُونَ سَلامٌ عَلَيْكُمْ ادْخُلُوا الْجَنَّةَ بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ”. ضمير يقولون للملائكة، وخطاب عليكم للمؤمنين المتقين. تسلم ملائكة الرحمة على الطيبين عند الموت، وتبشرهم بالجنة، ليطمئنوا ويستبشروا بما أعد اللَّه لهم من الكرامة وعظيم المنزلة.

جاء في تفسير الميزان للسيد الطباطبائي: قوله عز وجل “الَّذِينَ تَتَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ طَيِّبِينَ يَقُولُونَ سَلَامٌ عَلَيْكُمُ ادْخُلُوا الْجَنَّةَ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ” (النحل 32) بيان للمتقين كما كان قوله:”الَّذِينَ تَتَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ” إلخ بيانا للمستكبرين. والطيب تعري الشيء مما يختلط به فيكدره ويذهب بخلوصه ومحوضته يقال: طاب لي العيش أي خلص وتعرى مما يكدره وينقصه والقول الطيب ما كان عاريا من اللغو والشتم والخشونة وسائر ما يوجب فيه غضاضة والفرق بين الطيب والطهارة أن الطهارة كون الشيء على طبعه الأصلي بحيث يخلوعما يوجب التنفر عنه والطيب كونه على أصله من غير أن يختلط به ما يكدره ويفسد أمره سواء تنفر عنه أم لا ولذلك قوبل الطيب بالخبيث المشتمل على الخبث الزائد، قال تعالى:”الخبيثات للخبيثين والخبيثون للخبيثات والطيبات للطيبين والطيبون للطيبات” (النور 26)، وقال: “وَالْبَلَدُ الطَّيِّبُ يَخْرُجُ نَبَاتُهُ بِإِذْنِ رَبِّهِ وَالَّذِي خَبُثَ لَا يَخْرُجُ إِلَّا نَكِدًا” (الأعراف 58). وعلى هذا فالمراد بكون المتقين طيبين في حال توفيهم خلوصهم من خبث الظلم في مقابل المستكبرين الذين وصفهم بالظلم حال التوفي في قوله السابق: “الَّذِينَ تَتَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ” ويكون معنى الآية أن المتقين هم الذين تتوفاهم الملائكة متعرين عن خبث الظلم الشرك والمعاصي يقولون لهم سلام عليكم وهو تأمين قولي لهم ادخلوا الجنة بما كنتم تعملون وهو هداية لهم إليها. فالآية كما ترى تصف المتقين بالتخلص عن التلبس بالظلم وتعدهم الأمن والاهتداء إلى الجنة فيعود مضمونها إلى معنى قوله: “الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُولَئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ” (الأنعام 82). وذكر بعض المفسرين أن المراد بالطيب في الآية الطهارة عن دنس الشرك وفسره بعضهم بكون أقوالهم وأفعالهم زاكية، والأكثر على تفسيره بالطهارة عن قذارة الذنوب وأنت بالتأمل فيما تقدم تعرف أن شيئا مما ذكروه لا يخلوعن تسامح.

وعن الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل للشيخ ناصر مكارم الشيرازي: قوله عز وجل “الَّذِينَ تَتَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ طَيِّبِينَ يَقُولُونَ سَلَامٌ عَلَيْكُمُ ادْخُلُوا الْجَنَّةَ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ” (النحل 32) وأمّا عن المتقين: “الَّذِينَ تَتَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ طَيِّبِينَ” طاهرين من كل تلوثات الشرك والظلم والإِستكبار، ومخلصين من كل ذنب ـ “يَقُولُونَ سَلَامٌ عَلَيْكُمُ” السلام الذي هو رمز الأمن والنجاة. ثمّ يقال لهم: “ادْخُلُوا الْجَنَّةَ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ”. والتعبير عن موتهم بـ (تتوفاهم) يحمل بين طياته اللطف، ويشير إِلى أن الموت لا يعني الفناء والعدم أو نهاية كل شيء، بل هو مرحلة انتقالية إِلى عالم آخر. وفي تفسير الميزان: أنّ في هذه الآية ثلاثة مسائل: 1 ـ طهارة المؤمنين من خبث الظلم. 2 ـ يقولون لهم (سلام عليكم) وهو تأمين قولي لهم. 3 ـ “ادخلوا الجنّة بما كنتم تعملون” وهو هداية لهم إِليها. وهذه المواهب الثلاث هي التي ذكرت في الآية (82) من سورة الأنعام “الذين آمنوا ولم يلبسوا إِيمانهم بظلم أُولئك لهم الأمن وهم مهتدون” (الأنعام 82). البلاغ المبين.