إيهاب مقبل
لم يكن استهداف إيران لقاعدة رادار عمليات البصرة حدثًا عشوائيًا، بل جاء السبت 28 فبراير شباط 2026 بهدف تحقيق ضغط عسكري ورسائل سياسية محددة دون الانجرار إلى مواجهة شاملة. قاعدة الرادار نفسها ليست هجومية، لكنها تلعب دورًا محوريًا في مراقبة الطائرات والصواريخ في جنوب العراق والخليج، وتعمل ضمن منظومة إنذار مبكر تخدم القوات الأمريكية وحلفاءها، وتشكل جزءًا من شبكة أوسع تحمي الأجواء الإسرائيلية والخليجية. وقد تم الهجوم باستخدام طائرات مسيرة دقيقة، ما يجعل الهدف تعطيل الرصد والمراقبة دون إشعال حرب مباشرة.
تصعيد صباح السبت: اغتيالات وضربات
في صباح 28 فبراير شباط 2026، أطلقت تل أبيب، بدعم من واشنطن، هجومًا جوّيًا واسعًا على إيران، في محاولة لتقليص جاهزية النظام العسكري الإيراني وفرض تفوق جوي مبكر. الضربات أدت إلى مقتل وزير الدفاع الإيراني أمير ناصر زاده وقائد الحرس الثوري محمد باكبور، وفق مصادر استخبارية.
استهداف مدرسة إيرانية ومأساة التلاميذ
في تطور مأساوي، شملت الضربات الجوية أيضًا استهداف مدرسة ابتدائية للبنات في مدينة ميناب جنوب إيران. ووفقًا للتقارير الإيرانية الرسمية، أسفر القصف الإسرائيلي عن مقتل 85 طالبة وإصابة 92 أخرى. وصفت الحكومة الإيرانية الهجوم بأنه جريمة حرب ضد أطفال أبرياء، ودعت المجتمع الدولي إلى التدخل والتحرك عاجلًا. هذا الاستهداف، الذي طاول المدنيين الأبرياء، من المرجح أن يزيد من حدة الرد الإيراني ويشعل موجة تصعيد دقيق ضد الأهداف العسكرية والاستراتيجية للخصوم، ضمن إطار يحاول تجنب الانزلاق إلى مواجهة شاملة.
رسالة مزدوجة لواشنطن
تحمل الضربات في طهران رسالة محسوبة ومزدوجة لواشنطن وطهران معًا. إيران تريد أن تقول إنها قادرة على ردع الضربات وتوجيه ضربة مقابل ضربة، لكنها تختار أهدافًا قابلة للاحتواء وتقلّل من الخسائر البشرية المباشرة. الضربات لم تنتج صور دمار هائل، لكنها كانت ذات أثر عملياتي واضح، ما يعكس أسلوب الضغط الإيراني دون كسر الخط الأحمر.
البصرة: موقع استراتيجي ذكي
اختيار البصرة لم يكن عشوائيًا أيضًا، فهي قريبة من إيران، ما يجعلها ضمن مدى الطائرات المسيّرة القصيرة، وفي الوقت نفسه بعيدة عن مراكز القرار السياسي في بغداد. كما تضم وجودًا عسكريًا واستخباريًا أمريكيًا غير معلن، ما يجعل الهدف رسائليًا وعسكريًا في الوقت ذاته، حيث يضغط على الطرف الآخر دون إلحاق أضرار مباشرة بالسيادة العراقية.
الحفاظ على العراق وعدم إحراجه
إيران حريصة على عدم جر العراق إلى مواجهة شاملة وعدم ضرب منشآته المدنية أو السيادية. لذلك كانت ضربة رادار العمليات ضربة تقنية بامتياز لا تمس السيادة، وتتيح لطهران توجيه رسالة ضغط واضحة مع الحفاظ على العلاقات السياسية في بغداد قدر الإمكان.
اختبار الدفاعات قبل الخطوات القادمة
الهجوم بالمسيّرات يتيح لإيران اختبار الرصد والاعتراض، وقياس زمن الاستجابة، ومعرفة من يدير المنظومة فعليًا، سواء القوات الأمريكية أو جهة مشتركة. هذه الخطوة غالبًا ما تعتبر تمهيدًا لمراحل لاحقة، وليست نهاية الرد الإيراني.
