السجود يبعد عن الاستكبار عند الشيخ الطبرسي

د. فاضل حسن شريف

جاء في تفسير مجمع البيان للشيخ الطبرسي: قوله تعالى “وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ أَبَىٰ وَاسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنَ الْكَافِرِينَ” ﴿البقرة 34﴾ بين الله سبحانه ما آتاه آدم عليه السلام من الإعظام و الإجلال و الإكرام فقال و اذكر يا محمد “إذ قلنا للملائكة اسجدوا لآدم” والظاهر يقتضي أن الأمر بالسجود له كان لجميع الملائكة حتى جبرائيل و ميكائيل لقوله “فسجد الملائكة كلهم أجمعون” و في هذا تأكيد للعموم و قال قوم أن الأمر كان خاصا لطائفة من الملائكة كانوا مع إبليس طهر الله بهم الأرض من الجن واختلف في سجود الملائكة لآدم على أي وجه كان فالمروي عن أئمتنا عليهم السلام أنه على وجه التكرمة لآدم و التعظيم لشأنه و تقديمه عليهم و هو قول قتادة و جماعة من أهل العلم و اختاره علي بن عيس الرماني و لهذا جعل أصحابنا رضي الله عنهم هذه الآية دلالة على أن الأنبياء أفضل من الملائكة من حيث أنه أمرهم بالسجود لآدم وذلك يقتضي تعظيمه و تفضيله عليهم وإذا كان المفضول لا يجوز تقديمه على الفاضل علمنا أنه أفضل من الملائكة وقال الجبائي و أبو القاسم البلخي و جماعة أنه جعله قبلة لهم فأمرهم بالسجود إلى قبلتهم و فيه ضرب من التعظيم و هذا غير صحيح لأنه لو كان على هذا الوجه لما امتنع إبليس من ذلك و لما استعظمته الملائكة و قد نطق القرآن بأن امتناع إبليس عن السجود إنما هو لاعتقاده تفضيله به و تكرمته مثل قوله ” أَرَأَيْتَكَ هَذَا الَّذِي كَرَّمْتَ عَلَيَّ لَئِنْ أَخَّرْتَنِ” (الإسراء 62) و قوله ” أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ خَلَقْتَنِي مِنْ نَارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ” (الأعراف 12) ولو لم يكن الأمر على هذا الوجه لوجب أن يعلمه الله تعالى بأنه لم يأمره بالسجود على جهة تعظيمه و تفضيله عليه وإنما أمره على الوجه الآخر الذي لا تفضيل فيه و لم يجز إغفال ذلك فإنه سبب معصية إبليس و ضلالته فلما لم يقع ذلك علمنا أن الأمر بالسجود له لم يكن إلا على وجه التعظيم و التفضيل والإكرام و التبجيل ثم اختلف في إبليس هل كان من الملائكة أم لا فذهب قوم أنه كان منهم و هو المروي عن ابن عباس و ابن مسعود و قتادة و اختاره الشيخ السعيد أبو جعفر الطوسي قدس الله روحه قال و هو المروي عن أبي عبد الله عليه السلام و الظاهر في تفاسيرنا ثم اختلف من قال أنه من الملائكة فمنهم من قال أنه كان خازنا على الجنان و منهم من قال كان له سلطان سماء الدنيا و سلطان الأرض و منهم من قال أنه كان يسوس ما بين السماء و الأرض و قال الشيخ المفيد أبو عبد الله محمد بن محمد بن النعمان قدس الله روحه أنه كان من الجن و لم يكن من الملائكة قال و قد جاءت الأخبار بذلك متواترة عن أئمة الهدى عليهم السلام و هو مذهب الإمامية و هو المروي عن الحسن البصري و هو قول علي بن عيسى و البلخي و غيره و احتجوا على صحة هذا القول بأشياء (أحدها) قوله تعالى: “إِلَّا إِبْلِيسَ كَانَ مِنَ الْجِنِّ” (الكهف 50) و من أطلق لفظ الجن لم يجز أن يعني به إلا الجنس المعروف و كل ما في القرآن من ذكر الجن مع الإنس يدل عليه ( و ثانيها ) قوله تعالى: “لَا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ” (التحريم 6) فنفى المعصية عنهم نفيا عاما ( ثالثها) أن إبليس له نسل و ذرية قال الله تعالى “أَفَتَتَّخِذُونَهُ وَذُرِّيَّتَهُ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِي وَهُمْ لَكُمْ عَدُوٌّ” (الكهف 50) و قال الحسن إبليس أب الجن كما أن آدم أب الإنس و إبليس مخلوق من النار و الملائكة روحانيون خلقوا من الريح في قول بعضهم و من النور في قول الحسن لا يتناسلون و لا يطعمون و لا يشربون ورابعها) قوله تعالى: “جاعل الملائكة رسلا” (فاطر 1) و لا يجوز على رسل الله الكفر و لا الفسق و لو جاز عليهم الفسق لجاز عليهم الكذب و قالوا إن استثناء الله تعالى إياه منهم لا يدل على كونه من جملتهم و إنما استثناه منهم لأنه كان مأمورا بالسجود معهم فلما دخل معهم في الأمر جاز إخراجه بالاستثناء منهم و قيل أيضا أن الاستثناء هنا منقطع كقوله تعالى “ما لهم به من علم إلا اتباع الظن” (النساء 157).

