ما بعد الفناء النووي: الإنسان حين يحترق بعقله

رياض سعد

*مقدّمة: نبوءة تمشي على قدمين

ليست الحرب العالمية الثالثة احتمالًا سياسيًّا عابرًا، بل هي جرح مفتوح في ذاكرة المستقبل، وهاجسٌ يبيت في قلب كل حضارة كلما اشتدّ فيها الضوء وازداد فيها العمى.

منذ أن شطر الإنسان الذرّة، تحوّل العلم من فعل معرفة إلى فعل سلطة، ومن بحثٍ في أسرار الكون إلى بحثٍ في كيفية إنهائه.

لقد أخرج الإنسان من رحم العقل ناراً ظنّها خلاصه، فإذا بها لعنةُ الخلق الثانية؛ نارٌ لا تأتي من السماء بل من المختبر، لا يُوقدها القدر بل الإرادة.

في كل حربٍ عالمية سابقة كان الموت يُقدَّم بصفته وسيلةً لسلامٍ جديد، أما الحرب النووية فهي السلام وقد انتحر بنفسه… ؛  إنها لحظةٌ لا تُعيد التوازن بين الأمم بل تمحو فكرة “الأمة” ذاتها، لتُعلن بدء عصر ما بعد الإنسان، عصر الرماد الذي بلا ذاكرة ولا ملامح.

*الإنسان ضد الإنسان… ثم ضد الوجود

إن الحروب السابقة كانت خلافات على الأرض، أما الحرب النووية فهي خلاف على الحق في الوجود ذاته… ؛ فحين تضغط دولة الزرّ الأحمر لا تكون في الواقع تحارب غيرها، بل تحارب المعنى الذي من أجله وُجد الإنسان.

إنها الحرب التي لا تعرّف العدو، لأن الكل عدوٌّ والكل ضحية، والسماء هي القبر الجماعي للحضارة… ؛ اذ يتحوّل العقل – في لحظةٍ واحدة – من أداةٍ للفهم إلى أداةٍ للفناء.

فالعالم الذي بناه الإنسان بالحساب والمنطق والفيزياء، سينهار بالمعادلات نفسها التي شيّدته… ؛ وحينها يُصبح العلم مرآةً قاتلة: يرى فيها الإنسان صورته الأخيرة وهو يحترق بنوره.

*المدن حين تصمت

لن تُعلن الحرب النووية ببدايةٍ درامية، بل بصمتٍ تقنيٍّ بارد: إشارةٌ رقمية، أمرٌ إلكتروني، ثم انفجارٌ أبيضُ اللون كأنّه فجرٌ كاذب.

في ثوانٍ معدودات، تختفي مدنٌ كانت تضجّ بالحياة: نيويورك، موسكو، بكين، طوكيو، لندن، وباريس…؛ كلها تتحوّل إلى رمادٍ مُشعٍّ في فضاءٍ بلا صوت… ؛ وتختفي الأبراج كأنها شمعٌ ذاب في يد اللهب، وتتحوّل الجسور إلى عظامٍ معدنية عالقة فوق أنهارٍ جافة… ؛ نعم , يختفي الضوء، وتتحوّل الأنهار إلى مرايا رمادية لا تعكس سوى الفراغ.

المدن التي كانت رموزاً للحضارة ستغدو شواهد قبورٍ عملاقة، والخرائط لن تعود خطوطاً سياسية بل بقعاً محترقة، تتساوى فيها القارات كأنها صفحةٌ واحدة من كتابٍ قُدِّم قربانًا للعدم…!!

*الشتاء النووي… حين تنطفئ الشمس من الداخل

حين يتصاعد الغبار المشعّ إلى الغلاف الجوي، سيبدأ الليل الذي لا ينتهي… ؛ وستُحجب الشمس خلف ستارٍ كثيف من الرماد، فتنخفض حرارة الأرض، وتذبل النباتات، وتموت الحقول… ؛ ففي غضون أسابيع، سيختفي الصيف، ويحلّ “الشتاء النووي” الذي يحوّل الكوكب إلى ثلاجةٍ كونية… ؛ وستتساقط الثلوج فوق أراضٍ مشعة، وستُدفن الحياة تحت طبقةٍ من البرد والإشعاع… ؛ كذلك لن تنجو المحيطات من السمّ، فالماء الذي كان مهد الحياة سيصير مقبرةً لها… ؛ فالأسماك تموت، الطيور تسقط من السماء، والغابات تتحوّل إلى أشباحٍ سوداء من الفحم المحترق… ؛ إنها نهاية الطبيعة حين تنتقم من الإنسان بأسلحته، نهاية الدورة التي بدأت بخلق الحياة وانتهت بصناعتها المسمومة.

*البقاء كعقوبة

في عالمٍ ما بعد الفناء، لن يكون الموت هو الرعب، بل الحياة… ؛ فالناجون القلائل سيحملون في أجسادهم سمّ الإشعاع وفي أرواحهم لعنة المعرفة… ؛ سيعيشون في أطلالٍ ملوثة، يبحثون عن الماء كما يبحث الشاعر عن معنى ضائع… ؛ سيولد أطفال بلا ملامح، بلا تاريخ، بلا ذاكرة، كأنهم نتاج حلمٍ سيئ تخلّى عنه الخالق في منتصف الطريق… ؛ سيتحوّل الإنسان من كائنٍ اجتماعي إلى كائنٍ غريزيٍّ يختبئ في الكهوف… ؛ وسيموت الفن والأدب والعلم، ولن يبقى سوى صدى اللغة القديمة، تُتمتم بها أفواهٌ ذابلة تبحث عن النجاة… ؛ وسيصير الضمير عبئًا، والعاطفة ضعفًا، والمعرفة جريمة، لأن كل شيءٍ سيذكّر الناجين بأنهم أبناء خطأ كوني لا يُغتفر…!!