الرد الإيراني المتدرّج
على مدار صباح السبت وليل اليوم نفسه، ردّت إيران بشكل متدرّج عبر إطلاق صواريخ باليستية وطائرات مسيّرة على مواقع إسرائيلية وقواعد أمريكية في الشرق الأوسط، بينها قواعد في الخليج والبحرين وقطر والكويت والأردن، في أول ردّ موسّع على الضربات داخل إيران.
الرد الإيراني جاء في مستويات متعددة، ما يعكس رغبة طهران في إظهار قدرتها على المواجهة دون الانجراف إلى حرب واسعة النطاق في المنطقة، رغم التوتر الكبير الذي نتج عن الضربات.
أبرز المواقع التي قد تستهدفها إيران في العراق
في الأيام القادمة، من المرجح أن توسع إيران نطاق استهدافها ليشمل مواقع أكثر استراتيجية، بحسب درجة أهميتها العسكرية ورسائل الضغط المراد توجيهها:
1. قاعدة حرير (أربيل): نقطة دعم ومراقبة في شمال العراق.
2. مواقع قرب مطار بغداد: تستخدم لأغراض استخبارية ولوجستية مشتركة بين القوات الأمريكية والتحالف.
3. مراكز رادار ومراقبة إضافية في الجنوب: لتعطيل الشبكة الاستخباراتية والتنسيق الجوي الأمريكي.
4. قاعدة عين الأسد (الأنبار): قاعدة جوية كبيرة تمثل العمق اللوجستي للقوات الأمريكية في العراق، لكنها وفق معلومات حديثة قد تم تسليمها للجيش العراقي قبل شهر، ولم تعد تحتفظ بقوات أمريكية بشكل دائم. لذلك، أي استهداف لها الآن سيكون رسائليًا وتقنيًا أكثر منه قتاليًا مباشرًا.
هذه الأهداف غالبًا ما ستكون ضربات تقنية دقيقة عبر الطائرات المسيّرة أو الصواريخ قصيرة المدى، تهدف إلى ضغط استراتيجي محدود مع تقليل الخسائر البشرية والمدنية، مع التأكيد على قدرة إيران على التحكم في قواعد الاشتباك دون الانزلاق إلى حرب شاملة.
موقف الحكومة العراقية: عاجزة أم فاعلة؟
دور الحكومة العراقية أصبح حاسمًا وحساسًا للغاية. إذا كانت الحكومة قادرة على فرض سيادتها على الأراضي والسيطرة على قواعد التحالف، يمكن أن تحدّ من توسيع نطاق الضربات وتقلل خطر الانزلاق إلى مواجهة أوسع. أما إذا كانت الحكومة عاجزة عن حماية الأراضي ومنع استخدام العراق كساحة عمليات، فستصبح البلاد مسرحًا مفتوحًا لتصعيد إيراني متدرج، مما يضع بغداد أمام معضلة صعبة بين طهران وواشنطن.
الحكومة العراقية اليوم مطالبة بشكل عاجل بتعزيز سيادتها على كامل الأراضي ومنع أي استخدام عسكري للأراضي العراقية من قبل أطراف خارجية، بالإضافة إلى حماية المدنيين من أي ضربات محتملة. كما يجب عليها إدارة التوازن السياسي بين القوى الإقليمية لتجنب الانزلاق إلى صراع مباشر، وضمان أن العراق لا يتحول إلى ساحة للتصعيد أو التجارب العسكرية. قدرة الحكومة على فرض سيطرتها والتحكم في الوضع ستحدد إلى حد كبير مدى نجاحها في إدارة الأزمة وتجنب حرب مفتوحة على الأراضي العراقية.
الخلاصة
من خلال هذه الضربة وأي ضربات محتملة لاحقة، تقول إيران بوضوح:
“القواعد الأمريكية مكشوفة، وأي مشاركة في ضربنا لها ثمن، لكننا ما زلنا نضبط الإيقاع”.
الرسالة واضحة: إيران تستطيع الضغط والتحكم في قواعد الاشتباك، مع الحفاظ على توازنها الاستراتيجي وعدم الانجرار إلى مواجهة مفتوحة على الأراضي العراقية. وفي الوقت نفسه، فإن قدرة الحكومة العراقية على التحكم والسيطرة ستحدد مدى انزلاق التصعيد أو ضبطه ضمن حدود قابلة للإدارة.
انتهى