كأس العرب: بيئة رياضية مُسيَّسة

وبطولة بلا حياد

كامل الدلفي

يعمد بعض المحللين الرياضيين إلى إرجاع نتائج المنتخب العراقي في بطولة كأس العرب إلى عامل الحظ، وهو تشخيص بائس يفتقر إلى الحدّ الأدنى من الوعي بالسياق العام الذي تُدار فيه هذه البطولة. فالمسألة لا تتعلق بالحظ بقدر ما ترتبط بطبيعة البيئة السياسية–الرياضية التي باتت تحكم الفضاء العربي المعاصر.

لقد تحوّلت بطولة كأس العرب من تظاهرة رياضية ذات طابع رمزي، كانت تُستدعى فيها مفاهيم الأخوّة والتضامن، إلى ساحة تنافس تُدار وفق منطق «النظام العالمي الجديد»، حيث تسود عقلية الاقتصاد الحر والليبرالي القائم على المنفعة والربح، لا على القيم المشتركة. وفي هذا الإطار، لم تعد الرياضة مجالًا محايدًا، بل أداة من أدوات إعادة توزيع المكانة والنفوذ.

ضمن هذه البيئة، لا يُنظر إلى العراق اليوم بوصفه «الأخ»، بل باعتباره جارًا منافسًا، أو قوة تاريخية محتملة ما تزال مقيّدة بالضغوط الدولية، ويُقابل أي أفق لنهوضه بقلقٍ إقليميّ واضح. هذا القلق لا يقتصر على السياسة أو الاقتصاد، بل يمتد إلى الثقافة والرياضة، حيث تُدار المنافسة بآليات غير متكافئة، تهدف إلى التحجيم لا إلى الاحتواء.

وتتجلّى مسألة التحكيم بوصفها أحد أوضح مظاهر هذا الخلل البنيوي. ففي مباراة العراق والجزائر التي جرت على ملعب خليفة في قطر يوم الثلاثاء 9 كانون الأول، لم يكن الحكم القطري عبد الرحمن الجاسم مجرّد طرفٍ محايد، بل بدا أقرب إلى خصمٍ يتقمّص دور الحكم. وقد كشفت الدقيقتان (3) و(5) من عمر المباراة هذا المسار بجلاء؛ ففي الأولى أُشهرت البطاقة الحمراء بوجه المدافع العراقي، وفي الثانية احتُسبت ركلة جزاء لصالح المنتخب الجزائري، لولا تدخّل تقنية الـVAR التي حالت دون تكريس هذا المنحى التحكيمي المبكر الا أنها كانت حركةَ مبيتة منه للنيل من تماسك الفريق العراقي وادخاله في دوامة القلق.

في المقابل، غضّ الحكم الطرف عن أخطاء أردنية عديدة بحق لاعبي العراق، أخطاء لا تقل في حدّتها عن المخالفة التي طُرد بسببها اللاعب العراقي حسين علي ، ما يعكس افتقارًا صارخًا لوحدة المعيار التحكيمي. ومما يعزّز الاعتقاد بوجود تحاملٍ مقصود ضد المنتخب العراقي، هي لحظة أقدم فيها الحكم الجاسمو على دفع لاعبنا أحمد يحيى بكلتا يديه وبعصبية مفرطة إثر احتكاكٍ عادي مع لاعب جزائري، في محاولة واضحة لاستفزاز لاعبنا وسحبه إلى الانفعال والخطأ تمهيدًا لطرده، غير أن كياسة لاعبنا أفشلت هذه الحيلة.

وتكرّر مشهد الظلم في مباراة العراق والأردن، إذ احتسب حكم المباراة، وضمن الدائرة التحكيمية نفسها، ركلة جزاء لصالح المنتخب الأردني سجّل اللاعب الأردني منها هدف التأهل، ليُقصى العراق من البطولة. ويمكن، في هذا السياق، تلمّس حضور المفاهيم التجارية الحديثة في إدارة المباريات، كما حدث في إلغاء هدف المنتخب الجزائري أمام الأردن بداعي التسلل، رغم أن الإعادة لم تُثبت ذلك بشكلٍ حاسم. وتزداد دلالة هذا السياق إذا ما أُخذ بالاعتبار أن المنتخب الأردني حصل على سبع ركلات جزاء دون أن تحتسب ضدهم اية ركلة جزاء خلال النسخة الحادية عشرة من كأس العرب، وهو رقم يثير تساؤلات مشروعة حول طبيعة البيئة التحكيمية وحدود الفصل بين المنافسة الرياضية ومنطق التوجيه والمنفعة.

إن استمرار العراق في استنزاف طاقاته ضمن بيئة عربية تُدار بهذه الذهنية لا يمكن اعتباره خيارًا عقلانيًا. فحين تتحوّل المنافسة إلى أداة ضبطٍ سياسي، يصبح الإنجاز الرياضي مرهونًا بعوامل خارجة عن الأداء الفني والاستعداد البدني.

وعليه، يصبح من الضروري أن يعيد العراق النظر في أولوياته الرياضية، وأن يوجّه ثقل مشاركاته نحو فضاءات أكثر توازنًا ووضوحًا في القواعد، كالساحات الآسيوية والأوروبية، حيث تخضع المنافسة – نسبيًا – لمعايير مؤسسية أشدّ صرامة، ويُترك الأداء لميزانه الطبيعي.

ويبقى السؤال مفتوحًا:

هل يُراد للعراق أن يبقى لاعبًا في بيئة لا تعترف به إلا بوصفه خطرًا يجب تحجيمه؟

أم أن الوقت قد حان لإعادة تعريف موقعه الرياضي خارج هذه الدائرة المغلقة؟