و أنشد سيبويه: و الحرب لا يبقى لجا * حمها التخيل و المراح إلا الفتى الصبار في النجدات * و الفرس الوقاح وكقول النابغة (و ما بالربع من أحد إلا الأواري ) و يؤيد هذا القول ما رواه الشيخ أبو جعفر بن بابويه رحمه الله في كتاب النبوة بإسناده عن ابن أبي عمير عن جميل بن دراج عن أبي عبد الله عليه السلام قال سألته عن إبليس أ كان من الملائكة أو كان يلي شيئا من أمر السماء فقال لم يكن من الملائكة و لم يكن يلي شيئا من أمر السماء و كان من الجن و كان مع الملائكة و كانت الملائكة ترى أنه منها و كان الله سبحانه يعلم أنه ليس منها فلما أمر بالسجود لآدم كان منه الذي كان و كذا رواه العياشي في تفسيره و أما من قال أنه كان من الملائكة فإنه احتج بأنه لو كان من غير الملائكة لما كان ملوما بترك السجود فإن الأمر إنما يتناول الملائكة دون غيرهم و قد مضى الجواب عن هذا و يزيده بيانا قوله تعالى: “مَا مَنَعَكَ أَلَّا تَسْجُدَ إِذْ أَمَرْتُكَ ” (الأعراف 12) فعلمنا أنه من جملة المأمورين بالسجود و إن لم يكن من جملتهم و هذا كما إذا قيل أمر أهل البصرة بدخول الجامع فدخلوا إلا رجلا من أهل الكوفة فإنه يعلم من هذا أن غير أهل البصرة كان مأمورا بدخول الجامع غير أن أهل البصرة خصوا بالذكر لكونهم الأكثر فكذلك القول في الآية و أجاب القوم عن الاحتجاج الأول و هو قوله تعالى “كان من الجن” (الكهف 50) بأن الجن جنس من الملائكة سموا بذلك لاجتنانهم عن العيون قال الأعشى قيس بن ثعلبة: و لو كان شيء خالدا أو معمرا * لكان سليمان البري من الدهر برأه إلهي و اصطفاه عباده * و ملكه ما بين تونا إلى مصر و سخر من جن الملائك تسعة * قياما لديه يعملون بلا أجر و قد قال الله تعالى: “وَجَعَلُوا بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْجِنَّةِ نَسَبًا” (الصافات 158) لأنهم قالوا الملائكة بنات الله و أجابوا عن الثاني و هو قوله تعالى: “لَا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ ” (التحريم 6) الآية بأنه صفة لخزنة النيران لا لجميع الملائكة فلا يوجب عصمة لغيرهم من الملائكة و أجابوا عن الثالث بأنه يجوز أن يكون الله تعالى ركب في إبليس شهوة النكاح تغليظا عليه في التكليف و إن لم يكن ذلك في باقي الملائكة و يجوز أن يكون الله تعالى لما أهبطه إلى الأرض تغيرت حاله عن حال الملائكة قالوا و أما قولكم أن الملائكة خلقوا من الريح و هو مخلوق من النار فإن الحسن قال خلقوا من النور و النار و النور سواء و قولكم إن الجن يطعمون و يشربون فقد جاء عن العرب ما يدل على أنهم لا يطعمون و لا يشربون.