*البنية النفسية للدمار

الحرب النووية ليست فعلاً مادياً فحسب، بل هي مرضٌ نفسي جماعي ينهش وعي الإنسانية منذ قرنٍ كامل… ؛ إنها التعبير الأقصى عن عقدة العظمة والخوف في آنٍ واحد؛ الإنسان الذي خاف ضعفه فأراد أن يصير إلهاً، ثم اكتشف أنه صار شيطانًا بعقلٍ رياضيٍّ بارد… ؛ اذ تتحوّل الرغبة في السيطرة إلى رغبةٍ في المحو، والرغبة في الأمان إلى جنونٍ من نوعٍ آخر: الخلاص عبر الإبادة.

من منظورٍ نفسي، يمكن القول إن السلاح النووي هو رمزٌ لفقدان الإيمان بالمعنى؛ فالمجتمع الذي يراكم القوة حدّ الإبادة هو مجتمعٌ فقد ثقته بالخلود، فراح يبحث عن طريقةٍ لتدمير نفسه كي يشعر أنه ما زال موجودًا… ؛ إنه اللاوعي الجمعي للحضارة حين يتحوّل من بناءٍ للحياة إلى طقسٍ من طقوس الفناء.

*العقل الذي احترق بنفسه

ليست الحرب النووية فعلاً من أفعال الحماقة، بل من أفعال العقل وقد تجاوز حدّه… ؛ فالعقل الذي اخترع النار ليُدفئ الكهوف، هو نفسه الذي اخترع القنبلة ليُحرق الكوكب… ؛ لقد سقط الإنسان في فخّ عبقريته، لأن الذكاء بلا وعيٍ أخلاقي يصبح نوعًا من الجنون المُقنّن… ؛ فحين انفجرت أول قنبلة ذرية، وقف العالِم الأمريكي أوبنهايمر يهمس: ” الآن أصبحت أنا الموت، ومحطم العوالم ” … ؛ في تلك اللحظة، وُلدت حضارة جديدة: حضارة تعرف أنها قادرة على قتل نفسها متى شاءت… ؛ ومنذ ذلك الحين، صار كل تقدمٍ علميٍّ يحمل في داخله ظلّ سلاحٍ محتمل، وكل فكرةٍ عظيمةٍ تجرّ خلفها خوفًا أعظم…!!

*سقوط المعنى والضمير

الحرب النووية ليست فقط دماراً للجسد، بل انهيارٌ للرمز والمعنى… ؛ فحين تفقد الحياة استمراريتها، تفقد القيم معناها.

لن يكون هناك عدل أو ظلم، خير أو شر، لأن هذه المفاهيم تحتاج إلى “زمنٍ” لتتحقّق، والزمن نفسه سيتوقّف في لحظة الانفجار… ؛ سيصير الإنسان مجرّد ومضةٍ من طاقةٍ غامضة، تختفي كما ظهرت، بلا شاهدٍ ولا ذاكرة… ؛ وحتى الدين — بوصفه خطاب الخلاص — سيواجه امتحان الفناء النهائي:

هل يمكن أن تُقام قيامةٌ في عالمٍ بلا بشر؟

هل يبقى الإيمان حين تزول التجربة الإنسانية نفسها؟

ربما سيبقى فقط في ذراتٍ صغيرةٍ تسبّح بخوف، تبحث عن الله بين الغبار المشعّ.

*العالم بعد الصفر

حين تنتهي الحرب النووية، لن يبقى شيء من الجغرافيا سوى الرماد، ولا من التاريخ سوى الصمت… ؛ لن يكون هناك “نصر” ولا “هزيمة”، لأن المنتصر سيُدفن مع المهزوم في التراب نفسه… ؛ سيُمحى كل ما كتبته الإنسانية من ذاكرة الكوكب: الموسيقى، الفلسفة، الفنون، الكتب، الأديان، اللغات… كل شيء سيذوب في حفرةٍ من الضوء المسموم… ؛ وحين يعود الهدوء، لن يكون هدوء سلامٍ بل هدوء القبور… ؛ سيستيقظ الكوكب بعد قرونٍ على حياةٍ جديدةٍ بلا بشر، وستعود الطبيعة لتلملم أشلاءها وتعيد ترتيب نفسها… ؛ ربما ستنبت أشكالٌ جديدة من الوجود، لا تعرف شيئاً عن الإنسان سوى بقايا عظامٍ متفحمة تشهد على حضارةٍ كانت يوماً تعرف كيف تفكّر، لكنها نسيت كيف تحبّ.

*الخاتمة: الإنسان كمرثية

الحرب النووية ليست احتمالًا سياسيًا، بل قصيدة فناءٍ كتبها الإنسان بنفس الحبر الذي كتب به تاريخه… ؛ إنها الوجه الآخر للعبقرية: الجانب المظلم من النور، والصرخة الأخيرة للعقل الذي أحرق نفسه ليكتشف أنه لم يكن سوى نارٍ تبحث عن معنى.

في النهاية، سيعرف الإنسان – إن بقي من يعقل – أنه لم يكن يحارب عدواً خارجيًا، بل صورته التي في الماء، وأن الحضارة لم تكن سوى استراحة قصيرة بين حيوانين:

الأول بدائيٌّ حمل العصا،

والثاني ذريٌّ حمل زرّ الفناء.

وما بين العصا والزرّ، ضاعت القصة كلها… قصة الكائن الذي ظنّ أنه خُلِق ليحكم الكون، فاكتشف أنه لم يكن سوى تجربةٍ فاشلة في مختبر الوجود.