اشارات عن الفلسفة والفلاسفة في القرآن الكريم (ح 3)

الكاتب : د. فاضل حسن شريف
—————————————
عن موقع العربي الجديد: الفلسفة والقرآن تكامل أم تضاد؟ للكاتب منتظر عبد الرحيم: إنّ البحث في جوهر مفردتي القرآن والفلسفة يأخذنا إلى البحث عن مدى تأثير هاتين الكلمتين على الإنسان. ونحنُ هنا إذ نقولُ القرآن، نقصدُ بهِ دستور الديانة بشكلها العام، أو بتحديد أشمل مفهوم الدين. ونقصدُ بمفردة الفلسفة، التعامل وإدراك المتغيّرات الحياتية بحكمة، فكلمة فلسفة بمعناها الإغريقي تعني حب الحكمة، وبتحديد أشمل هي النزعة البشرية للبحث في أصل الأشياء والوصول إلى تفسيرات محدّدة يحكمها منهج فكري وتأمّلي. ومع اختلاف الأزمنة وتنوّع الأفكار وتباين الآراء، حصل انحراف في مفهوم الدين والفلسفة، كما يحصل من انحرافات في كافة المفاهيم الأخرى. فغدت الفلسفة من وجهة نظر البعض أفكارا تدعو إلى الكفر والإلحاد، وأصبح الدين لدى البعض شيئا يُحجّم عقل الإنسان ويُحدّد شكل مصيره واختياراته في الحياة بدون إدراك ووعي. إلا أنّ هاتين المفردتين تُشير إحداهما للأخرى في كثيرٍ من المناسبات، وليس بصحيح فكرة تضادهما وتنافسهما، إذ يقول فرانسيس بيكون: “قليل من الفلسفة قد يؤدي بك إلى الإلحاد، لكن التعمّق الشديد بالفلسفة يرمي بك في أحضان الدين”. وهذه المقولة جديرة بالوقوف عندها قليلاً وتأملها. فالعلاقة بين الفلسفة والدين علاقة مترابطة ومتصلة، إلا أن طريق الفلسفة قد يكون صعبا ومجهدا للكثير من الناس، ونستند في حديثنا هذا إلى قوله تعالى في الآية 269 من سورة البقرة “يُؤْتِي الْحِكْمَةَ مَن يَشَاءُ ۚ وَمَن يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيرًا” (البقرة 269)، وكلمة حكمة هنا قد تُشير إلى الفكر والإدراك، أيّ الفلسفة، أو قد تُشير إلى النبوة بمعنى يؤتي الله النبوة لمن يشاء والنبوة مقترنة بالفلسفة، فكل نبي هو بالضرورة فيلسوف، ولكن ليس كلّ فيلسوف بالضرورة نبيا.

ورد في القرآن الكريم في سورة لقمان “وَلَقَدْ آتَيْنَا لُقْمَانَ الْحِكْمَةَ” (لقمان 12)، وكما هو معروف عند العوام، فإنّ لقمان لم يكن نبيًا، ولكنهُ قد أعطي الحكمة في العلم والفهم والإدراك. وبالتالي، فإنّ كلمة فلسفة إذا جردناها من تعبيرها الإغريقي، سنجد أنّها تُشير إلى جوهر الإنسان في الحياة، أي البحث والتأمل والإدراك والوعي والوصول إلى قناعات وأفكار بالتجربة والتحليل، والتدقيق وبدونها قد يتجرّد الإنسان من عقله، ويصبح كالدابة كما يُشير القرآن إلى ذلك في سورة الأنفال “إِنَّ شَرَّ الدَّوَابِّ عِندَ اللَّهِ الصُّمُّ الْبُكْمُ الَّذِينَ لَا يَعْقِلُونَ”. وفي ذلك توصية قرآنية صريحة وواضحة إلى ضرورة التدبّر والتفكّر أو إلى ضرورة الفلسفة في حياة الإنسان، وعلى شاكلتها العديد من الآيات القرآنية التي توصي بالتفكر والتدبر، بل وحتى ضرورة النظر والتفكّر بطريقة فلسفية في الآيات القرآنية كما أشار القرآن في سورة محمد “أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلى قُلُوبٍ أَقْفالُها”، ومفردة قلوب قد تشير إلى العقل كما يُرجّح اللغويون، وقد وضّح القرآن ذلك في الآية 45 من سورة الحج “أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَتَكُونَ لَهُمْ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِهَا أَوْ آذَانٌ يَسْمَعُونَ بِهَا” (الحج 45). إذاً، فالدين والفلسفة يتجهان باتجاه واحد، إلا أنّ طريق