جغرافيا الرماد: هل يتحول جنوب الليطاني إلى “منطقة إسtيطان” جديدة؟
عدنان علامه – عضو الرابطة الدولية للخبراء والمحللين السياسيين
في المشهد اللبناني الراهن، لم يعد قصف الجسور مجرد تكتيك عسكري لعزل الميدان، بل بات يُقرأ كفصلٍ خطير من فصول “هندسة الجغرافيا”.
فحين إستهدف طيران الإحتلال الحربي جسر القاسمية، ذلك الشريان الحيوي الذي يربط صيدا بصور، لم يكن الهدف “تعطيل الإمداد” كما يروج الخطاب الرسمي لجيش الإحتلال، بل كان إعلاناً صريحاً عن بدء مرحلة “البتر الجغرافي” لجنوب نهر الليطاني عن جسد الدولة اللبنانية.
ذرائع واهية وسماء مستباحة، الحجة التي يسوقها الاحتلال حول منع تحركات معينة تفتقد للمنطق التقني والعسكري؛ فالسماء اللبنانية مخترقة على مدار الساعة بمسيرات المراقبة المتطورة التي ترصد دبيب النمل على الطرقات. إن جيشاً استطاع ملاحقة أفراد واستهداف سيارات مدنية بدقة متناهية طيلة 15 شهراً، لا يحتاج لتدمير جسر تاريخي وحيوي لمنع “تحرك مفترض”.
فالحقيقة تكمن في مكان آخر تماماً: إنها سياسة “الأرض المحروقة” التي تجعل البقاء في الجنوب عبئاً لا يُحتمل، وتجعل العودة إليه مستقبلاً ضرباً من الخيال في ظل غياب البنية التحتية.
استراتيجية “الإفراغ” تمهيداً لـ “الإسtيطان”
فما يحدث اليوم، في القرى الواقعة جنوب الليطاني، يتجاوز مفهوم “المنطقة الأمنية العازلة” التي خبرها اللبنانيون في عقود سابقة. فنحن أمام مخطط “إحلالي” يتبع ثلاثية مرعبة: هجّر، دمّر، ثم إستوطن. 1. التهجير الممنهج: عبر أوامر إخلاء لا تفرق بين مقاتل ومدني، تشمل قرى بعيدة عن خطوط التماس المباشرة.
2. التدمير الكلي: مسح أحياء سكنية بالكامل وتفجير الجسور (الزهراني، القاسمية، وغيرها) لتحويل القرى إلى سجون مفتوحة أو أطلال غير قابلة للحياة.
3. مرحلة الاسtيطان: وهي النوايا التي لم تعد خافية؛ إذ بدأت جماعات “حركة الاسtيطان” داخل المجتمع الإسرائيلي تروج علانية لخرائط “جنوب لبنان” كأرض موعودة، معلنة أن “الحقائب جاهزة” للعبور فور توقف أزيز الرصاص.
خنق صور.. تداعيات إنسانية متعمدة
إن عزل مدينة صور وقضائها عبر ضرب جسر القاسمية يضع نحو 20% من سكان المنطقة الذين صمدوا في بيوتهم أمام كارثة معيشية. هذا الحصار “اللوجستي” يمنع وصول الدواء والغذاء، ويهدف بالدرجة الأولى إلى دفع من تبقى من المدنيين نحو الشمال، لتفريغ الأرض تماماً من “العنصر البشري الوطني”، مما يسهل لاحقاً طرح فكرة “المنطقة العازلة” كأمر واقع أمام المجتمع الدولي.
المنطقة العازلة: فخ التكرار
تسعى قوات الإجتلال اليوم لفرض “حزام أمني” جديد، لكن بصبغة إسtيطانية هذه المرة.
فالإعتداءات التي بدأت تشتد منذ 27 تشرين الثاني/نوفمبر 2024، والتي أسفرت عن ارتقاء المئات من الشهداء والجرحى، كانت مجرد تمهيد لهذه اللحظة.
فالإحتلال يريد تحويل الليطاني إلى حدود طبيعية جديدة، مستغلاً عجز المنظمات الدولية (اليونيفيل) التي تجد نفسها مضطرة لإخلاء مواقعها تحت ضغط القصف المباشر والتهديد المستمر؛
إلى جانب الدولة التي باتت تتماهى مع مشاريع العدو.
الخاتمة:
إنه صراع الوجود لا الحدود.
إن “حرب الجسور” التي تُشن اليوم، هي قمة جبل الجليد، لمشروع يهدف إلى استعادة أطماع قديمة في مياه الليطاني، وفي الموقع الاستراتيجي لجنوب لبنان.
إنها محاولة لفرض واقع جغرافي جديد يخدم المستوطنين الذين هجروا من شمال فلسطين المحتلة، عبر خلق “عمق أمني” على حساب دماء اللبنانيين وأراضيهم.
وإن ما يخطط له الاحتلال ليس مجرد “منطقة خالية من السلاح”، بل هي “منطقة خالية من أصحابها”، لتكون جاهزة لاستقبال مشاريع التوسع التي لطالما حلم بها اليمين المتطرف.
يبقى الرهان اليوم على صمود من تبقى، وعلى وعي العالم بأن ما يُهدم ليس جسراً من الإسمنت، بل هو جسر التواصل الإنساني والسيادي الذي يربط لبنان بحدوده التاريخية.
وإنَّ غدًا لناظره قريب
22 آذار/ مارس 2026