واستطرد الشيخ الطبرسي تفسير ه مجمع البيان: قوله تعالى “وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ أَبَىٰ وَاسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنَ الْكَافِرِينَ” ﴿البقرة 34﴾ أنشد أبو حاتم: و نار قد حضات بعيد وهن * بدار ما أريد بها مقاما سوى ترحيل راحلة و عين * أكالئها مخافة أن تناما أتوا ناري فقلت منون أنتم * فقالوا الجن قلت عموا ظلاما فقلت إلى الطعام فقال منهم * زعيم نحسد الإنس الطعاما لقد فضلتم بالأكل فينا * و لكن ذاك يعقبكم سقاما. فهذا يدل على أنهم لا يأكلون و لا يشربون لأنهم روحانيون و قد جاء في الأخبار النهي عن التمسح بالعظم و الروث لأن ذلك طعام الجن و طعام دوابهم و قد قيل أنهم يتشممون ذلك و لا يأكلونه و أجابوا عن الرابع و هو قوله: “جَاعِلِ الْمَلَائِكَةِ رُسُلًا” (فاطر 1) بأن هذه الآية معارضة بقوله تعالى: “اللَّهُ يَصْطَفِي مِنَ الْمَلَائِكَةِ رُسُلًا وَمِنَ النَّاسِ” (الحج 75) لأن من للتبعيض و كلا القولين مروي عن ابن عباس و روي عنه أنه قال أن الملائكة كانت تقاتل الجن فسبي إبليس و كان صغيرا فكان مع الملائكة فتعبد معها بالأمر بالسجود لآدم فسجدوا و أبى إبليس فلذلك قال الله تعالى: “إلا إبليس كان من الجن” (الكهف 50) و روى مجاهد و طاووس عنه أيضا أنه قال كان إبليس قبل أن يرتكب المعصية ملكا من الملائكة اسمه عزازيل و كان من سكان الأرض و كان سكان الأرض من الملائكة يسمون الجن و لم يكن من الملائكة أشد اجتهادا و لا أكثر علما منه فلما تكبر على الله و أبى السجود لآدم و عصاه لعنه و جعله شيطانا و سماه إبليس و أما قوله تعالى: “وكان من الكافرين” ﴿البقرة 34﴾ قيل معناه كان كافرا في الأصل و هذا القول يوافق مذهبنا في الموافاة و قيل أراد كان في علم الله تعالى من الكافرين و قيل معناه صار من الكافرين كقوله تعالى: “فكان من المغرقين” (هود 43) و استدل بعضهم بهذه الآية على أن أفعال الجوارح من الإيمان فقال لو لم يكن كذلك لوجب أن يكون إبليس مؤمنا بما معه من المعرفة بالله تعالى و إن فسق بإبائه و هذا ضعيف لأنا إذا علمنا كفره بالإجماع علمنا أنه لم يكن معه إيمان أصلا كما أنا إذا رأينا من يسجد للصنم علمنا أنه كافر و إن كان نفس السجود ليس بكفر و اختلفوا في صفة أمر الله سبحانه الملائكة بالسجود فقيل كان بخطاب من الله تعالى للملائكة و لإبليس و قيل بوحي من الله إلى من بعثه إليهم من رسله لأن كلام الرسول كلام المرسل و قيل أن الله تعالى أظهر فعلا دلهم به على أنه أمرهم بالسجود فإن قيل لم حكم الله بكفره مع أن من ترك السجود الآن لا يكفر قلنا لأنه جمع إلى ترك السجود خصالا من الكفر منها أنه اعتقد أن الله تعالى أمره بالقبيح و لم ير أمره بالسجود حكمة و منها أنه امتنع من السجود تكبرا و ردا على الله تعالى أمره و من تركه الآن كذلك يكفر أيضا و منها أنه استخف بنبي الله و ازدراه و هذا لا يصدر إلا من معتقد الكفر و في هذه الآية دلالة على بطلان مذهب الجبر من وجوه منها قوله “أبى” ﴿البقرة 34﴾ فدل على قدرته على السجود الذي أباه و تركه و إلا لم يصح وصفه بالآباء و منها قوله “فسجدوا” ﴿البقرة 34﴾ فدل على أن السجود فعلهم و منها أنه مدح الملائكة بالسجود و ذم إبليس بترك السجود و عندهم إنما لم يسجد لأنه لم يخلق فيه السجود و لا القدرة الموجبة له.