الفلسفة قد يكون حكراً لمجموعة من الناس دون أخرى، فلا تجد الحكمة عند عامة الناس إطلاقاً، ولو حدث ذلك لما كانت هناك حروب وقتل وفساد ودمار، فُوجد الدين لتنظيم حياة الإنسان من جميع النواحي النفسية والصحية والروحية. وعند التدقيق ودراسة التاريخ سنجد أنّ الفلسفة كانت جزءاً من الفكر العربي الإسلامي، وسنجد كبار الفلاسفة المسلمين قد أحدثوا نقلة معرفية كبيرة في الفكر الإنساني. وختاماً، إنّ آفة العصر وجميع العصور السابقة هو انحراف المفاهيم وعدول العقل البشري عن أصل المفهوم وطبيعة المفهوم وجوهر المفهوم ومن ضمنها مفهوم الدين، فضبط المفاهيم المختلفة هي أول خطوات تقدّم وتطوّر العقل البشري، ولا يتم ضبط المفاهيم إلا بالفلسفة.

جاء عن مركز حرمون للدراسات المعاصرة عن الدين والفلسفة، أية علاقة بينهما؟ للكاتب أحمد الرمح: معنى الدين والفلسفة: الدين -في تعريفه البسيط- هو عقيدة وشريعة وأخلاق. يلتزم بها المؤمن، ليعبّر عن صدق انتمائه للدين. ويتفق أتباع الملل والنحل كلهم على أن شرط التكليف الديني هو العقل أولًا. لذلك قال اللاهوتيون: “العقل مناط التكليف”. وهنا، يلتقي الدين بالفلسفة، لكن قبل ذلك ما تعريف الدين عند الفلاسفة؟ يقول سيسرون، في كتابه (عن القوانين): “الدين هو الرباط الذي يصل الإنسان بالله”. أما كانط، فقال في كتابه (الدين في حدود العقل): “الدين هو الشعور بواجباتنا، من حيث كونها قائمة على أوامر إلهية”. وقال الأب شاتل، في كتاب (قانون الإنسانية): “الدين هو مجموعة واجبات المخلوق نحو الخالق: واجبات الإنسان نحو الله، وواجبـاته نحو الجماعة، وواجباتـه نحو نفسه”. وأما معنى الفلسفة، فما زال ملتبسًا حتى عند بعض أنصارها، وعلى محركات البحث الإلكتروني، حيث يعرفون الفلسفة بأنها “حبّ الحكمة”، والفيلسوف هو “محبّ الحكمة”. ولكن بتمحيص هذا التعريف، نكتشف أنه ليس دقيقًا. فلو رجعنا تاريخيًا إلى اللحظة التي وُلِد فيها المصطلح، فستتجلى لنا حقيقته، إذ تقول الرواية بأن مجموعة من البحارة اليونانيين، في القرن السادس قبل الميلاد، وجدوا كنزًا في بحر “إيجة”، فاتفقوا على أن هذا الكنز يستحقه أحد أصحاب الحكمة السبعة في أثينا، فجاؤوا إلى أولهم وقالوا له: “أنت صاحب الحكمة وتستحق هذا الكنز”. فقال لهم: “أنا لستُ صاحب الحكمة، ولذلك لا أستحقه”. فذهبوا إلى الحكيم الثاني، فكان جوابه كالأول، وكذلك الثالث والرابع حتى وصلوا إلى فيثاغورث الحكيم السابع: فقال لهم: “أنا لستُ صاحب الحكمة، إنما صديق الحكمة”. ومن هنا، جاء لقب فيلسوف أي صديق الحكمة المتواضع، فهي في اليونانية (فيلوش) وتعني الصديق، و(شوفيا) وتعني الحكمة. وإذا كان للدين أجوبة قطعية حول نصوص سماوية، تحتمل التأويل، فإن الفلسفة هي تساؤل مستمر عن الواقع، ومحاولة للإجابة عنه منطقيًا، فكلّ ما لا يقدر العِلم على الإجابة عنه تأتي الفلسفة والدين للإجابة عنه. فالفلسفة هي أن تعيش حياتك بحكمة، وتفهم إيمانك بعقلانية، وتتعامل مع الأشياء برشد، وهذا مقصد رئيس من مقاصد الدين، يحاول أن يقربه لنا الفيلسوف ابن رشد، في التلاقي بين الدين والفلسفة، بقوله: هي “النظر في الموجودات، واعتبارها من جهة دلالتها على الصانع، وكلما كانت المعرفة بصنعتها أتم، كانت المعرفة بالصانع أتم”. والأمر ذاته ذهب إليه كانط، بقوله: “إن الفلسفة هي المعرفة الصّادرة من العقل”. إذن بحسب التعريفين، نستطيع القول إن الإيمان الحقيقي يجب أن يكون عقلانيًا.

جاء في موقع وزارة الأوقاف و الشؤون الاسلامية المغربية عن كتاب القرآن والفلسفة للدكتور محمد يوسف موسى: ان ما اصطلح عليه الفكر من كلمتي مشكلة فلسفية – ليس له ذات المدلول في القرءان اذ المشكلة في الاعتبار الفلسفي هي قضية او قضايا تند عن التحديد وتفرض الحل، فما يعتبره الفيلسوف مشكلة فلسفية يعتبره القرءان قضية محلولة بصورة نهائية حلا مسبقا منذ الازل، وما على العقل الا ان يكتشف هذا الحل بممارسة مقدرته في الاستدلال والتقييم. فالتفكير الفلسفي الذي يلح عليه القرءان ويدور حوله كتاب (القرءان والفلسفة) له دوره الاصيل لا في وضع مذهب يعارض مذهبا اخر او يكمله بل في المسعى الحر الواعي الذي به يستطيع الشعور الذاتي ان يتفهم معطيات الكون ويتدبرها، وبهذا المعنى يقول محمد موسى (ان القرءان بما اشتمل عليه من اصول الفلسفة الالهية والطبيعية قد دفع المسلمين للتفلسف بمعناه الواسع ص 30). من هنا نستطيع القول: ان مدار (القرءان والفلسفة) توكيد قوي الدلالة على استدعاء العقل إلى تدبر خلق السموات والارض، والحاح شديد على تقوية الايمان بالتفكير، ودعم الشعور بالتبصر دونما ركون إلى تقليد مخدر خادع. قال تعالى: ” ان في خلق السموات والارض واختلاف الليل والنهار لايات لاولي الاباب الذين يذكرون الله قياما وقعودا وعلى جنوبهم ويتفكرون في خلق السموات والارض، ربنا ما خلقت هذا باطلا” فالرءان صريح في الحديث عن مسائل فلسفية: كالخلق والبعث والبرهنة على وجود الله والانسان والكون والحياة، وبعبارة اخرى ان الجانب الفلسفي من القرءان يفصح عن الاقطاب الثلاثة التي استقطبت حولها الفلسفة خلال تاريخها حتى اليوم، هذه الاقطاب هي: الله – العالم – الانسان – وحديث القرءان هذا هو حل نهائي مطلق لجميع تلك المسائل الفلسفية ورد في القرءان بالخصوص في صورة شاملة قطعية يقينية لم تشر اليها – في اعتقادنا – هنا ان المسيحية تنظر إلى الله اه يجمع الاقانيم الثلاثة (الاب والابن والروح القدس) بينما الاسلام يلح على تعالى الله وتنزيهه وتوحيده “ليس كمثله شيء” وهذا اصفى توحيد واروعه جاء به القرءا صريحا قوي الدلالة، فذا في التعريف والتحديد بعدما اضطرب الفكر طويلا في اعطاء تعريف مانع لفكرة الله فكانت كلمة الله هي العليا ” ولله المثل الاعلى”.